متى ستتمكن الصين من السيطرة على تايوان؟
أبلغ الرئيس الصيني شي جينبنغ نظيره الأميركي دونالد ترامب، خلال قمتهما في بكين أن "تايوان هي القضية الأهم والأكثر حساسية في العلاقات الصينية – الأميركية".
"تايوان" تلك الجزيرة التي أخضعتها بكين لمبدأ "الصين الموحدة"، على اعتبار أنها جزء لا يتجزأ من الصين الشعبية، والتي تعتبر أن أي حكومة تقدم على قرار التنازل من أجل استقلالها لا تقدم خدمة بالمجان للأميركي، لكّنها تكون قد دقّت مسماراً في نعش الصعود الصيني على الساحة الدولية.
تشكل الجزيرة الورقة الاستراتيجية الرابحة في يدّ واشنطن ترفعها بوجه بكين. لهذا عملت عبر السنين إلى جعلها جزيرةً عائمة بالسلاح، وتعمل دائماً على استفزاز التنين الصيني عندما تعمّق قصداً علاقاتها الديبلوماسية مع سلطات الجزيرة، كما حدث على سبيل المثال في الزيارة التي قامت بها، رئيسة الكونغرس السابقة نانسي بيليوسي في آبأغسطس عام 2022 في زيارة رسمية إلى تابييه.
الوقت لم يحن بعد
رغم المناورات العسكرية التي تجريها القوات الصينية حول الجزيرة، والتي تحاكي في أبعادها خطة الاستيلاء عليها، إلا أنّ الصين تعتبر أن الوقت لم يحن بعد لإتمام المهمة، رغم انشغال واشنطن بقضايا دولية تجد فيها بكين أكثر من ضرورية في سبيل استنزاف القوة الأميركية في مكان ما ضرب هيبتها دولياً.
لم يقدم شي إلى نظيره الأميركي ترامب ما كان يبتغيه في اللقاء الأخير حول إيران، إذ اتى بصفة رجل الأعمال الأميركي مترئساً وفداً من رجال الأعمال والتكنولوجيا الكبار لإتمام صفقاتٍ تجارية وسياسية. إذ كان من المتوقع ان يفاوض ترامب مع القيادة الصينية على مبدأ "تايبيه مقابل طهران"، لكنّ هذا لم يكن، لأنه ببساطة لم تفاوض الصين على أوراق رابحة في يدها. فقضية "ضمّ" تايوان بالنسبة إلى القيادة الصينية ليست سوى مسألة وقت، كذلك الأمر بالنسبة إلى سقوط واشنطن في فخ طهران.
تدرك بكين القراءة بين السطور في المسائل المرتبطة بالحروب، كيف لا وهي التي تتحايل على الغرب الذي يعمل على الإيقاع بها في فخ تايوان. فهي على علم أيضاً أن "الحرب النصفية" التي خاضتها واشنطن مع إيران لا تأتي بثمارها، فإن مفهوم الحرب غير المنتهية تعزّز الحضور الإيراني، وتميل بكفة إعلان النصر إلى النظام القائم بغض النظر عن أي تسويةٍ منتظرة ستكون بين الجانبين. فعدم إنهاء واشنطن الحرب وترك المجال أمام الحلول الديبلوماسية، هو فرصة بكين لضرب الهيبة الأميركية والهيمنة في آن واحد. لهذا السبب لم تقايض ترامب على مبدأ إيران في مقابل الجزيرة.
جبهة هجينة
لم يزل التنين الصيني نائماً أو بالأحرى هو مستيقظ بحذر ولن يقدم على حسم الأمر على حدوده، لأّن العلاقات التي شبكتها تايوان هي مع الغرب المتمثل في ذراعيه الأوروبي والأميركي. ويراقب التنين الصيني، ما يحدث في شرق أوروبا، فهناك أيضاً جبهة هجينة يخوضها الأوروبي من دون صوغ استراتيجية واضحة تهدف إلى اسقاط حلم الرئيس فلاديمير بوتين بهدف زعزعة الاتحاد الدول الأوروبي مع خطر صعود القوميين في أوروبا...
إن ذهاب أوروبا إلى احتمال توقيع "سلام" لإنهاء الحرب الدائرة في أوكرانيا، قد يكون مجرد تجميد للصراع، وهو ما يخلق أزمةً داخلية في أوكرانيا ويمنح روسيا فرصةً لتحقيق "خطة بديلة" تقوم على إضعاف الدولة الأوكرانية، وربما أوروبا حتى من دون حاجة إلى عمل عسكري.
يسير الزعيم الصيني بخطى مدروسة نحو ضم تايوان، ترتكز على سلاميين منقوصين في شرقين، الأول الشرق الأوروبي والآخر الشرق الأوسط، هذا ما يحتاجه لضرب الهيبة الغربية بجناحيها الأميركي والأوروبي. فعدم الحسم العسكري وعدم جدوى العقوبات الغربية الاقتصادية على الاقتصادين الروسي والإيراني الذين وضعا في العناية الاقتصادية الصينية المركزة، يعطي حافزاً اضافياً إلى بكين لأن تستثمر فيهما لمصلحة تعزيز حضورها على الساحة الدولية، والدفع بها نحو ترتيب نظام عالمي جديد تكون منطقة شنغهاي الاقتصادية مركز التجارة العالمي، بدل نيويورك، وتصبح العملة الصينية "يوهان" عملة التداول النقدي بين الدول بدل الدولار أو اليورو.
جميع الطرق على ما يبدو تؤدي ببكين إلى روما، بما معناه إلى مركزية القرار العالمي. لكنّ الصعود هذا لا يخلو من مصاعب، فأي انهيار مفاجئ للقوى الغربية قد يدفع حلفاء الأمس للصين إلى الصدام في الغدّ، خصوصاً أن ما يجمع بينهم ليست استراتيجية تغييرية واضحة، بل عدائية مشتركة لأميركا. لهذا من المبكّر الرهان على أي سقوط وصعود، هذا ما يجعل الصين غير مستعجلة في أمر حسم الجزيرة، ما دامت الأمور غير ناضجة، وإن الحرب في الشرقين لم تضع أوزارها بعد.