“مغربان تعليميان” خلف ستار المعدل الوطني.. قراءة تحليلية في نتائج بكالوريا 2026
رغم أن نسبة النجاح الوطنية في الدورة العادية للامتحان الوطني لنيل شهادة البكالوريا برسم دورة يونيو 2026 استقرت عند 64.8%، فإن قراءة توزيع النتائج حسب الأكاديميات الجهوية الاثنتي عشرة للتربية والتكوين بالمغرب تكشف عن وجود فوارق ترابية صارخة بينها، بما يعيد إلى الواجهة سؤال العدالة المجالية في التعليم، وجودة المنظومة التربوية، وحكامة التدبير التربوي ونجاعته من جهة إلى أخرى.
فبينما تجاوزت بعض الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين سقف 80% من النجاح، ما تزال جهات أخرى تدور في فلك 50% فقط، وهو ما يعني أن فرص النجاح الدراسي لا تبدو متكافئة بالقدر نفسه بين جميع التلاميذ المغاربة.
الشرق والرباط في الصدارة
وبلغة الأرقام، تصدرت أكاديمية جهة الشرق الترتيب الوطني بنسبة نجاح بلغت 81.92%، متبوعة بأكاديمية الرباط سلا القنيطرة بنسبة 80.40%.
وتكشف هذه الأرقام عن فارق يتجاوز 17 نقطة مئوية مقارنة بالمعدل الوطني، وهو مؤشر على نجاعة نسبية للمنظومة التعليمية في هاتين الجهتين، سواء من حيث التأطير التربوي، أو الاستقرار الإداري، أو البنيات التعليمية، ومواكبة التلاميذ خلال الموسم الدراسي.
كما أن تموقع جهة الرباط سلا القنيطرة في المركز الثاني لا يبدو مفاجئا بالنظر إلى تمركز عدد كبير من المؤسسات التعليمية ذات المؤشرات المرتفعة، إضافة إلى استفادتها من قربها من مراكز القرار ومن موارد بشرية وتربوية مهمة.
كلميم ومراكش والدار البيضاء: أداء فوق المعدل
ضمت المجموعة الثانية من الترتيب كلا من أكاديميات كلميم واد نون بنسبة 69.16%، ومراكش آسفي بنسبة 68.9%، والدار البيضاء سطات بنسبة 65.79%.
ورغم أن هذه الجهات تفوقت على المعدل الوطني، فإن الفارق بينها وبين جهتي الشرق والرباط يظل كبيرا؛ إذ يصل إلى أكثر من 12 نقطة مئوية في بعض الحالات، مما يبرز أن النجاح الوطني يخفي تفاوتات داخلية واسعة.
وتستوقف أكاديمية كلميم واد نون الانتباه بتحقيقها نتائج متقدمة رغم محدودية الكثافة السكانية مقارنة بجهات كبرى، مما يطرح فرضية تأثير عوامل التدبير التربوي والقرب الإداري أكثر من العامل الديمغرافي وحده.
سوس ماسة تحت المعدل الوطني
وتشير النتائج إلى أن أكاديمية سوس ماسة سجلت نسبة نجاح بلغت 61.02%، محتلة المرتبة التاسعة وطنيا، وهو ما يعني أن الجهة جاءت دون المعدل الوطني بحوالي 3.78 نقاط مئوية، وهو معطى يثير التساؤل حول أسباب هذا التراجع في جهة تضم أقطاباً حضرية وتعليمية مهمة مثل أكادير وإنزكان وأيت ملول.
كما أن تموقع سوس ماسة خلف جهات مثل الداخلة وادي الذهب، وفاس مكناس، ودرعة تافيلالت يعكس الحاجة إلى تقييم السياسات التعليمية الجهوية ومدى فعاليتها في الحد من الهدر المدرسي وتحسين التعلمات الأساسية.
جهات في المنطقة الحمراء
وفي أسفل الترتيب، نجد طنجة تطوان الحسيمة بنسبة 59.54%، وبني ملال خنيفرة بنسبة 53.69%، ثم العيون الساقية الحمراء بنسبة 52.16%. وتكشف هذه المؤشرات عن فجوة كبيرة مع الجهات المتصدرة؛ إذ يصل الفرق بين الشرق والعيون الساقية الحمراء إلى نحو 30 نقطة مئوية، وهي مسافة رقمية تعكس في الواقع تفاوتات عميقة في شروط التمدرس وفرص النجاح.
كما أن تسجيل جهة العيون الساقية الحمراء أدنى نسبة نجاح وطنيّاً يستدعي دراسة العوامل البنيوية والبيداغوجية التي قد تكون وراء هذا الأداء، بدلاً من الاكتفاء بقراءة الأرقام في بعدها الظرفي.
المعدل الوطني لا يروي القصة كاملة
إذا كان الرقم الوطني (64.8%) يوحي ظاهريا بأن نحو ثلثي المترشحين نجحوا في اجتياز الامتحان، فإن توزيع النتائج جهوياً يكشف عن وجود “مغربين تعليميين”: مغرب يحقق نسب نجاح تتجاوز 80%، ومغرب آخر يكافح للوصول إلى عتبة 55%.
وتؤكد هذه الفوارق أن التحدي الحقيقي لم يعد يقتصر على رفع نسبة النجاح الوطنية فحسب، بل يتعداه إلى تقليص الهوة بين الجهات وضمان تكافؤ الفرص التعليمية بغض النظر عن الانتماء الجغرافي.
وبرأي مراقبين، تكشف نتائج البكالوريا لسنة 2026 أن مؤشرات النجاح ليست مجرد أرقام تقنية، بل هي مرآة لواقع التنمية المجالية في المغرب؛ فحين يتجاوز الفارق بين أول وآخر أكاديمية 29 نقطة مئوية، يصبح السؤال المطروح ليس من نجح أكثر، بل لماذا تنجح بعض الجهات أكثر من غيرها؟ وما السياسات الكفيلة بتحويل النجاح من امتياز جغرافي إلى حق تربوي متاح لجميع التلاميذ المغاربة على قدم المساواة؟ وهل ستتم مساءلة ومحاسبة المسؤولين والمدبرين على ضوء هذه النتائج أم لا؟