مسلسل "العاصي".. دراما تسأل بشجاعة: كيف وصلنا إلى هنا؟
في المشهد الدرامي العربي الراهن، تظل الأعمال التي تلامس جذور التحولات التاريخية والسياسية نادرة، ومحفوفة دائماً بحذر جهات الإنتاج. غير أن التحضيرات الراهنة تحمل في كواليسها عملاً استثنائياً يبدو أنه صُنع خصيصاً لكسر صندوق الصمت وطرح السؤال الجوهري والمزمن الذي يلاحق الوجع السوري: كيف وصلنا إلى هنا؟
انتهت أخيراً شركة "ميتافورا للإنتاج الفني" عبر المنتج الفني أسامة الحمد عمليات تصوير مسلسلها الضخم "العاصي" داخل الأراضي السورية، والمقتبس عن الرواية الشهيرة للروائي فواز حداد، بتوقيع المخرج الليث حجو.
.png)
العمل الذي يُحاط بترقب جماهيري ونقدي هائل، لا يكتفي بكونه مسلسلاً تلفزيونياً تقليدياً، بل يتقدم كوثيقة تشريحية وبصرية بالغة الدقة، تقتحم جغرافيا ممتدة زمنياً من عام 1969 حتى عام 2011. يركز النص، الذي تصدّى لصياغته في ورشة كتابة ثنائية ثقيلة الكاتبان نجيب نصير ورافي وهبة، على رصد آليات نشوء الدولة الأمنية وتجربة الاعتقال السياسي، متتبعاً تلك اللحظة الحرجة التي يتحوّل فيها الخوف من شعور غريزي عابر إلى نظام حياة كامل يبتلع الشخوص والمجتمع. وهي المقاربة النفسية والسياسية التي طالما شغلت المخرج حجو في معظم أعماله، إذ ينتقل هنا من معاينة نتائج الأزمة السورية وعوارضها اللاحقة، ليغوص مباشرة في تشريح الأسباب والجذور التي شكّلت المأساة.
وتأتي هندسة العرض لتكسر النمط التقليدي "المترهل"، إذ قُسّم العمل إلى ثلاثة مواسم متلاحقة، بواقع 10 حلقات لكل موسم. هذا التكثيف يمنح حجو رفاهية الصورة وعمقها، ليدير لغة بصرية متغيرة الألوان والإضاءة والموسيقى التصويرية بتغيّر الحقبات.
.png)
وعلى صعيد الأداء، يشهد المسلسل "قوة أدائية" تجمع نخبة من نجوم الدراما السورية بالتوازي مع طاقات شبابية واعدة: بسام كوسا وسلوم حداد وفادي صبيح ويارا صبري وهيما اسماعيل وريم علي وروزينا لاذقاني وأندريه سكاف ونجاح سفكوني وأسامة حلال وعبد الرحمن قويدر وحسين عباس ووسام رضا وورد عجيب وأيمن طعمة ويارا خوري وسارة مرشد وعزة البحرة... وفي خطوة إنتاجية وإخراجية جريئة تعكس رغبة صنّاع العمل في الابتعاد عن السائد والتقليدي، اختار حجو كسر "تابو" بصري لطالما أفسد واقعية الأعمال الممتدة عبر الزمن، مستعيناً بتكنيك عالمي يعتمد على إسناد الشخصية المحورية الواحدة لممثلين اثنين (شاب وكهل) يتشابهان في الملامح النفسية والفيزيولوجية عبر الأجزاء.
ولا تكمن القيمة المنتظرة من مسلسل "العاصي" في جرأته أو حشده النخبوي، بل في الهوية الفكرية المتوقعة، إذ لا يسعى للتحريض أو إشعال الأحقاد وتعميق الجراح، بل هو محاولة شجاعة وبصوت عاقل يطلب العدالة لا الانتقام، ويطرح السؤال الأهم حول كينونة الهوية السورية وتحولاتها، بالارتكاز على قناعة راسخة بأن الطريق نحو صياغة مستقبل أفضل لا يمر عبر النسيان، بل عبر مصارحة شجاعة، ربما قاسية، وبالطبع عميقة مع الماضي المظلم والذاكرة المشتركة، في عمل لا يقدّم سرداً سياسياً مباشراً، بل يقترب من التجربة الإنسانية عبر شخصيات تتقاطع مصائرها داخل بلد تحوّل فيه الخوف إلى نظام حياة!