مزارع الفساد العراقي... وسبل مكافحتها
فلاح المشعل *
تُشكّل المزارع في دول العالم أحد أهم موارد الاقتصاد الوطني، ولا سيما في أوروبا وآسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، كما تُعدّ قاعدة لمئات الصناعات التحويلية الزراعية، وتمثل هوية إنتاجية وعلامة تعريفية للدولة المصدّرة في الأسواق العالمية.
لكن ما حدث في العراق جعل العالم يعيش صدمةً من نوع غريب، إذ تحولت مزارع العراق إلى مدافن لملايين الدولارات التي يسرقها مسؤولون عراقيون من أموال الدولة، أي المال العام!
قرار تفتيش المزارع
أصدرت الجهات القضائية العراقية أمراً بتفتيش 300 مزرعة تحيط بالعاصمة بغداد تعود لمسؤولين عراقيين، بعد العثور على مليارات الدنانير وملايين الدولارات المدفونة في مزارع تعود إلى وكيل وزارة النفط، ومدير عام المصافي، وعدد من أعضاء مجلس النواب. هذه المزارع لم تعد تنتج للشعب محاصيل زراعية، بل تحولت إلى مخابئ للأموال المسروقة، فضلاً عن الذهب، وأجود أنواع الخيول، وأندر الحيوانات.
الفساد وبنية النظام السياسي
كيف تغوّل الفساد في الدولة العراقية حتى ضرب عمقها وجميع مفاصلها؟ لقد تجاوز كونه ظاهرةً عابرة، ليصبح قاعدةً تُبنى عليها صفقات تشكيل الحكومة الاتحادية في بغداد، وكذلك حكومات المحافظات، وتوزيع المناصب بين الأحزاب والكتل السياسية. إنه فساد بنيوي تقوم عليه بقية السلطات، في ظل دولة عميقة تتحكم بالمناصب وتتصرف بالمال العام.
لقد أفرز نظام المحاصصة سيئ الصيت منهجاً شاذاً يقوم على تقاسم السلطة والوزارات بين الأحزاب والكتل الممثلة في البرلمان، وبذلك أصبحت القوى السياسية نفسها حاضرة في السلطتين التشريعية والتنفيذية، فتحوّل فساد السلطة التنفيذية إلى فساد محميّ من السلطة التشريعية، التي تراجعت عن دورها الرقابي مقابل صفقات وتسويات سياسية بين أطراف العملية السياسية.
مكافحة الفساد والرؤوس الكبيرة
خلال شهرين فقط من عمر حكومة السيد علي الزيدي، شهد العراق ما لم يشهده طوال أكثر من عشرين سنة، وعلى امتداد سبعة رؤساء وزراء سابقين. وللمرة الأولى، يشاهد العراقيون رئيس الحكومة، بالتنسيق مع الأجهزة القضائية والأمنية، يلاحق مديرين عامين، ووكلاء وزارات، ووزراء، ونواباً، وقادة أحزاب وتيارات سياسية، تتوالى بحق كثير منهم اتهامات الفساد وهدر المال العام، في وقت يعاني فيه ملايين العراقيين الفقر والبطالة وتردي الخدمات، بينما تتراجع قدرات الدولة الاقتصادية والإدارية بصورة خطيرة.
ويبقى السؤال الذي يتردد في الأوساط الشعبية والإعلامية: هل يستطيع رئيس الوزراء علي الزيدي ومنظومته الحكومية الوصول إلى الرؤوس الكبيرة للفساد، أي زعماء الأحزاب في الإطار التنسيقي، والمجلس السياسي السنّي، وقيادات الأحزاب الكردية، الذين يتقاسمون المناصب والمال والنفوذ؟
الجواب، كما يؤكد الزيدي، أنه "مستمر في هذا النهج مهما كلّف الثمن". كما أكد رئيس مجلس القضاء الأعلى، الدكتور فائق زيدان، أنه "لا خطوط حمراء أمام ملاحقة الفاسدين".
لكن البيان الصادر عن مجلس القضاء، وما سبقه من حديث لرئيس الوزراء عن التوجه إلى عقد تسويات مع كبار الفاسدين تقوم على استرداد الأموال المسروقة مقابل تخفيف العقوبات أو شمولهم بالعفو الصادر عام 2024، أثارا حالة من الإحباط لدى شريحة واسعة من العراقيين، الذين كانوا، وما زالوا، يتطلعون إلى رؤية سارقي المال العام، كباراً وصغاراً، يمثلون أمام محاكم عادلة ويقبعون خلف قضبان السجون، لا أن يحظوا بتسويات تخفف عنهم تبعات جرائمهم.
* كاتب عراقي