مختصون ضد التشخيص النفسي العشوائي بمواقع التواصل الاجتماعي

في ظل الانتشار الواسع لمقاطع الفيديو والمنشورات التي تتناول “النرجسية” و”جروح الطفولة” و”الاكتئاب” و”اضطرابات الشخصية”، على مواقع التواصل الاجتماعي، يحذر مختصون في علم النفس من تحول هذه المفاهيم العلمية الدقيقة إلى مصطلحات متداولة بشكل عشوائي من قبل غير المختصين، الأمر الذي يساهم في نشر معلومات مغلوطة وتشخيصات غير دقيقة قد تكون لها انعكاسات سلبية على الأفراد والعلاقات الأسرية والاجتماعية.

وباتت منصات التواصل الاجتماعي فضاءً مفتوحاً أمام “مؤثرين” ومدربي تنمية ذاتية وصناع محتوى يقدمون أنفسهم كخبراء في العلاقات الإنسانية والصحة النفسية، حيث يقدمون تفسيرات وتشخيصات لحالات نفسية معقدة دون تكوين أكاديمي أو مهني متخصص، ما يثير تساؤلات متزايدة حول كيفية التمييز بين المعلومات العلمية الموثوقة والمحتوى المضلل في مجال حساس يرتبط بالصحة النفسية للأفراد.

العلمي والعشوائي

أكد فيصل الطهاري، الأخصائي النفسي الإكلينيكي والمعالج النفساني، أن “الحديث عن النرجسية وغيرها من الاضطرابات النفسية أصبح منتشراً بشكل واسع على وسائل التواصل الاجتماعي، غير أن أغلب المتحدثين في هذه المواضيع ليسوا من أهل الاختصاص”.

وأوضح الطهاري، ضمن تصريح لهسبريس، أن “الكثير ممن يقدمون محتوى حول النرجسية هم مدربو تنمية ذاتية أو ‘مؤثرون’ مهتمون بالعلاقات الزوجية والعاطفية، يعتمدون في الغالب على تصورات عامة ومتداولة على الإنترنت لا تستند إلى مراجع أكاديمية أو علمية دقيقة”، وأشار إلى أن “هذه المضامين غالباً ما تختزل النرجسية في صفات مثل الأنانية أو العنف أو حب الذات المفرط، بينما الأمر في الواقع يتعلق باضطراب شخصية معقد له معايير تشخيصية دقيقة لا يمكن اختزالها في أوصاف عامة أو تجارب شخصية عاشها أفراد في علاقات فاشلة”.

وأضاف المتحدث ذاته أن “إطلاق أوصاف من قبيل ‘شخص نرجسي’ أو ‘شخصية نرجسية منحرفة’ لا ينبغي أن يتم بشكل اعتباطي، لأن تشخيص اضطرابات الشخصية يتم داخل العيادات النفسية والمصحات المتخصصة وفق مسار مهني وعلمي محدد، وليس بناءً على الانطباعات أو الخلافات اليومية بين الأشخاص”، مسجلا أن “المختصين يعاينون باستمرار حالات تتهم فيها الزوجة زوجها بالنرجسية أو العكس، وهو ما يؤدي أحياناً إلى توتر العلاقات الزوجية أو انهيارها نتيجة سوء الفهم واعتماد تشخيصات غير مهنية”.

وشدد الأخصائي النفسي الإكلينيكي والمعالج النفساني على أن “الخلافات الشخصية أو الاختلاف في وجهات النظر أو حتى قوة الشخصية لا تعني بالضرورة أن الشخص يعاني من اضطراب الشخصية النرجسية”، داعياً المواطنين إلى “اللجوء إلى المختصين عند الاشتباه في وجود اضطراب نفسي، بدل الاعتماد على محتويات وسائل التواصل الاجتماعي”.

الإعلام و”الكوتشينغ”

اعتبرت بشرى المرابطي، الأخصائية النفسية والباحثة في علم النفس الاجتماعي، أن “المسؤولية في انتشار المعلومات المغلوطة حول الصحة النفسية تقع على عاتق أكثر من طرف، سواء المؤسسات الرسمية أو الأسر والأفراد”.

وأوضحت المرابطي، ضمن تصريح لهسبريس، أن “جزءاً كبيراً من المشكلة بدأ قبل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، من خلال بعض البرامج الإذاعية والإعلامية التي منحت مساحة واسعة لأشخاص غير متخصصين لتقديم أنفسهم كخبراء في العلاقات النفسية والاجتماعية”، وقالت إن ظاهرة “الكوتشينغ” “تجاوزت أدوارها الأصلية المرتبطة بتطوير المهارات الشخصية أو المهنية، لتتحول في بعض الحالات إلى ممارسة غير مؤطرة تشمل تحليل اضطرابات الشخصية وتقديم وصفات علاجية نفسية دون أي تأهيل علمي أو أكاديمي”.

وأضافت المتحدثة ذاتها أن “بعض الأشخاص الذين يقدمون أنفسهم كمدربين أو موجهين تحولوا إلى مراجع لدى فئات واسعة من المجتمع، حتى أصبح فشل أي علاقة عاطفية أو زوجية يُفسر مباشرة بوجود ‘شخصية نرجسية منحرفة’، بينما تُوصف حالات التعب العادي أو الحزن المؤقت بأنها اكتئاب، رغم أن الاكتئاب اضطراب له معايير وأعراض دقيقة ومعترف بها علمياً”.

صورة سلبية

ترى المرابطي أن “هذا الخطاب أدى إلى انتشار نظرة سلبية تجاه الذات والمجتمع، إذ أصبح البعض يعتقدون أن المغاربة من أكثر الشعوب معاناة من الاضطرابات النفسية وفشل العلاقات الأسرية والعاطفية، وهو تصور مبالغ فيه وغير مستند إلى معطيات علمية دقيقة”، وأرجعت ذلك إلى “غياب المختصين الحقيقيين عن المشهد الإعلامي، مقابل الحضور المكثف لغير المتخصصين، سواء في وسائل الإعلام التقليدية أو عبر المنصات الرقمية”.

كما انتقدت الأخصائية النفسية والباحثة في علم النفس الاجتماعي ما وصفتها بـ”استضافة أشخاص يفتقرون إلى التكوين العلمي في أوقات الذروة التلفزيونية والإذاعية، ومنحهم شرعية التأثير في الرأي العام رغم افتقارهم إلى الخبرة الأكاديمية المطلوبة”.

“جروح” وتبرير

من بين الظواهر التي أثارتها الباحثة النفسية أيضاً الانتشار الواسع لمفهوم “جروح الطفولة”، معتبرة أن “سوء توظيف هذا المفهوم قد يدفع بعض الشباب والمراهقين إلى تبرير إخفاقاتهم الدراسية أو الشخصية بإرجاعها إلى تجارب سابقة بدل التركيز على بناء المستقبل وتطوير الذات”.

وأشارت المرابطي إلى أن بعض الأساتذة أصبحوا يواجهون مبررات من تلاميذ يرفضون الدراسة أو إنجاز واجباتهم بدعوى معاناتهم من “جروح الطفولة”، وهو ما يعكس تأثير الخطاب النفسي المبسط والمتداول بشكل غير علمي على فئات واسعة من الشباب.

ويتفق المختصان على أن أفضل وسيلة للتمييز بين المعلومات الصحيحة والخاطئة في مجال الصحة النفسية هي التحقق من هوية المتحدث ومؤهلاته العلمية والمهنية.

فالتشخيص النفسي، وفق الخبيرين، لا يتم عبر مقاطع قصيرة على مواقع التواصل الاجتماعي أو من خلال اختبارات شعبية متداولة على الإنترنت، بل يحتاج إلى تقييم سريري يقوم به أخصائيون نفسيون أو أطباء نفسيون مؤهلون.

كما يدعو المختصان إلى التعامل بحذر مع المحتويات التي تقدم تشخيصات جاهزة أو تعمم الأحكام على الأشخاص والعلاقات، لأن الاضطرابات النفسية تخضع لمعايير علمية دقيقة ومعقدة لا يمكن اختزالها في وصفات سريعة أو نصائح عامة.

وفي وقت تتزايد شعبية المحتوى النفسي على المنصات الرقمية يؤكد خبراء الصحة النفسية أن نشر الوعي العلمي السليم وتعزيز حضور المختصين في الإعلام يبقى السبيل الأنجع لحماية المواطنين من المعلومات المضللة والتشخيصات العشوائية، التي قد تؤثر سلباً على الأفراد والأسر والمجتمع ككل.

The post مختصون ضد التشخيص النفسي العشوائي بمواقع التواصل الاجتماعي appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress