مباحثات قضائية بظلال سياسية تعكس حجم التوتر بين باريس وقصر المرادية

فتح جيرالد دارمانان، وزير العدل الفرنسي، فصلا جديدا في مسار التعاون القضائي بين فرنسا والجزائر، خلال زيارته اليوم الاثنين إلى الجزائر، في محاولة لإعادة ضبط العلاقات الثنائية بعد أشهر من التوتر الحاد الذي بدأ منذ صيف 2024، على خلفية الموقف الفرنسي المعلن الداعم لمغربية الصحراء ومبادرة الحكم الذاتي، وهو التطور الذي شكّل نقطة تحول في طبيعة العلاقة بين البلدين وأدى إلى اهتزاز كبير في قنوات التواصل السياسي والدبلوماسي.

جاء هذا التوتر ليعكس عمق الخلافات الكامنة بين باريس والجزائر، حيث انتقلت العلاقة من منسوب تعاون تقليدي إلى مرحلة شد وجذب حادة، شملت تعطّل عدد من آليات التنسيق في ملفات حساسة، مقابل استمرار محاولات فرنسية للحفاظ على حد أدنى من التواصل، بالنظر إلى تشابك المصالح في مجالات الأمن والهجرة ومكافحة الجريمة المنظمة.

وتشكل زيارة دارمانان اختبارا عمليا لإمكانية تجاوز الأزمة الدبلوماسية الحادة، من خلال الدفع نحو “استئناف فعلي للتعاون القضائي العملياتي”، وفق ما أكده مقربون من الوفد الفرنسي، مع الإعداد لإرسال وفد من كبار القضاة الجزائريين إلى باريس مطلع يونيو المقبل، وذلك في إطار إعادة بناء الثقة على أساس براغماتي يركز على الملفات التقنية بدل الخلافات السياسية.

ورغم هذا المسار الثنائي الحذر، تظل ملفات ثقيلة حاضرة بقوة في أجندة المباحثات، من بينها قضايا الجريمة المنظمة، وعلى رأسها ملف شبكة “دي زد مافيا” الناشطة في مرسيليا، إضافة إلى ملف الصحافي الفرنسي كريستوف گليز المحتجز بالجزائر، وموضوع “المكاسب غير المشروعة” المرتبط بمرحلة ما بعد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وهو ما يعكس حجم التعقيد في العلاقة القضائية بين البلدين وتشابكها مع اعتبارات سياسية وأمنية.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو الزيارة خطوة في اتجاه إعادة ترميم ما تضرر خلال أزمة 2024، مع استمرار رهانات الطرفين على إمكانية فصل المسار التقني عن التوترات السياسية، لإحياء تعاون قضائي ظل لسنوات أحد أعمدة العلاقة بين باريس والجزائر، رغم الإرث التاريخي الحساس وتباين مواقف البلدين من قضايا إقليمية محورية.

تفاعلا مع الموضوع، قال السالك رحال، الناطق الرسمي باسم حركة “صحراويون من أجل السلام”، إن زيارة وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان إلى الجزائر، مرفقا بوفد قضائي رفيع المستوى، تعكس وجود إرادة متبادلة لطي صفحة التوتر الحاد الذي خيم على العلاقات الفرنسية الجزائرية خلال السنتين الأخيرتين، غير أنها في المقابل لا تحمل أي مؤشر على تراجع باريس عن موقفها الداعم لسيادة المغرب على صحرائه ولمبادرة الحكم الذاتي.

وأضاف رحال، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن قبول الجزائر استقبال الوفد الفرنسي بعد أشهر من القطيعة السياسية والدبلوماسية يؤكد أن السلطات الجزائرية بدأت تتعامل بواقعية أكبر مع التحولات الدولية المرتبطة بقضية الصحراء، خاصة بعد اتساع دائرة الدعم الدولي للمقترح المغربي، مشيرا إلى أن باريس حسمت موقفها بشكل واضح منذ إعلان دعمها الرسمي والتاريخي لمغربية الصحراء سنة 2024.

وأوضح المتحدث أن الجزائر وجدت نفسها خلال الأشهر الأخيرة أمام عزلة سياسية متزايدة بخصوص عدد من التطورات المرتبطة بالنزاع، خصوصا بعد الإدانات الدولية الواسعة للهجوم الذي استهدف مدينة السمارة بداية الشهر الجاري، موردا أن عددا من الدول، من بينها فرنسا، أدانت العملية بشكل واضح، في وقت غابت فيه أي مواقف داعمة لجبهة البوليساريو، حتى من طرف الجزائر نفسها.

ونبّه المصرح لهسبريس إلى أن زيارة المسؤول الفرنسي لا يمكن فصلها عن سياق التفاهمات السياسية غير المعلنة بين باريس والجزائر بخصوص ملف الصحراء، مذكرا في هذا الصدد بتصريحات وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف خلال ندوة صحافية في أكتوبر 2024، عندما تحدث عن وجود “صفقة” أو تفاهمات مرتبطة بهذا الملف بين المغرب والجزائر وفرنسا، معتبرا أن المعطيات الحالية توحي بأن بعض تفاصيل تلك التفاهمات بدأت تتضح تدريجيا.

وخلص السالك رحال إلى أن الجزائر تحاول اليوم الخروج من تداعيات مرحلة التصعيد السابقة بأقل الخسائر السياسية والدبلوماسية، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها ملف الصحراء، وتنامي القناعة داخل عدد من العواصم الدولية بجدية وواقعية المبادرة المغربية باعتبارها أرضية أساسية لأي تسوية سياسية مستقبلية.

من جانبه، شدد محمد فاضل بقادة، رئيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية لحركة “صحراويون من أجل السلام”، على أن الجزائر ما تزال تتعامل مع قضية الصحراء باعتبارها المحدد الرئيسي لعلاقاتها الإقليمية والدولية، رغم خطابها الرسمي الذي ظل لعقود يؤكد أنها “ليست طرفا” في النزاع المفتعل، لافتا إلى أن ردود فعلها تجاه الدول الداعمة لمقترح الحكم الذاتي تكشف حجم الارتباط السياسي والدبلوماسي الذي يبنيه قصر المرادية على هذا الملف.

وأكد بقادة لهسبريس أن الموقف الفرنسي الداعم لمغربية الصحراء شكل لحظة مفصلية في العلاقات بين باريس والجزائر، خاصة بعد زيارة الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون إلى الرباط سنة 2024، والتي أنهت “مرحلة الضبابية الفرنسية” وكرست انتقال باريس إلى موقع الوضوح السياسي الداعم لسيادة المغرب على صحرائه ولمبادرة الحكم الذاتي.

وأضاف أن “رد فعل الجزائر كان متناقضا مع خطابها التقليدي بخصوص النزاع، كما أنه لم يكن محسوبا من حيث الكلفة السياسية والدبلوماسية، بالنظر إلى طبيعة العلاقة التاريخية المعقدة التي تجمعها بفرنسا، وما تمثله باريس بالنسبة للجزائر على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والجيو-سياسية”.

وأوضح رئيس مركز الدراسات السياسية أن فرنسا، رغم دعمها الواضح للمغرب داخل مجلس الأمن وتصويتها لصالح القرار 2797، ظلت حريصة على حماية مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، وهو ما يفسر التحركات الأخيرة لإعادة ترميم العلاقة مع الجزائر، من خلال زيارات متبادلة لمسؤولين فرنسيين رفيعي المستوى، آخرهم وزير العدل الذي حل بالجزائر مرفقا بوفد قضائي كبير.

وسجل المصرح ذاته أن “زيارة جيرالد دارمانان تحمل في ظاهرها طابعا قضائيا وتقنيا، لكنها في العمق تعكس محاولة فرنسية لإعادة قطار العلاقات إلى سكته بعد قطيعة فرضتها الجزائر بسبب دعم باريس لمغربية الصحراء، كما ترتبط برغبة فرنسية في الحفاظ على نفوذها ومصالحها داخل منطقة الساحل وشمال إفريقيا”.

وفي هذا السياق، يرى محمد فاضل بقادة أن التحولات الدولية المتسارعة في ملف الصحراء أصبحت ترخي بظلالها على مختلف التحركات الدبلوماسية المرتبطة بالمنطقة، مبرزا أن الجزائر تواجه اليوم صعوبة في استيعاب التحول المتزايد داخل المنتظم الدولي لصالح الطرح المغربي، خاصة بعد المواقف الصادرة عن قوى كبرى، من بينها فرنسا، وهو ما يفرض، بحسبه، مرحلة انتقالية لإعادة ترتيب مقاربتها السياسية تجاه النزاع وتداعياته الإقليمية.

The post مباحثات قضائية بظلال سياسية تعكس حجم التوتر بين باريس وقصر المرادية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress