محميّة عميق في لبنان... الطيور المهاجرة تحت حراسة الجواميس

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

أديبة قصاب

 

قد يكون أكثر ما يفاجئك في محميّة عميق ليس أسراب الطيور التي تملأ السماء، ولا حتى المشهد الأخضر الممتد بين المياه والقصب، بل ذلك الإحساس بأن الزمن يسير هنا بوتيرة مختلفة. دقائق قليلة تكفي لتنسى ضجيج المدن، ولتجد نفسك في عالم لا تقطعه سوى رفرفة جناح، أو حركة جاموسة تشقّ طريقها بهدوء بين المستنقعات.

في البقاع الغربي في لبنان، وعلى مقربة من سفوح جبل الباروك، تختبئ واحدة من أغنى البيئات الطبيعية في البلاد. هنا، لا تكون الطبيعة مجرد خلفية للمشهد، بل بطلة الحكاية؛ مساحة نابضة بالحياة تحولت إلى ملاذ لمئات أنواع الطيور، وإلى أحد أهم الأنظمة البيئية في الشرق الأوسط.

 

 

حيث تتوقف رحلة الطيور

 

مرتين في السنة، تعبر السماء فوق عميق آلاف الطيور القادمة من أوروبا في طريقها إلى أفريقيا، أو العائدة في الاتجاه المعاكس مع تبدل الفصول. بالنسبة إليها، ليست هذه المحميّة مجرد محطة عابرة، بل استراحة ضرورية تستعيد فيها طاقتها قبل مواصلة رحلة قد تمتدّ لآلاف الكيلومترات.

 

 

محمية عميق في لبنان (تصوير: أديبة قصاب)

 

 

لذلك تُعد عميق من أبرز وجهات مراقبة الطيور في المنطقة، بعدما سُجّل فيها أكثر من 260 نوعاً، بينها أنواع نادرة ومهدّدة بالانقراض، لتجذب في مواسم الهجرة المصوّرين والباحثين وهواة الطبيعة.

لا يأتي هذا الغنى من المصادفة، فالمحميّة تقع على أحد أهم مسارات هجرة الطيور في العالم، الذي يربط أوروبا وأفريقيا مروراً بالشرق الأوسط، فيما توفر ينابيع جبل الباروك والمستنقعات المحيطة بيئة مثالية للتغذية والراحة.

 

 

محمية عميق في لبنان (تصوير: أديبة قصاب)

 

 

الجواميس... نجوم المشهد الصامت

 

 

رغم أن الطيور هي العنوان الأبرز للمحميّة، فإن جواميس الماء سرقت جزءاً كبيراً من الأضواء خلال السنوات الأخيرة، حتى أصبحت رمزاً لعميق، وصورُها من أكثر المشاهد تداولاً بين زوّارها.

تتحرّك هذه الحيوانات الضخمة بهدوء بين المياه والنباتات، في مشهد لا يكاد يتكرر في أيّ مكان آخر في لبنان.

لكن وجودها ليس مجرد إضافة جمالية. فالجواميس تؤدّي دوراً أساسياً في الحفاظ على المستنقعات، إذ تفتح بحركتها ممرات بين النباتات الكثيفة، ما يساعد على تجدّد المياه ويحافظ على التوازن البيئي الذي تعتمد عليه عشرات الكائنات الحيّة.

 

 

محمية عميق في لبنان (تصوير: أديبة قصاب)

 

 

 

آخر ما بقي من الأراضي الرطبة

 

تكمن أهمية عميق أيضاً في أنها أكبر وآخر أرض رطبة باقية في لبنان، بعدما كانت هذه البيئات تنتشر يوماً في أجزاء واسعة من سهل البقاع. وتغذيها ينابيع طبيعية تنحدر من جبل الباروك، لتشكل نظاماً بيئياً متكاملاً يحتضن حياة برّية غنية ومتنوّعة.

وقد منحها هذا الموقع مكانة عالمية، فأُدرجت ضمن اتفاقية رامسار للأراضي الرطبة، وأصبحت جزءاً من شبكة محميّات المحيط الحيوي التابعة لليونسكو.

 

 

 

 

محمية عميق في لبنان (تصوير: أديبة قصاب)

 

 

لا تقتصر الحياة في عميق على الطيور والجواميس، إذ تضمّ أيضاً 23 نوعاً من الثدييات، و12 نوعاً من الزواحف، و5 أنواع من البرمائيات، إضافة إلى عشرات أنواع الفراشات والنباتات البرية، ما يجعلها مختبراً طبيعياً مفتوحاً للباحثين والمهتمين بالبيئة.

 

 

رحلة هادئة... ورسالة أكبر

 

زيارة محميّة عميق ليست مجرد نزهة، بل فرصة لاكتشاف وجه آخر للبنان، عبر السير في المسارات الطبيعية، أو الصعود إلى أبراج مراقبة الطيور، أو الاكتفاء بتأمّل المشهد المتبدّل مع الفصول.

وتمنح المنطقة المحيطة بالمحميّة فرصة لاستكشاف القرى الريفية في البقاع الغربي، وتذوّق المأكولات التقليدية التي تشتهر بها المنطقة، في رحلة تجمع بين الطبيعة والتراث المحلي.

 

 

 

محمية عميق في لبنان (تصوير: أديبة قصاب)

 

 

 

لكن هذا الكنز الطبيعي يواجه تحديات متزايدة، أبرزها التغيّر المناخي وتراجع الأمطار، إضافة إلى الصيد غير القانوني والتعديات البيئية.

وربما لهذا السبب، تبدو زيارة عميق أكثر من مجرد رحلة سياحية. إنها تذكير بأن لبنان لا يزال يحتفظ بزوايا لم تفسدها العجلة الحديثة، وأن بعض أجمل كنوزه ليست تلك التي ترتفع فوق القمم أو تمتد على الشواطئ، بل تلك المختبئة بين المياه والقصب، حيث تلتقي الطيور القادمة من قارات العالم، وتحرسها جواميس تمضي في طريقها بصمت، كأنها تعرف أن الطبيعة وحدها هي صاحبة المكان.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية