مفارقة مغربية

في الظاهر، تبدو المؤشرات الاقتصادية المغربية مطمئنة نسبياً، احتياطات من العملة الصعبة عند مستويات مريحة، صادرات صناعية تواصل الارتفاع، موسم فلاحي واعد، ونسبة نمو يُنتظر أن تتجاوز 5 في المئة خلال سنة 2026، لكن خلف هذه الأرقام يتحرك سياق دولي بالغ الهشاشة، إذ يعيش الاقتصاد العالمي منذ بداية السنة على وقع اضطرابات متسارعة أعادت إلى الواجهة مخاوف الركود وارتفاع كلفة الطاقة وتباطؤ التجارة الدولية، وهي عوامل تضع الاقتصادات المرتبطة بالخارج، مثل المغرب، أمام اختبار دقيق يتعلق بقدرتها على الحفاظ على التوازنات المالية والاجتماعية في بيئة دولية غير مستقرة.

في الرباط، تسود داخل الأوساط الاقتصادية قناعة بأن المملكة استطاعت خلال السنوات الأخيرة بناء هوامش أمان مهمة، مستفيدة من تنويع صادراتها الصناعية ومن الاستثمارات الكبرى في البنية التحتية والطاقة، لكن هذه القناعة نفسها تصطدم بحقيقة أخرى أقل راحة، وهي أن الاقتصاد المغربي ما زال شديد الحساسية تجاه المتغيرات الخارجية، خصوصاً في ملف الطاقة وفي علاقته بالاقتصاد الأوروبي، الذي يستقبل أكثر من 60 في المئة من صادرات المملكة.

الأرقام الرسمية تعطي انطباعاً أولياً بالاستقرار، فقد بلغ احتياطي العملة الصعبة مع نهاية أبريل 2026 حوالي 469,8 مليار درهم، بارتفاع تجاوز 23 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، وهو مستوى يغطي خمسة أشهر و24 يوماً من الواردات، وهذه من أعلى النسب التي سجلها المغرب خلال السنوات الأخيرة، ما يعني أن المملكة تتوفر حالياً على قدرة مالية مريحة نسبياً لمواجهة الصدمات الخارجية القصيرة والمتوسطة الأمد، خصوصاً في حال استمرار اضطراب أسعار النفط أو تراجع تدفقات التجارة الدولية.

لكن القراءة المتأنية لهذه الأرقام تكشف أن جزءاً مهماً من هذا التحسن مرتبط بعوامل خارجية مؤقتة أكثر من ارتباطه بتحول بنيوي كامل داخل الاقتصاد، فاحتياطات العملة الصعبة استفادت من الأداء القوي لقطاع السيارات والفوسفاط والسياحة وتحويلات مغاربة الخارج، وهي قطاعات مرتبطة بدورها بالسوق الدولية وبمستوى الطلب الخارجي، ففي قطاع السيارات مثلاً تجاوزت الصادرات 157 مليار درهم خلال السنة الماضية، ليكرس المغرب موقعه كأكبر مصدر للسيارات في القارة الإفريقية، غير أن هذا القطاع يعتمد بشكل شبه كامل على الطلب الأوروبي، وأي تباطؤ اقتصادي في فرنسا أو إسبانيا أو ألمانيا سينعكس مباشرة على وتيرة الإنتاج والتصدير داخل مصانع طنجة والقنيطرة.

الأمر نفسه ينطبق على السياحة وتحويلات الجالية، فقد تجاوزت مداخيل السياحة 112 مليار درهم مع استقبال أكثر من 17 مليون سائح، فيما تخطت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج 117 مليار درهم، وهي أرقام قياسية فعلاً، لكنها مرتبطة أيضاً بأوضاع اقتصادات بلدان الإقامة، خصوصاً في أوروبا الغربية، التي تواجه حالياً معدلات نمو ضعيفة وضغوطاً اجتماعية متزايدة بسبب التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.

الملف الأكثر حساسية يبقى الطاقة، فالمغرب ما زال يستورد أكثر من 90 في المئة من حاجياته الطاقية، وهو ما يجعل أي ارتفاع في أسعار النفط والغاز يتحول فوراً إلى ضغط على الميزان التجاري وعلى المالية العمومية وعلى القدرة الشرائية للأسر، وخلال الأشهر الأربعة الأولى من سنة 2026 ارتفع متوسط سعر النفط إلى حوالي 102 دولار للبرميل، بعدما كان في حدود 70 دولاراً قبل موجة التوترات الأخيرة، فيما قفز سعر الغازوال بنحو 70 في المئة، وارتفع الغاز الطبيعي بأكثر من 50 في المئة، وهي زيادات انعكست تدريجياً على تكاليف النقل والإنتاج والكهرباء.

رغم هذا السياق العالمي الضاغط، تتوقع الحكومة أن يحقق الاقتصاد المغربي نمواً يفوق 5,3 في المئة خلال سنة 2026، وهو معدل يبدو مرتفعاً مقارنة بتوقعات صندوق النقد الدولي للنمو العالمي التي خُفضت إلى 3,1 في المئة فقط، ويعود جزء مهم من هذا التفاؤل إلى تحسن الموسم الفلاحي، إذ تشير التقديرات إلى إنتاج حبوب قد يصل إلى 90 مليون قنطار بعد سنوات متتالية من الجفاف، وهو معطى مهم في بلد ما زالت الفلاحة تؤثر بشكل مباشر على الاستهلاك الداخلي والتشغيل والنمو.

لكن داخل المؤسسات المالية نفسها يوجد إدراك بأن النمو وحده لا يكفي لتجاوز مرحلة القلق الاجتماعي، فالمندوبية السامية للتخطيط أكدت أن معدل البطالة بلغ 10,8 في المئة خلال الفصل الأول من سنة 2026، مع نسب أعلى بكثير وسط الشباب الحضريين وخريجي الجامعات، وهذه النقطة تحديداً أصبحت تمثل أحد أبرز مفاصل النقاش الاقتصادي في المغرب، لأن الاقتصاد الوطني يحقق تقدماً واضحاً في الصناعة والاستثمار، لكنه لا يخلق ما يكفي من فرص الشغل المستقرة، وهو ما يفسر استمرار الشعور بالضغط داخل الطبقة المتوسطة والفئات الهشة رغم تحسن بعض المؤشرات الكلية.

الواقع أن المغرب يعيش اليوم مفارقة اقتصادية دقيقة، فالدولة تنفذ أكبر برنامج استثماري في تاريخها الحديث، يشمل مشاريع السكك الحديدية والموانئ وتحلية المياه والطاقات المتجددة والبنيات المرتبطة بكأس العالم 2030، كما أن القطاع البنكي يبدو أكثر صلابة من السابق، مع نسب كفاية رأسمال تفوق 16 في المئة واحتياطات نقدية مريحة، لكن الاقتصاد الاجتماعي اليومي يسير بوتيرة أبطأ، بسبب استمرار ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع كلفة القروض والسكن والتعليم.

في العمق، لم يعد السؤال المطروح داخل الأوساط الاقتصادية المغربية يتعلق فقط بمعدلات النمو أو بحجم الاحتياطات، بل بقدرة المملكة على تحويل هذه الدينامية الاستثمارية إلى مناعة اقتصادية حقيقية، تقلل من التبعية للخارج وتخلق فرص شغل واسعة وتحمي السوق الداخلية من الصدمات، لأن التجارب الاقتصادية الكبرى أثبتت أن الدول التي تنجو من الأزمات ليست دائماً الأغنى، وإنما تلك التي تملك اقتصاداً متوازناً وقادراً على امتصاص الارتدادات الاجتماعية بسرعة.

العالم يتجه نحو مرحلة أكثر قسوة اقتصادياً، والمؤشرات الدولية لا توحي بانفراج قريب، والمغرب يبدو اليوم أكثر استعداداً مما كان عليه خلال أزمات سابقة، لكنه ما زال في منطقة حساسة بين الصمود والانكشاف، إذ يكفي اضطراب كبير في أسواق الطاقة أو ركود أوروبي واسع حتى تعود الضغوط إلى الواجهة بسرعة، وعندها لن تكون قوة الاقتصاد مرتبطة فقط بحجم الاستثمارات أو الاحتياطات، بل بمدى قدرة الدولة على الحفاظ على الثقة الاجتماعية وعلى حماية الفئات التي تعيش أصلاً تحت ضغط يومي متواصل.

The post مفارقة مغربية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress