معرض الكتاب يعتني بمحمد الشامي
“شكرا لك أستاذي.. شكرا باسم كل قطرة حبر سالت لنكتب حرف ‘تيفيناغ’ في أول كتاب مدرسي رسمي.. شكرا باسم كل طفل مغربي يتهجّى اليوم لغته الأم باعتزاز دستوري.. شكرا باسم جدتي التي رحلت وهي تحلم بهذا اليوم، يوم صارت فيه الأمازيغية لغة رسمية للدولة.. شكرا باسمي أنا، التلميذة التي آمنتَ بها، فصنعتَ منها أستاذة جامعية ووزيرة”.. بكلّ هذه الكلمات التي تحتَملها قوّة اللغة وطرافتها، تكلّمت الأكاديمية نجيمة طيطاي، رئيسة الأكاديمية الدولية للتراث الثقافي اللامادي ورئيسة مؤسسة مهرجان “مغرب الحكايات”، في حق محمد الشامي، أحد الآباء الروحيين الفعليين للمسألة الأمازيغية المغربية وأحد أشرس المدافعين عن لغة “مُمعيرة” للأمازيغ في الفكر والممارسة؛ أكاديميا وسياسيا وثقافيا.
ويُعتبر الجامعي والفاعل المدني والمثقف من الرعيل الأول من الباحثين الذين أسسوا للبحث اللساني في اللغة الأمازيغية بالجامعة المغربية.. ويحظى بعناية خاصّة هذه المرة في الدورة الحادية والثلاثين للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، لدى تكريمه في فقرة “مسارات”؛ استحضارا لما قدمه من إسهامات وافرة في التأثير على مسار الدينامية الثقافية الأمازيغية، وفي وضع التصورات الأولى للمقاربات التي اعتُمدت رسميا.

وحضر اللقاء التكريمي، الذي تخصصه وزارة الثقافة والشباب والتواصل للاحتفاء بمسار الشامي وما قدمه، سواء في مجال معيرة “تمازيغت” أو تدريسها أو إدراجها في المؤسسات الإعلامية والإدارية، كل من أحمد بوكوس، عميد المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، والحسين مجاهد، الأمين العام للمعهد ذاته، وشخصيات ثقافية بارزة فاعلة في حقل الثقافة واللغة الأمازيغيتين.
أستاذ ومُربٍّ
نجيمة طيطاي، الأكاديمية والخبيرة في التراث الثقافي المغربي، وسمت كلمتها في حق أستاذها الشامي، الذي درّسها علم السيميائيات بجامعة محمد الخامس، بـ”شهادة وفاء وعرفان لا ينضب في حقّ ضمير اللسانيات وذاكرة النضال العلمي من أجل الكرامة”.
وسجلت الخبيرة في التراث الشفهي المعتمدة لدى منظمة “اليونسكو” أن “الرجل لم يكن أستاذها فحسب؛ بل كان ممن صاغوا مسارها العلمي والإنساني”.

عرفت المتحدثة ذاتها الشامي في تسعينيات القرن الماضي حين درّسها علم الأصوات الوظيفي والمورفولوجيا البنيوية، وتحكي أنه “في جوهر الأمر، كان يلقن طلبته، عبر صرامته المنهجية، درسا أعظم: درس الكرامة الأكاديمية”.
وتابعت نجيمة طيطاي: “في زمنٍ كان فيه مصطلح (الأمازيغية) محظورا في الخطاب العلمي الرسمي، وقف وحده بجامعة السوربون سنة 1979 ليدافع عن عنوان أطروحته للدكتوراه: Un parler amazigh du Rif marocain”.
وتستعيد رئيسة الأكاديمية الدولية للتراث الثقافي اللامادي ورئيسة مؤسسة مهرجان “مغرب الحكايات” الذاكرة إلى اللحظة التي اعترض فيها بعض الأساتذة مطالبين إياه بعدم استعمال لفظ “الأمازيغية”، واستبداله بـ”البربرية” باعتباره المصطلح المتداول آنذاك؛ لكنه أجاب: “تسمية أهلها لأنفسهم هي الأمازيغية”، فلم “تكن تلك مجرد كلمة عابرة؛ بل لحظة تأسيس لقطيعة إبستمولوجية مع خطاب استعماري، وأول ثغرة في جدار أكاديمي صامت”.
عاد بعدها إلى الوطن “مسلحا بالعلم”، كما تقول تلميذته التي صارت لاحقا وزيرة دولة منتدبة لدى وزارة التربية الوطنية سابقا؛ لكنه “قوبل بالمنع والتضييق، ووُقّعت ضده عرائض من بعض زملائه، فحُرم في البداية من التدريس بالرباط، لكن العاصمة لم تمنعه من أن يؤسس لعلم اللسانيات الأمازيغية بالمغرب”.

وتساءلت ابنة الريف المغربي: “لماذا نكرمه اليوم؟ ولماذا سيبقى أستاذي؟”، قبل أن تجيب: “نفعل ذلك لأنه (…)، رمز وطني نادر دافع عن الأمازيغية حين كان الدفاع عنها تهمة لا وساما ولا منصبا. ونكرمه أيضا لأنه، كما شهد له المناضل الكبير إبراهيم أخياط، رجل دائم الحضور بفكره وقوله وقلمه وجسده في كل معركة شريفة من معارك اللغة والهوية والكرامة”.
وتابعت قائلة وهي تقاوم الدمع كما بدا من نبرة صوتها: “الشامي ليس أستاذا جامعيا متقاعدا؛ بل هو مؤسسة علمية تمشي على قدمين، وضمير علمي حي، وفصل مرجعي لم يُطوَ بعد من كتاب المغرب المعاصر”.
وأوردت أنه “رجل آمن بالفكرة حين كفر بها الجميع، فأسس لها المنهج العلمي، ودرّسها للأجيال، ووضع لها الهندسة المؤسساتية، وناضل من أجلها في الميدان، ولا يزال”.
رجل مواقف عديدة
الحسين مجاهد، الأمين العام للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، اعتبر الشامي أكثر من صديق، وقال: “ناهزت معرفتنا، وما رافقها من اضطراب وتقارب، ثلاثة أو أربعة عقود. أعرفه منذ كنّا طلبة، وكذلك حين كنّا ندرس جميعا. لم نكن من الجيل نفسه، لأنه من جيل أساتذتي، كان بيننا فارق يقارب عشر سنوات، ومع ذلك ظلّ شابا”.

ومضى مجاهد في عرض شهادته قائلا: “التقينا في محافل كثيرة لا يمكن عدّها، لكنها كلّها محطات تتجاوز الأفراد، فهي محطات تاريخية وثقافية تجمعها رابطة واحدة هي القضية. وحين نقول (قضية)، فهي تتجاوز الأشخاص والزمن، وتتجاوز القضايا العابرة، وتبقى صامدة”.
وانطلاقا من ذلك، اعتبر الأمين العام للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية أن “القضية الثقافية مهمة جدا لهذا الوطن المتعدد، الذي يدافع عن تعدده وتنوعه بشتى الوسائل”، لافتا الانتباه إلى أن “الشامي كان في خضم هذه المعركة، إلى جانب زملائه وأصدقائه وأساتذتنا الذين بدأوا في السبعينيات؛ مثل أحمد بوكوس وإبراهيم أخياط وغيرهم”، مؤكدا أن “هؤلاء فتحوا طريق الاختلاف في زمن كان من الصعب جدا أن تجاهر فيه باختلافك وعدم نمطيتك”.
وقال مجاهد، الذي منح جائزته التقديرية للشامي سنة 2008، إن “الرجل برز بقوة مبكرا، وخطا خطواته مغامرا مجازفا، إلى أن وصل إلى ما وصل إليه اليوم”، مسجلا أنه “يُعدّ من الأيقونات التي لا يمكن تجاوزها في تاريخ القضية الثقافية المغربية والقضية الأمازيغية، وخاصة في مجال البحث العلمي الرصين؛ فإلى جانب البعدين الثقافي والسياسي، يبقى الأساس الراسخ هو العلم”.

وفي اللسانيات الأمازيغية، ذكر المسؤول ذاته أن “المحتفى به وضع، إلى جانب زملائه، اللبنات الحقيقية للمعالجة العلمية للغات المحلية أو لغات الهامش”، مبرزا أنه “عند الحديث اليوم عن الصوتيات الأمازيغية أو مورفولوجية الأمازيغية، لا يمكن تجاوز أطروحاته البنيوية التركيبية التي لم تُنصف كما ينبغي؛ كما لا يمكن الحديث عن المدرسة الوظيفية دون استحضار إسهاماته”.
أما في المحطات النضالية، فقد سجل المتحدث أنه “جمعتني بالرجل مراحل عديدة، من باريس إلى غيرها، مرورا بالجامعات الصيفية، ثم ميثاق أكادير الذي كان من بين مهندسيه، وصولا إلى اللقاء المؤسساتي داخل المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، حيث كان من الركائز الأساسية في مجلس إدارته، وظلّ مواكبا لهذه القضية إلى الآن”.
مغرب الوحدة والتنوع
وحين تسلّم الكلمة للرد على من احتفوا به، استحضر محمد الشامي ما عرفته الأمازيغية من محطات مفصلية، مسجلا أن حركية النضالات من أجل إنصاف هذه الهوية الوطنية مرت بمراحل نضالية طويلة: من سبعينيات باريس، إلى الجامعة الصيفية في الثمانينيات، إلى ميثاق أكادير في التسعينيات، وصولا إلى سنة 2001 وما بعدها”، مبرزا أن هذه المراحل كانت ثمرة عمل جماعي طويل، أثمر ما عُرف بـ”الكتاب الأبيض”.

وقال الشامي، الذي ظل متمسكا بثقافة ولغة ظلتا في هامش المدرسة والدولة منذ الاستقلال، إن “تكريمي اليوم هو في الحقيقة تكريم للأمازيغية ولمسارها النضالي، ولجميع المناضلين الذين ساهموا فيه”.
وزاد الأستاذ الجامعي السابق بتواضع: “أما أنا، فلم أقدّم سوى القليل؛ فهناك من أسّسوا لهذه الحركة على قاعدة علمية متينة، وهو ما مكّنها من تحقيق ما لم يتحقق في الماضي”.
وأشاد بما شهدته الأمازيغية من تحولات كبرى، خاصة منذ خطاب أجدير سنة 2001، وإحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، ثم دسترة الأمازيغية سنة 2011، وصولا إلى القانون التنظيمي المتعلق بتفعيل طابعها الرسمي، معتبرا ذلك بمثابة “ترسانة قانونية مهمة”.
وأكد المحتفى به، في نهاية الحفل، أن “المقاربة المغربية للشأن الأمازيغي تتميّز عن غيرها؛ فهي لا تقوم على أساس عرقي أو إثني؛ بل تعتبر الأمازيغية ملكا لجميع المغاربة، ومسؤولية وطنية مشتركة”، “بخلاف نماذج أخرى، مثل الفلامانية في بلجيكا أو الكتالانية في إسبانيا، التي تبقى مرتبطة بمجالات جغرافية محددة”.

وذكر محمد الشامي، الذي يعد من أبرز الفاعلين الرئيسيين في مجال “تمازيغت”، أن “هذه اللغة الدستورية بمقتضى الفصل 5 من وثيقة 2011 منتشرة في المغرب، أي عبر الشمال والجنوب والوسط والشرق والغرب، وهي قضية وطنية جامعة”، مؤكدا أن الخطاب الملكي في أجدير اعتبر النهوض بالأمازيغية جزءا من المشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي.
ومضى الأكاديمي البارز قائلا: “عندما تتم معيرة اللغة الأمازيغية وتعميم تدريسها في جميع الأسلاك، سننشئ جيلا يتقن اللغتين الرسميتين، العربية والأمازيغية، دون حساسيات انتمائية ضيقة؛ لم نعد نسمع عبارات من قبيل: ‘عرّب أ الرفيق’؛ بمعنى أننا بصدد تهيئة جيلٍ متماسك، يسهم في بناء مغرب المستقبل القائم على الوحدة والتنوع في آن واحد”.
The post معرض الكتاب يعتني بمحمد الشامي appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.