مطارات الإمارات: رحلة أكثر من نصف قرن نحو العالمية

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

منذ محطة الشارقة الجوية، عام 1932، إلى مطارات تسجل عشرات الملايين من المسافرين سنوياً، وتنافس على الجوائز العالمية، لم يكن تطوّر مطارات الإمارات مقتصراً على "توسع بنية تحتية" فقط، بل تحول في فكر السفر الجوي من مدرج يخدم عبوراً محدوداً إلى منظومة مطارات متخصصة تقود السياحة والتجارة والخدمات اللوجستية، وتبني ميزة تنافسية قائمة على الربط العالمي وتجربة المسافر والقدرة التشغيلية.

 

من مُدرج رملي إلى منصات عبور عالمية

 

 

انطلقت رحلة الطيران المدني في الإمارات عام 1932 مع افتتاح مطار الشارقة القديم (المحطة)، الذي شكّل أول محطة جوية في منطقة الخليج، ضمن شبكة الطيران البريطانية العابرة بين أوروبا والهند؛ وفي تلك المرحلة، كان المطار يؤدي دور محطة عبور دولية محدودة، من دون أن يرتبط برؤية اقتصادية وطنية، في ظلّ غياب دولة الاتحاد آنذاك، واقتصار الاستخدام على الرحلات الدولية والخدمات العسكرية.

ومع نهاية الخمسينيات، بدأت دبي دخول مرحلة جديدة عبر إنشاء مطار دبي الدولي عام 1960، بمدرج رمليّ ومبنى صغير، ليكون أول مؤشر على توجّه الإمارة نحو الاستثمار المبكر في قطاع الطيران.

وتأتي المرحلة التالية مع قيام دولة الإمارات، عام 1971، حين دخل قطاع الطيران مرحلة البناء المؤسّسي، حيث بدأت الدولة إنشاء شبكة مطارات تخدم التنمية المحلية، حيث شهدت هذه المرحلة تشغيل مطار البطين في أبوظبي عام 1970، وافتتاح مطار أبوظبي الدولي (زايد الدولي حالياً) عام 1982، وافتتاح مطارات العين، رأس الخيمة، الفجيرة، والشارقة بصيغها الحديثة. وخلال هذه الفترة، لم تعد المطارات مجرد مرافق تشغيلية، بل تحوّلت إلى بنية تحتية استراتيجية لدعم السياحة، التجارة، والاستثمار.

ومنذ مطلع الألفية الجديدة، دخلت مطارات الإمارات مرحلة التحوّل العالمي، مدفوعة برؤية اقتصادية واضحة تقوم على جعل الدولة مركزاً لوجستياً دولياً، حيث شهدت هذه المرحلة التوسعات الكبرى في مطار دبي، وافتتاح المبنى رقم 3 عام 2008، وإطلاق مطار آل مكتوم الدولي ضمن مشروع دبي الجنوب، وتشغيل مبنى ترمينال أ  "Terminal A" في أبوظبي عام 2023، واعتماد التقنيات الذكية في الأمن والجوازات والخدمات.

وأصبحت مطارات الإمارات تعمل وفق نموذج المحور والربط (Hub System)، الذي يربط آسيا وأوروبا وأفريقيا عبر نقطة مركزية واحدة.

 

مليار مسافر في 10 سنوات

 

 

كشفت إحصاءات المركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء تسجيل قطاع النقل الجوي في دولة الإمارات قفزات نوعية ونمواً استثنائياً، مع تجاوز إجمالي حركة المسافرين عبر مطارات الدولة خلال الفترة بين عامي 2015 و2024 حاجز المليار مسافر، وارتفاع إجمالي حركة الطائرات القادمة والمغادرة إلى أكثر من 6.4 ملايين حركة.

وأظهرت بيانات التقرير الصادر عن المركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء حلول دولة الإمارات في المرتبة الأولى عالمياً على مؤشر جودة النقل الجوي، وضمن المراتب العشر الأولى عالمياً، في خمسة مؤشرات، ما يجسّد الرؤية الاستشرافية للقيادة الرشيدة وتوجيهاتها السديدة، بتعزيز نمو هذا القطاع الحيوي ودعم تنافسيته على المستوى الإقليمي والعالمي، باعتباره مرتكزاً أساسياً لدعم نمو واستدامة الاقتصاد الوطني.

 

 

وبلغت حركة المسافرين عبر مطارات دولة الإمارات 158 مليون مسافر خلال عام 2025، من بينهم أكثر من 95 مليون مسافر عبر مطار دبي. وسجّل حجم الشحن الجوي عبر مطارات الإمارات ارتفاعاً ليصل إلى 4.8 ملايين طن خلال العام الماضي، وفق تصريحات المدير العام للهيئة العامة للطيران المدني، سيف السويدي، على هامش القمة العالمية للحكومات 2026.

ويقول السويدي إن قطاع الطيران المدني في الإمارات سجّل أداءً قويّاً خلال عام 2025، مشيراً إلى أن الأجواء الإماراتية شهدت أكثر من مليون حركة جوية خلال العام؛ وهو رقم يعكس الكفاءة العالية لإدارة الحركة الجوية، والبنية التحتية المتطورة للمطارات وأنظمة الملاحة.

وخلال عام 2024 سجّل قطاع الطيران المدني في الإمارات أداءً قياسياً، مع ارتفاع حركة المسافرين بنسبة 10% لتصل إلى 147.8 مليون مسافر، مقارنة بـ 134 مليون مسافر في عام 2023، كما حقق الشحن الجوي نمواً ملحوظاً بنسبة 17.8%، ليصل إلى 4.36 ملايين طن مقارنة بـ 3.7 ملايين طن في العام الماضي، ممّا يعزّز مكانة الدولة وجهة عالمية رائدة في مجال النقل الجوي، حسبما أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني.

وتخدم شبكة الطيران التابعة للناقلات الإماراتية أكثر من 350 مدينة حول العالم، ما يُعزّز مكانة الإمارات كحلقة وصل رئيسة بين الشرق والغرب.

 

جوائز عالمية

 

 

خلال السنوات الأخيرة، حصدت مطارات الإمارات مجموعة من الجوائز والتصنيفات العالمية الرفيعة التي تعكس جودة خدماتها وتفوّقها في تجربة المسافرين وتطوير البنية التحتية، مما عزّز مكانتها كمراكز جوية عالمية. ومن أبرز هذه الإنجازات الصحفية الموثّقة تصنيف مطار زايد الدولي في آذار (مارس) 2025، كأفضل مطار في العالم لتجربة المسافرين القادمين ضمن جوائز جودة خدمات المطارات (ASQ) التي يمنحها المجلس الدولي للمطارات (Airports Council International)؛ وهو معيار دولي يستند إلى آراء ملايين المسافرين، ويُعدّ من أرقى مؤشرات رضا العملاء في قطاع الطيران، وفق ما يؤكّد التزام مطار زايد الدولي بتوفير وصول سلس واستثنائي للمسافرين عبر أبوظبي.

كما حصل مطار زايد الدولي خلال عام 2025 على تصنيف "ثلاث لآلئ" ضمن نظام التقييم البيئي والاستدامة في مرحلة البناء، ما يؤكد تطبيقه لأعلى معايير الكفاءة في تقليل الأثر البيئي واستخدام التكنولوجيا الصديقة للمناخ.

وفي عام 2024، نالت مطارات أبوظبي جائزة مشغّل المطارات الرائد عالمياً خلال حفل جوائز إنجازات قطاع الطيران، وهو تقدير يعكس الكفاءة التشغيلية والإدارة الاحترافية التي حققتها في توسيع شبكتها وتعزيز خدماتها.

وصُنّف مطار دبي الدولي ضمن أفضل 100 مطار في العالم وفق تصنيف سكايتراكس لعام 2025، وهو مؤشر يعتمد على تقييمات المسافرين والخبراء عبر آلاف المطارات.

وأظهرت بيانات مؤسسة "أو إيه جي" الدولية، المتخصصة في تزويد بيانات المطارات وشركات الطيران، أن دبي حافظت على المركز الأول عالمياً من حيث عدد المقاعد على الرحلات الدولية خلال عام 2025، فيما حلّت في المركز الثاني عند احتساب إجمالي الرحلات الدولية والمحلية معاً.

وبلغ عدد المقاعد على الرحلات الدولية المغادرة من مطار دبي الدولي 62.4 مليون مقعد، ما يعادل 124.8 مليون مقعد في الاتجاهين، مسجلاً نمواً بنسبة 4% مقارنة بعام 2024، وارتفاعاً لافتاً بنسبة 16% عن مستويات ما قبل الجائحة في عام 2019.

ويشير الرئيس التنفيذي للعمليات في مطارات دبي، ماجد الجوكر، إلى إطلاق أول ممر ذكيّ في العالم يعمل بالذكاء الاصطناعي، وهو ممر "السجادة الحمراء" في المبنى 3، ويتيح العبور من دون الحاجة إلى إبراز أي وثائق سفر، ما يمكّن المسافرين من إنجاز إجراءاتهم في ثوانٍ معدودة.

ويؤكد الجوكر أن مبادرة "السجادة الحمراء" أسهمت بشكل ملموس في تسهيل وتسريع حركة المسافرين. وقد بدأت التجربة في المبنى رقم 3 لمدة عام كامل، بمعدل استخدام يومي يقارب 2400 مسافر قبل أن يتم توسيعها أخيراً لتشمل القادمين، مع توقعات بارتفاع الأعداد خلال الفترة المقبلة، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً أساسياً من العمليات التشغيلية، سواء في إدارة الحركة الأرضية عبر أنظمة تقيس زمن دوران الطائرات وتتنبأ بفترات الازدحام، أو في تحسين تجربة المسافر من خلال مبادرات مثل "السجادة الحمراء" وخدمة إكسبرس MAP والتواصل المباشر مع المسافرين.

 

اتفاقيات ومعاهدات

 

 

وقع مطار دبي الدولي اتفاقية لمدة 10 سنوات مع شركة "سالك" لإطلاق نظام مواقف سيارات بدون تذاكر يعتمد على المحفظة الإلكترونية في جميع صالات الركاب الثلاثة ومبنى الشحن الضخم، بدءًا من 22 كانون الثاني (يناير) 2026، بهدف تمكين السائقين من الدخول والخروج من 7,400 موقف من دون الحاجة لأخذ تذكرة ورقية أو الانتظار عند أجهزة الدفع، حيث ستُخصم الرسوم تلقائيًا من حسابهم في سالك، عبر نفس المحفظة المستخدمة لبوابات الرسوم في دبي.

كما يستخدم مطار دبي الدولي مزود تقنيات الطيران (Assaia)، بهدف تحسين انسيابية حركة الطائرات على الأرض والحد من الازدحام، من خلال تحليل البيانات المرئية واللحظية لتعزيز جاهزية البوابات وتنسيق فرق العمل في أحد أكثر مطارات العالم ازدحاماً.

وعلى مستوى الشرق الأوسط، يتصدّر مطار دبي الدولي - في أغلب الأحيان - قوائم المطار الرائد في الشرق الأوسط في جوائز السياحة والضيافة، حيث تُدرج سجلات الجوائز الدولية مطار دبي الدولي باستمرار في قوائم أفضل المطارات في الشرق الأوسط والعالم عبر تصنيفات متعددة، مثل جوائز السفر العالمية، (World Travel Awards)، وجوائز التميّز في الخدمات والتشغيل، ما يعكس نجاحه في الجمع بين الحجم الكبير للخدمة وجودة التجربة.

كما حصد مطار الشارقة الدولي في مناسبات سابقة جوائز مثل أفضل مطار في الشرق الأوسط لفئته ضمن جوائز (ASQ)، وهي جوائز معتمَدة عالمياً لتميز تجربة العملاء.

 

أسرار تفوق مطارات الإمارات

 

 

يقول الدكتور سمير رؤوف، خبير النقل الجوي وأحد أعضاء الفريق البحثي التابع للاتحاد الدولي للنقل الجوي، لـ"النهار" إن الإمارات بدأت تطوير المطارات منذ السبعينيات ومنتصف الثمانينات التي شهدت طفرة في المطارات والموانئ، وذلك بعد الاعتماد على الاقتصاد الريعي مثلما حدث في هونغ كونغ، عبر تطوير منظومة المطارات والموانئ البحرية وربطها ببعض، حيث يجري استقبال المسافرين وقادة الأعمال عبر المطارات، كما يجري استلام البضائع عبر الموانئ البحرية والجوية من كل دول العالم. وفي التسعينيات، بدأ تحسين الموانئ البحرية والجوية، ثم تحولت منطقة جبل علي إلى مركز لوجستي كبير.

ويضيف رؤوف إن هذا التوازي بين المطارات والموانئ البحرية، ساهم في تحول دبي إلى مركز مالي للاستثمار وتداول الأوراق المالية والتوريق، حيث يكتمل المشهد الاستثماري لدى الإمارات عبر ربط المطارات بالموانئ البحرية والمراكز المالية والتجارية، مشيراً إلى تطبيق الإمارات نظام ضريبي منخفض التكلفة ورسوم على دخول البضائع تصنف ضمن الأقلّ قيمة في العالم.

ويشير خبير النقل الجوي إلى فترة بداية الألفينيات، حينما دخلت الإمارات في نظام الاقتصاد الحديث، وبدأت تشيد مصانع لإعادة تصدير السلع، مثلما يحدث في السيارات والبضائع، قائلاً "أي سفينة غارقة، تحصل الإمارات على بضائعها وتعيد إنتاجها، ثم تعيد تصديرها مع وضع اسم بلد المنشأ – صنع في الإمارات"، وهذه الخطوة رفعت من أحجام المسافرين والحمولات عبر مطارات الإمارات. 

ويوضح رؤوف بأن الإمارات تمتلك حالياً 369 طائرة تطير إلى 286 وجهة عالمية؛ وهذا الأسطول الضخم بدأ خلال فترة السبعينيات بطائرة واحدة إيجار، فنجحت الإمارات في تأجير الطائرات من مختلف الشركات العالمية. وخلال فترة قصيرة هي أقلّ من عقد زمني، اتجهت الدولة لامتلاك الطائرات، سواء تلك العريضة بدناً أو الطويلة مدى، بالإضافة إلى طائرات متوسطة الحجم والمدى، وذلك من خلال شركات طيران الإمارات وفلاي دبي والاتحاد.

ونجحت الإمارات في امتلاك شركات تابعة لتشغيل الطائرات متوسطة المدى وقصيرة المدى، إما بالاستحواذ على شركات أخرى بالفعل وإعادة هيكلتها، أو عبر تأسيس شركات جديدة. 

ويوضح خبير النقل الجوي بأن الإمارات تستفيد من الطائرات عريضة البدن المتطورة لديها؛ فبعد قضاء فترة منتصف العمر للطائرة، والتي تتراوح ما بين 15 إلى 20 عاماً، يتمّ تحويل طائرة الركاب إلى طائرة بضائع؛ وذلك بعد إعادة تأهيلها وصيانتها.

.

اختصار الزمن

 

 

أهم ما يميز مطارات الإمارات - بحسب رؤوف - هو التفوق في اختصار الزمن، قائلاً "بمجرد وصول المسافر إلى المطار يتم أخذ بصمة العين والوجه وختم الباسبور، وهذا في المرة الأولى فقط، ثم بعد ذلك لو دخلت الإمارات مليون مرة، فسيمرّ المسافر بدون أي إجراء روتيني قد يعطّل رحلته". فالإمارات - على حد قوله - بدأت تستعين بأنظمة ذكاء اصطناعي متطورة، سواء من الصين أم من الولايات المتحدة. وهذه الأنظمة ساهمت في اختصار الزمن داخل المطارات، سواء في حركة الطائرات نفسها أو في إنهاء إجراء وصول أو سفر المسافرين؛ وذلك يرجع لامتلاك دولة الإمارات ملاءة مالية كبيرة تساعدها على تطوير مطاراتها ودعمها بأحدث الأنظمة الذكية.

وفي السياق نفسه يقول الدكتور أسامة عقيل، أستاذ هندسة النقل في جامعة عين شمس والخبير الدولي في مجال النقل والمرور والمطارات لـ"النهار"، إن الإمارات تمتلك ملاءة مالية قوية مكنتها من تطوير البنية التحتية في وقت قياسي، حتى أصبحت تحتل الريادة عربياً، وتنافس عالمياً. ويوضح بأنه مع وجود موقع جغرافي متميز ومساحات شاسعة وبنية تحتية متطورة، تعتمد على أنظمة ذكاء اصطناعي لتيسير حركة سير الناقلات والمسافرين، وبجانب الخدمات اللوجستية التي أضافتها الإمارات إلى موانئها الجوية والبحرية، أصبح توافد المسافرين والبضائع على الإمارات غير مسبوق.

ويتوقع عقيل أن تستقبل مطارات الإمارات أكثر من 300 مليون مسافر خلال العام الواحد بحلول عام 2030، مؤكداً أن البنية التحتية والأنظمة المتطورة في مطارات الإمارات تساعدها على بلوغ ذلك الهدف.

ويتوقع الرئيس التنفيذي للعمليات في مطارات دبي ماجد الجوكر استمرار النمو خلال عام 2026، مع توقعات بوصول عدد المسافرين إلى 99.5 مليون مسافر، وبلوغ عتبة الـ 100 مليون مسافر في عام 2027.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية