مضايق تودغى تقود الإقلاع السياحي

تستيقظ تنغير كل صباح على إيقاع مختلف؛ على بعد كيلومترات من مضايق تودغى، تتوالى الحافلات الصغيرة وتنظم جولات المرشدين المحليين، وتفتح دور الضيافة أبوابها أمام زوار مغاربة وأجانب. هذا المشهد لم يعد استثناء، بل أصبح مؤشرا واضحا على أن الإقليم ينتقل بخطى ثابتة من موقع العبور إلى موقع الوجهة.

الميزة التنافسية للإقليم تكمن في تعدد عروضه؛ الجبل والواحة والثقافة الأمازيغية والمطبخ المحلي تلتقي في فضاء واحد، وكما يقول أحد المرشدين السياحيين من منطقة ايت سدرات: “الزائر اليوم يبحث عن التجربة الشاملة، وتنغير قادرة على تقديم الطبيعة والثقافة والإنسان معا في رحلة واحدة”.

ويرى عدد من المهتمين بالمجال السياحي في المغرب أن السياق الوطني يخدم هذا التحول بقوة، مشيرين إلى أن المغرب استقبل خلال سنة 2025 رقما قياسيا بلغ 19.8 مليون سائح، بزيادة 14 في المائة مقارنة بسنة 2024، وحقق مداخيل سياحية تاريخية ناهزت 138 مليار درهم، موضحين أن هذا الزخم الوطني ينعكس مباشرة على الوجهات الصاعدة مثل تنغير التي أصبحت ضمن مسارات وكالات الأسفار المنظمة.

البنية التحتية السياحية بإقليم تنغير عرفت خلال السنوات الأخيرة تطورا ملموسا، حيث ارتفع عدد دور الضيافة والفنادق الصغيرة في دوائر تنغير وقلعة مكونة وبومالن دادس والنيف وأسول، وتحسنت جودة الخدمات. وشير معطيات مهنية محلية إلى أن معدلات الوظائف تضاعفت خلال الشهور الأخيرة، مدفوعة بالتسويق الرقمي الذي ساهم في تعريف السوق الدولية بالمنتوج المحلي.

كما أن المهرجانات تحولت إلى رافعات للتسويق والاقتصاد، منها مهرجان الورود بقلعة مكونة وملتقى المضايق، وغيرها من الملتقيات التي صارت مواعيد سنوية يدرجها منظمو الرحلات من أوروبا وآسيا ضمن برامجهم، ناهيك عن أن الربط بين السياحة والمنتوج المحلي فتح منافذ مباشرة للتعاونيات والحرفيين، وخلق قيمة مضافة تظل داخل الإقليم.

عبد القادر بنعيسى، منعش سياحي بالإقليم، قال إن سياحة المغامرات منحت تنغير موقعا دوليا متميزا، خاصة مضايق تودغى التي أصبحت وجهة معروفة لدى متسلقي الصخور من فرنسا وإسبانيا وبولونيا وغيرها من دول أوروبية وأمريكية وأسوية، بفضل مسارات طبيعية فريدة لا تزال قابلة للاكتشاف، موضحا أن هذا التخصص يولد فرص شغل مباشرة للشباب كمرشدين ومساعدين، ويعزز صورة الإقليم كوجهة احترافية.

وأوضح بنعيسى، في تصريح لهسبريس، أن الرهان الاستراتيجي للفاعلين المحليين هو إطالة مدة الإقامة، مؤكدا أنه يجري حاليا العمل على بلورة “مسار سياحي إقليمي” يربط بين الواحات والمضايق والقصور والمتاحف الصغيرة، بهدف أن يقضي الزائر 4 أيام على الأقل داخل الإقليم، وذلك بتنسيق بين الوزارة الوصية والمهنيين وسلطات إقليم تنغير، مشيرا إلى أن هذا النموذج يرفع من متوسط الاستهلاك ويدعم المقاولات الصغيرة ويعمق تجربة الزائر.

في السياق ذاته، أكد عدد من المهنيين في تصريحات لجريدة هسبريس الإلكترونية أن الاستثمار في الموارد البشرية يسير بالتوازي؛ هناك طلب متزايد على برامج التكوين في اللغات والاستقبال والإرشاد السياحي القروي لتأهيل شباب المنطقة، معتبرين أن الكفاءة المحلية هي الضمانة لجودة الخدمة، وهي العنصر الذي يصنع الفارق في الأسواق التنافسية اليوم.

وبتدخل من السلطات الإقليمية بعمالة بتنغير في شخص عامل الإقليم، بتنسيق مع الجهات الرسمية السياحية، دخلت الرقمنة بقوة إلى قطاع السياحة، حيث إن أغلب المؤسسات السياحية الصغيرة تتوفر الآن على حجوزات إلكترونية وحضور في المنصات الدولية، وتجري مناقشات مع شركات الاتصالات لتوسيع التغطية في الدواوير، باعتبار أن الربط الجيد شرط أساسي للدفع الإلكتروني وتسويق الخدمات ورضا الزبائن، وفق معلومات رسمية توصلت بها هسبريس من مصادر مسؤولة أثناء إعدادها لهذا الموضوع.

وأوضحت المصادر ذاتها أن الاستدامة البيئية حاضرة في صلب الرؤية، من خلال التأكيد على أن الواحات والنخيل والموارد المائية تمثل رأسمال الإقليم غير القابل للتعويض، لذلك، تتعزز مبادرات السياحة المسؤولة التي تحافظ على الطبيعة وتشرك الساكنة، انطلاقا من قناعة مفادها أن جمال المكان هو الدافع الأول للزيارة.

وأضافت المصادر نفسها أن المنتوج المحلي وجد طريقه إلى السوق السياحية الدولية: ماء الورد وزيت الأركان والتمور والصناعة التقليدية كلها تباع اليوم مباشرة للزوار، ما يرفع مداخيل التعاونيات النسائية ويختصر دور الوسطاء. وهذا الربط المباشر يقوي الاقتصاد المحلي ويمنح للسفر بعدا تنمويا ملموسا.

وتشير بعض الإحصائيات الرسمية إلى أن السياحة الداخلية تعزز الدينامية طوال السنة؛ عائلات من مراكش والدار البيضاء وأكادير والرباط وتطوان وغيرها من المدن المغربية تختار تنغير لقضاء العطل بحثا عن الهدوء والهواء النقي. هذا الإقبال يوفر استمرارية للتشغيل حتى خارج الموسم الدولي، ويساعد المؤسسات الصغيرة على تحقيق الاستقرار المالي.

ويرى عدد من المهنيين أن إقليم تنغير يعتبر اليوم ورشا مفتوحا على المستقبل، فبالإمكانيات الطبيعية والثقافية والبشرية، وبالشراكة بين المهنيين والجمعيات والسلطات، تتحول كل ميزة إلى فرصة اقتصادية مستدامة، وبين واحة ومضيق وجبل وملتقى، تبني تنغير نموذج وجهة تحترم الإنسان والطبيعة والزائر، وتؤكد أنها جاهزة لأخذ مكانها الكامل ضمن طموح المغرب للوصول إلى 26 مليون سائح في أفق 2030.

وعلاقة بالموضوع، أطلقت الشركة المغربية للهندسة السياحية “SMIT” مشروعا كبيرا لتثمين وتأهيل مضايق تودغى بإقليم تنغير. ويروم المشروع المندرج ضمن خارطة الطريق السياحية الوطينة، الرفع من جاذبية الموقع عبر تهيئة المسارات ومراكز الاستقبال والمحطات البانورامية، وإنشاء مركز للتسلق ومركز لتفسير التراث المعماري الواحي، إلى جانب إدخال أنشطة جديدة مثل “skywalk” و”skyladder”، مع الحفاظ على الانسجام مع الخصوصيات البيئية للموقع الطبيعي الفريد.

ويدخل مشروع تودغى ضمن برنامج أشمل تتبناه “SMIT” بجهة درعة تافيلالت، خصص له استثمار مالي مهم لفائدة إقليم تنغير خلال الفترة 2023-2027. ويركز البرنامج على دعم السياحة القروية والإيكو-سياحة وتأهيل الواحات والقصور، فضلا عن مواكبة المقاولات الصغرى للتنشيط السياحي عبر آليات “مقاولة سياحية” و”جو سياحة”. وتهدف هذه التدخلات إلى تحويل الإقليم إلى قطب للسياحة المستدامة والمغامرات، وإطالة مدة إقامة الزوار من خلال عرض متكامل يربط بين المضايق والواحات والمنتوج المحلي.

ويحظى إقليم تنغير بنصيب مهم من هذا الزخم السياحي الوطني بفضل ما يتميز به من تنوع في العروض السياحية، التي تجمع بين سحر المضايق والواحات الخضراء، وسياحة المغامرات والتسلق، والسياحة الثقافية المرتبطة بالتراث المعماري المحلي. ويعز هذا التنوع جاذبية الإقليم كوجهة متكاملة قادرة على استقطاب مختلف فئات الزوار، وإطالة مدة إقامتهم، والمساهمة في تنمية الاقتصاد المحلي وتعزيز التموقع الجهوي لدرعة-تافيلالت ضمن الخريطة السياحية الوطنية.

معطيات رسمية

كشفت مؤشرات الأداء السياحي للفترة الممتدة من يناير إلى أبريل 2026 الصادرة عن مندوبية السياحة عن استمرار تصدر فرنسا قائمة الأسواق المصدرة للسياح إلى المغرب بحصة 15 في المائة، بواقع 114.242 وافدا و144.807 ليالي مبيت، وحلت إسبانيا في المرتبة الثانية بنسبة 14 في المائة مع 107.903 وفود، فيما جاءت السوق الوطنية في المرتبة الثالثة بنسبة 13 في المائة وبـ 98.333 وافدا و131.762 ليلة مبيت، مما يؤكد الدور المتنامي للسياحة الداخلية في دعم القطاع.

وأبرزت المعطيات ذاتها تنوع الأسواق المصدرة، حيث سجلت ألمانيا 8 في المائة والولايات المتحدة 7 في المائة وإيطاليا 6 في المائة، في حين توزعت باقي الحصص بين الصين وبولونيا وهولندا وكندا والمملكة المتحدة والبرتغال، وركزت الوثيقة على أن أهم الوجهات بالنسبة للسوق الوطنية هي الدار البيضاء ومراكش والرباط وفاس وأكادير وطنجة وتطوان، بينما تتركز الانطلاقات من السوق الفرنسية في باريس ومرسيليا، ومن السوق الإسبانية في برشلونة ومدريد، ما يعكس أهمية الربط الجوي والتسويق المباشر في هذه المدن.

وتشير الوثيقة نفسها إلى أن جهة درعة-تافيلالت سجلت أداء سياحيا متميزا خلال الفترة من يناير إلى أبريل 2026، حيث احتلت المرتبة الثانية وطنيا من حيث عدد الوافدين على مؤسسات الإيواء السياحي المصنفة والمخيمات بـ 902.625 وافدا، مقابل 807.517 وافدا خلال الفترة نفسها من سنة 2025، كما تقدمت الجهة إلى المرتبة الرابعة وطنيا من حيث عدد ليالي المبيت بـ 1.049.648 ليلة، مقابل 918.080 ليلة سنة 2025، ووصلت نسبة الملء إلى 46 في المائة، وبلغت مدة الإقامة المتوسطة 1.2 يوما.

ويعكس هذا التطور الدينامية المتزايدة التي تعرفها الجهة كوجهة سياحية تجمع بين السياحة الثقافية والواحية وسياحة المغامرات، خصوصا في أقاليم تنغير وورزازات والراشيدية وزاكورة، ويؤكد تزايد جاذبيتها ضمن الخريطة السياحية الوطنية.

The post مضايق تودغى تقود الإقلاع السياحي appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress