مبادرة الحوكمة العالمية: لماذا تكتسب رؤية شي جينبينغ زخماً دولياً متزايداً؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

وارف قميحة*

 

خلال زياراتي المتعددة إلى الصين ولقاءاتي مع مسؤولين وأكاديميين وباحثين صينيين على مدى السنوات الماضية، لاحظت أن مسألة الحوكمة العالمية كانت حاضرة باستمرار في النقاشات الفكرية والسياسية. ولم يكن ذلك مرتبطاً فقط بالمكانة الدولية المتنامية للصين، بل بإدراك متزايد لدى العديد من المفكّرين وصنّاع القرار بأن العالم يواجه تحدّيات جديدة لم تعد الأدوات التقليدية كافية للتعامل معها بالفاعلية المطلوبة.

وعندما أطلق الرئيس الصيني شي جينبينغ مبادرة الحوكمة العالمية في الأول من أيلول/ سبتمبر  2025، لم يكن يطرح مبادرة منفصلة عن مجمل الرؤية الصينية للعلاقات الدولية، بل كان يضيف حلقة جديدة إلى منظومة متكاملة تضمّ مبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية. وإذا كانت هذه المبادرات قد عالجت قضايا التنمية والأمن والتفاعل بين الحضارات، فإن مبادرة الحوكمة العالمية جاءت لتطرح سؤالاً أكثر شمولاً: كيف يمكن تطوير نظام دولي أكثر عدالة وقدرة على الاستجابة للتحديات المشتركة التي تواجه البشرية؟

هذا السؤال لم يعد نظرياً. فالأزمات الاقتصادية المتكرّرة، والتغير المناخي، والتطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، واتساع الفجوة الرقمية، والنزاعات الممتدة في أكثر من منطقة في العالم، تكشف كلها الحاجة إلى تعزيز التعاون الدولي والبحث عن آليات أكثر فاعلية للعمل الجماعي.

ومن هنا يمكن فهم الاهتمام المتزايد الذي حظيت به مبادرة الحوكمة العالمية خلال فترة قصيرة. فالمبادرة جاءت في وقت يشهد فيه النظام الدولي نقاشاً واسعاً حول سبل إصلاح المؤسسات الدولية وتعزيز قدرتها على مواكبة التحولات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة.

 

خمسة مبادىء

 

تقوم المبادرة على خمسة مبادئ رئيسية هي: المساواة في السيادة بين الدول، والالتزام بالقانون الدولي، والتمسك بالتعددية، ووضع الإنسان في مركز عملية التنمية، والتركيز على العمل والنتائج العملية. وهي مبادئ تنطلق من قناعة بأن معالجة القضايا العالمية لا يمكن أن تتم عبر الهيمنة أو الإقصاء، بل من خلال الحوار والتشاور والتعاون بين مختلف الدول.

 

كما تؤكد المبادرة أهمية الأمم المتحدة باعتبارها المؤسسة الدولية الأكثر تمثيلاً للمجتمع الدولي، وتشدّد على ضرورة التمسك بمقاصد ومبادئ ميثاقها وتعزيز دورها في مواجهة التحديات العالمية؛ فالحفاظ على التعددية الدولية وتطويرها يشكلان - من وجهة النظر الصينية - شرطاً أساسياً لبناء نظام عالميّ أكثر استقراراً وإنصافاً.

ولا يقتصر الاهتمام بالمبادرة على الدول الكبرى، بل يمتدّ إلى عدد متزايد من الدول النامية ودول الجنوب العالمي التي تسعى إلى دور أكبر في صنع القرار الدولي. فهذه الدول أصبحت شريكاً أساسياً في الاقتصاد العالمي وفي جهود التنمية الدولية، ومن الطبيعي أن تطالب بمشاركة أوسع في رسم السياسات التي تؤثر في مستقبل العالم. لقد أثبتت التجارب المعاصرة أن مواجهة التحدّيات المشتركة تتطلّب حلولاً مشتركة. فالتغيّر المناخي لا يعترف بالحدود، والأوبئة لا تتوقف عند الجغرافيا السياسية، والتطورات التكنولوجية المتسارعة تستدعي تعاوناً دولياً يضمن توظيفها لخدمة التنمية والسلام. ومن هذا المنطلق، تطرح مبادرة الحوكمة العالمية رؤية تقوم على التشاور الواسع والمساهمة المشتركة وتقاسم المنافع، بما يتيح لجميع الدول المشاركة في بناء مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.

 

ماذا عن الدول العربية؟

 

بالنسبة إلى الدول العربية، تكتسب هذه المبادرة أهمية إضافية؛ فالمنطقة العربية عانت خلال العقود الماضية من تداعيات الصراعات والتوترات الإقليمية والدولية، وهي معنية بأيّ جهد دولي يهدف إلى تعزيز السلام والتنمية واحترام سيادة الدول وتحقيق المصالح المشتركة، كما أن الدول العربية، شأنها شأن بقية دول الجنوب العالمي، تتطلّع إلى نظام دولي أكثر توازناً وعدالة وتمثيلاً.

إن أهمية مبادرة الحوكمة العالمية لا تكمن فقط في ما تتضمنه من مبادئ ومقترحات، بل أيضاً في كونها تعكس رؤية أوسع لمستقبل العلاقات الدولية؛ فهي تنطلق من فكرة أن مصائر الشعوب أصبحت مترابطة بصورة غير مسبوقة، وأن مواجهة التحدّيات الكبرى تتطلّب تعاوناً يتجاوز الحسابات الضيّقة والمصالح الآنية.

 

ولعلّ هذا ما يفسّر الاهتمام الدولي المتزايد بالمبادرة. فهي لا تقدم مجرد تصوّر لإصلاح بعض آليات العمل الدولي، بل تطرح رؤية متكاملة لعالم يقوم على الشراكة والتعاون والاحترام المتبادل، وتنسجم في جوهرها مع مفهوم بناء مجتمع ذي مصير مشترك للبشرية الذي يشكل أحد المرتكزات الأساسية في فكر الرئيس شي جينبينغ.

إن النقاش حول مستقبل الحوكمة العالمية سيستمر بلا شكّ خلال السنوات المقبلة، لكن ما يبدو واضحاً اليوم هو أن العالم بات بحاجة أكثر من أيّ وقت مضى إلى مبادرات وأفكار قادرة على تعزيز التعاون الدولي وتوسيع مساحات التفاهم بين الدول والشعوب. وفي هذا الإطار، تمثل مبادرة الحوكمة العالمية مساهمة مهمة في الحوار الدولي حول مستقبل النظام العالمي وكيفية جعله أكثر عدالة وإنصافاً وقدرة على خدمة الإنسانية جمعاء.

*كاتب وباحث في العلاقات العربية - الصينية، ورئيس الرابطة العربية - الصينية للحوار والتواصل

-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية