ماذا بقي من" الكتاب الأخضر"؟
يروى عن السياسي الإيطالي الشهير جوليو أندريوتي، الذي ترأس ست حكومات إيطالية، أنه حاول أن يقرّب المسافة بين الرئيس الأميركي رونالد ريغان والزعيم الليبي العقيد معمر القذافي، لكن مبتغاه لم يتحقق. وحدثت الغارة الأميركية على ليبيا فجر يوم 15 نيسان/ أبريل 1986، في عملية عسكرية أُطلق عليها اسم "إلدورادو كانيون".
حاول أندريوتي، وفق ما رواه لعبد الرحمن شلقم، وزير خارجية ليبيا السابق أيام كان سفيراً لدى روما، أن يقدّم للرئيس ريغان النسخة الإنكليزية من "الكتاب الأخضر" للعقيد القذافي، لكن ريغان رفض استلامها. فقال له أندريوتي: "هذا كتاب ليس فيه متفجرات"، فردّ عليه ريغان قائلًا: "حتى هتلر ألّف كتاباً اسمه "كفاحي"، وأحرق البشر وحارب العالم، بينما ألّف ماو تسي تونغ كتاباً أحمر دمّر به الصين".
منذ استيلائه على السلطة في ليبيا عقب "انقلاب الفاتح من سبتمبر"، حرص القذافي على أن يضع مرجعية فكرية للنظام الجديد من خلال ما سُمّي بـ"النظرية العالمية الثالثة"، التي احتواها "الكتاب الأخضر"، في محاولة لمنح نظامه شرعية أيديولوجية مستقلة عن التيارات التقليدية السائدة، وتقديم بديل عن الرأسمالية والشيوعية السوفياتية، معتقداً أن العالم يحتاج إلى نموذج سياسي واقتصادي واجتماعي جديد.
بدأ القذافي مساره متأثراً بالقومية العربية وأفكار الرئيس جمال عبد الناصر ، لكن بعد وفاة هذا الأخير وتراجع المشروع الوحدوي العربي، اتجه نحو وضع أسس فلسفة سياسية خاصة به.
صدر "الكتاب الأخضر" على ثلاث مراحل بين عامي 1975 و1979. صدر الجزء الأول عام 1975 وحمل عنوان "حل مشكلة الديموقراطية: سلطة الشعب"، وفيه انتقد القذافي الديموقراطية النيابية والأحزاب والبرلمانات، معتبراً إياها "أدوات ديكتاتورية مقنّعة"، ورفع شعارات من قبيل "من تحزّب خان"، و"التمثيل تدجين".