مسؤولون قضائيون يبرزون تكامل أدوار المحاكم المالية والنيابة العامة
ذكّرت خديجة أكرام، وكيل الملك لدى المجلس الجهوي للحسابات لجهة الرباط-سلا-القنيطرة، بأن مهمة المجلس الأعلى للحسابات، كمؤسسة دستورية تهدف إلى حماية المال العام، تتمثل “في تدعيم وحماية مبادئ وقيم الحكامة الجيدة والشفافية والمحاسبة، وذلك من خلال ممارسته لمجموعة من الاختصاصات التي حددها الدستور وفصلتها مدونة المحاكم المالية”.
وأضافت أكرام ضمن ندوة حول “آليات التعاون بين المجلس الأعلى للحسابات ورئاسة النيابة العامة في حماية المال العام”، نظمتها المحاكم المالية ضمن برمجتها الرسمية في المعرض الدولي للنشر والكتاب، أن اختصاصات المجلس يمكن تصنيفها، حسب طبيعتها، إلى اختصاصات قضائية واختصاصات غير قضائية.

سؤال الصلاحيات
وضحت المتحدثة أن “الاختصاصات القضائية تتجلى أساسا في التدقيق والبت في حسابات المحاسبين العموميين، وهم ملزمون بتقديم حساباتهم إلى المحاكم المالية، كما أن هذه الأخيرة ملزمة بالتدقيق والبت في تلك الحسابات”، مبرزة أنه “تنتج عن ممارسة هذا الاختصاص مقررات قضائية، إما بإبراء ذمة المحاسبين، أو بالتصريح بعجز، أو بفائض في حساباتهم”.
وفي ما يتصل بالاختصاص القضائي الثاني، وهو التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية، فقد لفتت إلى كونه “اختصاصا عقابيا ينعقد عند اكتشاف المجلس لأفعال تستوجب العقوبة في هذا المجال، وتتم المتابعة من طرف النيابة العامة لدى المحاكم المالية”، مفيدة بأن “مقررات قضائية تصدر بشأن هذا الاختصاص، في حال ثبوت الأفعال المنسوبة إلى المتابعين، تقضي بتطبيق غرامات مالية، وعند الاقتضاء بإرجاع مبالغ تعادل الخسارة التي لحقت بميزانية الجهاز الذي ارتُكبت هذه المخالفات في إطار ميزانيته”.
وإلى جانب الاختصاصات القضائية التي تهدف إلى المحاسبة والإدلاء بالحساب والردع، قالت أكرام إن “المحاكم المالية تمارس اختصاصات غير قضائية ذات طبيعة رقابية، على رأسها مراقبة تسيير المؤسسات والأجهزة العمومية الخاضعة لهذا الاختصاص، وتهدف إلى تجويد التدبير العمومي من خلال المقارنة بين واقع التدبير وقواعد حسن التسيير والاقتصاد والفعالية والجودة”.
وتشمل هذه الاختصاصات أيضا، وفق المتحدثة، “مراقبة استعمال الأموال العمومية، ومراقبة الأموال التي يتم جمعها عن طريق التماس الإحسان العمومي، إلى جانب اختصاصات أخرى تتمثل في تقديم الاستشارة للبرلمان والحكومة، وتقديم المساعدة للهيئات القضائية، ومراقبة التصاريح الإجبارية بالممتلكات، ومراقبة حسابات الأحزاب السياسية، ومراقبة تمويل الحملات الانتخابية، والتصديق على حسابات الدولة”.

كما لفتت إلى أنه “تنتج عن هذه الاختصاصات غير القضائية تقارير تتضمن الملاحظات المسجلة في إطار ممارسة المحاكم المالية لهذه الاختصاصات، إضافة إلى توصيات تُوجَّه إلى المسؤولين عن الأجهزة موضوع المراقبة، بهدف تجاوز النقائص المسجلة”، مبرزة أن “اختصاصات المحاكم المالية تتميز بالتكامل، سواء من حيث طبيعتها القضائية وغير القضائية، أو من حيث طبيعة الأجهزة والأشخاص الخاضعين لها”.
وتساهم المحاكم المالية، بشكل أو بآخر، حسب المتحدثة، “في محاربة الفساد، على اعتبار أن ممارستها تساهم في الوقاية منه، من خلال تعزيز شفافية المالية العمومية عبر إرساء مبدأ إلزامية الإدلاء بالحساب، ومعالجة أسباب ارتكاب المخالفات والجرائم، والكشف عن الظروف والملابسات التي تساعد أو تسهل ارتكابها، وذلك برصد ضعف نظام المراقبة الداخلية”.
وبالتالي، ذكرت أكرام أن “الملاحظات التي تُوجَّه على هذا الأساس تُمكّن من تأمين التدبير العمومي وتقليص مخاطر ارتكاب جرائم الاعتداء على المال العام”، مشددة على أن “المساءلة عن المخالفات المالية تحقق الردع العام والردع الخاص، باعتبار أن المحاكم المالية تقوم بنشر مقرراتها القضائية، وكذلك تقاريرها المتعلقة بممارسة اختصاصاتها الرقابية”.
ويساهم هذا النشر، تقول وكيل الملك، في “إشاعة ثقافة حسن التدبير، كما يمكّن المدبرين العموميين من التعرف على مجالات الخطر الممكنة، وبالتالي تفادي ارتكاب المخالفات والجرائم المالية”، خالصة إلى أن “ممارسة المحاكم المالية لمهامها تُمكّن من توفير مستوى معقول من الممارسات الجيدة في التدبير، بما يجعل ارتكاب الجريمة المالية صعبا، أو على الأقل يقلص من احتمال وقوعها”.
تعاون أصيل
قال منصف اللمتوني، قاض رئيس وحدة قضايا الجرائم المالية برئاسة النيابة العامة، إن “مكافحة الفساد وتخليق الحياة العامة تُعدّان من الأولويات لدى رئاسة النيابة العامة في السياسة الجنائية التي تنهجها وتسهر على تنفيذها، حيث تولي أهمية قصوى لمبدأ حماية المال العام”، مسجلا أن “رئاسة النيابة العامة والمجلس الأعلى للحسابات يقومان بأدوار متكاملة، سواء في الجانب المتعلق بالرقابة على المالية العمومية أو في الشق المتعلق بالرقابة القضائية والزجر”.

وأشار اللمتوني، ضمن مداخلته، إلى أن “رئاسة النيابة العامة تدرج في رؤيتها الاستراتيجية مكافحةَ الفساد وتخليقَ الحياة العامة ضمن أهدافها الاستراتيجية في السياسة الجنائية”، وتابع: “لذلك، فهي تتعاون وتنسّق مع مختلف المؤسسات الدستورية، ومن بينها المجلس الأعلى للسلطة القضائية، والهيئة الوطنية للمعلومات المالية، والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها؛ كما يأتي في مقدمة هذه المؤسسات المجلس الأعلى للحسابات”.
ويستند هذا التعاون بين المؤسستين، وفق المسؤول القضائي، إلى “أساس دستوري، يتمثل في مبادئ وثيقة 2011 التي تنص على ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتكريس مبدأ التعاون بين السلط”، لافتا الانتباه إلى أن “الدستور ينص صراحة على أن المجلس الأعلى للحسابات هو الهيئة العليا لمراقبة المالية العمومية”.
في المقابل، ذكر اللمتوني أن “رئاسة النيابة العامة، باعتبارها جزءا لا يتجزأ من السلطة القضائية، تضطلع بدورها في زجر ومعاقبة المعتدين على المال العام”، موضحا أن “هذا التعاون يستند أيضا إلى المبدأ الدستوري الذي يتيح للمجلس الأعلى للحسابات تقديم المساعدة للحكومة والبرلمان في مجال مراقبة المالية، وكذا مساعدة الهيئات القضائية، خاصة في ما يتعلق بالتحقيقات المرتبطة بالمالية العامة”.
من جهة أخرى، يوجد، بحسب المتحدث، أساس قانوني لهذا التعاون منصوص عليه في مدونة المحاكم المالية، ولا سيما في المادتين 111 و162، مبرزا أن “الاخـتـصـاصـات المخـولة للمـحـاكـم المـالـيـة، أو لـلـمـجـلـس الأعلى للحسابات بصفة عامة، هي اختصاصات قضائية وغير قضائية”.

ومضى قائلا: “من جهة، هناك مخالفات يتم رصدها في إطار مهام الافتحاص أو التدقيق، وتستوجب صدور أحكام عن المحاكم المالية، وهذا هو الشق القضائي. غير أن هذا المفهوم يختلف عن الاختصاص القضائي المخول للسلطة القضائية بالمعنى التقليدي؛ إذ قد تقترن هذه المخالفات بأفعال يُعاقب عليها القانون الجنائي”.
وفي هذه الحالة، تُحال هذه الأفعال على الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، بصفته رئيسا للنيابة العامة، مرفقة بالتقارير اللازمة، ليقوم بدوره بإحالتها على النيابات العامة المختصة، مع إشعار المجلس الأعلى للحسابات بالإجراءات المتخذة، مضيفا أنه يمكن “خلال مرحلة المتابعة، إلى حين صدور حكم حائز لقوة الشيء المقضي به، أن يساهم المجلس الأعلى للحسابات في مساعدة الهيئات القضائية، وذلك من خلال تقديم الوثائق أو التقارير أو الأحكام التي من شأنها تعزيز المحاكمة”.
The post مسؤولون قضائيون يبرزون تكامل أدوار المحاكم المالية والنيابة العامة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.