من اتفاق الوفاق إلى معركة إسقاط التوازن... كيف تحوّل لبنان إلى ساحة اشتباك جيوسياسي تهدد كيانه ودوره؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

نزيه الخياط*


يعيش لبنان اليوم أكثر لحظاته الجيوسياسية خطورة منذ نهاية الحرب الأهلية، في ظل احتدام المواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران، وتصاعد الصراع الإيراني–الإسرائيلي، واتساع رقعة الاشتباك الإقليمي الممتد من الخليج العربي إلى المشرق العربي. وفي قلب هذه التحولات الكبرى، يعود لبنان مجدداً إلى موقع "الساحة" التي تتقاطع فوقها مشاريع النفوذ الإقليمي والدولي، فيما يُعاد داخلياً فتح النقاش حول طبيعة النظام اللبناني واتفاق الوفاق الوطني في ظل اختلالٍ غير مسبوق في موازين القوى الداخلية.



فالشرق الأوسط يعيش منذ أكثر من عقدين مرحلة إعادة تشكيلٍ عميقة بدأت مع الحرب الأميركية على العراق، وتفاقمت مع انهيار النظام الإقليمي العربي التقليدي، وصعود الفواعل المسلحة العابرة للدول، وانفجار الحروب الأهلية، وصولاً إلى التحولات الكبرى التي أعقبت سقوط النظام السوري القديم واتساع دائرة الاشتباك الإيراني–الإسرائيلي. وفي خضم هذه التحولات، لم يعد لبنان مجرد دولة صغيرة تعاني أزمة سياسية داخلية، بل أصبح نقطة تماس مباشرة بين مشاريع متصارعة تتجاوز قدرته البنيوية على الاحتمال.



ومن هنا، فإن الحملة المتجددة على اتفاق الطائف لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد نقاش دستوري حول آليات الحكم أو توزيع الصلاحيات، بل باعتبارها انعكاساً لصراعٍ أعمق يتعلق بهوية لبنان ووظيفته وموقعه في التوازنات الإقليمية الجديدة. فالنقاش الدائر حول الفيدرالية أو المثالثة أو إعادة تشكيل النظام ليس معزولاً عن اختلال موازين القوى الداخلية الناتج من فائض قوة السلاح، ولا من محاولة بعض القوى ربط مستقبل لبنان بالمشروع الإقليمي الإيراني وتحويله إلى منصة متقدمة ضمن معادلات الردع والصراع في المنطقة.



وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحة لإعادة مقاربة اتفاق الطائف خارج القراءات الاختزالية التي حصرته طويلاً في كونه مجرد تسوية سياسية أنهت الحرب الأهلية، فيما تكمن أهميته الفعلية في كونه محاولة تاريخية لإعادة بناء التوازن الوجودي داخل مجتمع تعددي شديد الحساسية حيال أي اختلال في موازين القوة الداخلية أو الخارجية.

الإطار المفاهيمي... من اختلال موازين القوة إلى التوازن الوجودي وإعادة انتاج قوة التوازن

لفهم التحولات التي يشهدها لبنان، لا بد من تجاوز القراءة السياسية التقليدية نحو إطارٍ مفاهيمي أكثر تركيباً يميّز بين مستويين مترابطين: "التوازن الوجودي" و"قوة التوازن".

يشير "اختلال موازين القوة" إلى الحالة التي يفقد فيها النظام السياسي قدرته على توزيع القوة بين مكوّناته بشكل متوازن، بحيث تبدأ إحدى القوى بالتمتع بفائض تأثير يتجاوز قدرة الدولة على ضبطه. وفي المجتمعات التعددية، لا يؤدي هذا الاختلال إلى أزمة سياسية فحسب، بل إلى اهتزازٍ بنيوي في طبيعة الكيان نفسه.

أما "التوازن الوجودي"، فهو الحالة البنيوية التي تضمن بقاء الكيان اللبناني واستمراريته عبر منع تحول أي مكوّن داخلي إلى قوة غالبة قادرة على إعادة تعريف الدولة وفق منطق الإقصاء أو الهيمنة. وهو ليس توازناً سياسياً ظرفياً، بل شرط وجودي لاستمرار الدولة في بيئة تعددية شديدة الحساسية.

في المقابل، تمثل "قوة التوازن" الآلية الديناميكية التي تسمح بإعادة إنتاج هذا التوازن عند تعرضه للاهتزاز. فهي ليست حالة مستقرة، بل قدرة النظام السياسي والمؤسساتي والاجتماعي على امتصاص اختلالات القوة وإعادة ضبطها ضمن صيغة الشراكة الوطنية. وعندما تتعرض هذه القوة للتآكل، يصبح التوازن الوجودي نفسه مهدداً، حتى مع بقاء الإطار الدستوري قائماً.

وبهذا المعنى، فإن تحليل الأزمة اللبنانية لا يقتصر على دراسة النصوص الدستورية أو التحولات السياسية فحسب، بل يتطلب فهم دينامية العلاقة بين اختلال موازين القوة، وقدرة النظام على إعادة إنتاج التوازن الوجودي عبر "قوة التوازن".

القسم الأول
-اتفاق الطائف: إعادة تأسيس التوازن الوجودي للبنان

لا يمكن فهم اتفاق الطائف بصفته مجرد اتفاق سياسي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية، بل باعتباره محاولة لإعادة تنظيم "التوازن الوجودي" داخل مجتمعٍ تعددي مركّب عانى تاريخياً من أزمات متكررة ناجمة عن اختلال التوازنات بين مكوّناته السياسية والطائفية والمذهبية.

فلبنان، بحكم تركيبته الاجتماعية والثقافية، لم يُبنَ تاريخياً على قاعدة الغلبة الديموغرافية أو سيطرة مكوّن واحد على المجال الوطني، بل على إدارة دقيقة للتوازنات بين جماعات متعددة تمتلك هواجس وجودية متبادلة مرتبطة بالهوية والدور والتمثيل والموقع داخل الدولة. ولهذا السبب، لم تكن أزمات لبنان في جوهرها مجرد خلافات سياسية عابرة، بل تعبير دائم عن خوف الجماعات من تحوّل اختلال التوازن إلى مشروع هيمنة يعيد تشكيل الكيان وفق رؤية أحادية.

والمقصود بإدارة التوازن الوجودي هو بناء منظومة سياسية ودستورية تمنع تحوّل أي مكوّن داخلي إلى قوة غالبة قادرة على إعادة تعريف الدولة أو هوية لبنان وفق مصالحها الخاصة، في مقابل ضمان مشاركة جميع المكوّنات الأساسية في القرار الوطني ضمن صيغة تمنع الإقصاء والتهميش والانفجار الداخلي. وتكتسب هذه الإدارة طابعاً وجودياً في الحالة اللبنانية تحديداً، لأن انهيار التوازن لا يؤدي فقط إلى أزمة حكم، بل يهدد بإعادة تفجير الصراع على طبيعة الكيان نفسه وعلى موقع كل جماعة داخله.

من هنا، جاء اتفاق الطائف محاولة لإعادة إنتاج هذا التوازن عبر مجموعة مترابطة من الآليات الدستورية والسياسية، أبرزها المناصفة، وتوزيع الصلاحيات، واللامركزية الإدارية الموسعة، وإنشاء مجلس للشيوخ، وتثبيت عروبة لبنان ونهائية كيانه، بما يمنع إعادة إنتاج منطق الغلبة الذي قاد البلاد سابقاً إلى الحرب والانهيار.

فالطائف لم يُبنَ على قاعدة انتصار فئة على أخرى، بل على محاولة إنتاج تسوية تاريخية تتيح لجميع المكوّنات اللبنانية الشعور بأنها شريكة في الدولة وليست مهددة داخلها. ولذلك، فإن أهميته الحقيقية لا تكمن في إنهاء الحرب فحسب، بل في إعادة بناء الحد الأدنى من الثقة الوطنية داخل مجتمع خرج من صراع دموي طويل كان في جوهره صراعاً على الهوية والسلطة والانتماء الإقليمي للبنان.

غير أن هذه المعادلة بقيت شديدة الهشاشة أمام تأثير الصراعات الإقليمية، خصوصاً مع صعود الفواعل المسلحة العابرة لمنطق الدولة، وتحول لبنان تدريجاً إلى ساحة متقدمة ضمن مشروع النفوذ الإيراني في المشرق، الأمر الذي أعاد طرح سؤال التوازن الوطني تحت تأثير اختلال غير مسبوق في موازين القوة الداخلية.

القسم الثاني
-من فائض القوة إلى إعادة تشكيل النظام

شكّل التحول الذي أعقب حرب تموز 2006 ثم حوادث السابع من أيار/مايو 2008 نقطة مفصلية في إعادة تشكيل التوازنات الداخلية اللبنانية، إذ انتقل السلاح تدريجاً من كونه جزءاً من معادلة الصراع مع إسرائيل إلى عنصر حاسم في إعادة إنتاج المجال السياسي الداخلي نفسه.

ففي المجتمعات التعددية الهشة، لا يؤدي اختلال ميزان القوة إلى مجرد تفوق سياسي لفريق على آخر، بل يفتح الباب أمام إعادة طرح سؤال النظام والكيان والدستور. ومع تراكم فائض القوة العسكرية خارج إطار الدولة، بدأت معادلة الطائف القائمة على الشراكة والتوازن تتعرض لتآكل تدريجي، لصالح منطق جديد يربط الشرعية السياسية بالقدرة على فرض الوقائع الميدانية.

وقد تجلى ذلك بوضوح بعد عام 2008، حينما أصبح تعطيل المؤسسات الدستورية، وفرض الفراغ الرئاسي، والتحكم بمسار الحكومات، وربط قرارات الحرب والسلم بحسابات إقليمية، جزءاً من آلية إدارة الحياة السياسية اللبنانية. ومع الوقت، تحوّل فائض القوة إلى أداة لإعادة تعريف مفهوم السيادة نفسه، بحيث بات القرار الوطني خاضعاً لتوازنات تتجاوز الدولة ومؤسساتها.

وفي ظل هذا الاختلال، عادت إلى الواجهة مشاريع المثالثة والفيدرالية وإعادة توزيع السلطة، ليس بوصفها نقاشات فكرية معزولة، بل كنتيجة مباشرة لتآكل التوازن الذي قام عليه اتفاق الطائف. فكل شعور مستدام بالغلبة لدى طرف، أو بالتهميش لدى طرف آخر، يعيد تلقائياً إنتاج المخاوف الوجودية داخل المجتمع اللبناني، ويفتح الباب أمام مشاريع تفكيك تدريجية للكيان.

ومن هنا، تكمن خطورة أي دعوة إلى تعديل النظام أو الحوار حول مستقبل الطائف في ظل وجود السلاح خارج إطار الدولة، لأن أي نقاش دستوري يجري تحت تأثير اختلال جذري في موازين القوة يتحول عملياً من حوار وطني توافقي إلى عملية إعادة تأسيس قسرية للتوازنات الداخلية وفق منطق الغلبة لا الشراكة.

ـ من إدارة الاشتباك إلى إعادة تعريف قواعد التفاوض اللبناني–الإسرائيلي

يشكّل الحديث عن انخراط لبنان في مسار تفاوضي مباشر أو غير مباشر مع إسرائيل تحولاً بالغ الدلالة في بنية النظام الإقليمي اللبناني. فهذا المسار لا يمكن قراءته كمسألة تقنية مرتبطة بترسيم أو تهدئة، بل كتحول في وظيفة الدولة من إدارة الاشتباك المفتوح إلى إعادة تنظيم قواعد الاشتباك.

ففي السياق اللبناني، يرتبط قرار الحرب والسلم بالبنية الداخلية للتوازن الوجودي الذي كان دوماً منذ إعلان الكيان اللبناني عنواناً للوفاق الوطني والاستقرار السياسي الداخلي ، ما يجعل أي مسار تفاوضي عاملاً يعيد طرح أسئلة السيادة وإعادة توزيع السلطة داخل الدولة. كما أن نتائجه المحتملة، سواء كانت إيجابية أو سلبية، تنعكس مباشرة على علاقة لبنان بمحيطه العربي، وعلى موقعه داخل الاصطفافات الإقليمية المتغيرة

القسم الثالث
-لبنان في قلب المواجهة الأميركية–الإيرانية 

لا يمكن فهم التحولات اللبنانية خلال العقدين الأخيرين بمعزل عن المشروع الإقليمي الإيراني القائم على بناء شبكات نفوذ عابرة للدول، ترتكز إلى الفواعل المسلحة غير الرسمية، بما يسمح لطهران بامتلاك أوراق ضغط استراتيجية في ساحات عربية متعددة تمتد من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن.

في هذا السياق، لم يعد لبنان مجرد دولة صغيرة تدور في فلك الصراعات الإقليمية، بل تحوّل تدريجاً إلى عنصر وظيفي داخل معادلة إقليمية أوسع تقوم على فكرة "توازن الردع المتقدم"، حيث يستخدم بعض الساحات العربية خطوط تماس أمامية في إدارة الصراع مع إسرائيل والولايات المتحدة. هذا التحول غيّر طبيعة موقع لبنان من دولة متأثرة بالصراع الإقليمي إلى جزء من بنيته التكوينية.

وقد أدّى هذا التموضع إلى إدخال لبنان في قلب المواجهة الإيرانية–الإسرائيلية المفتوحة على احتمالات التصعيد المستمر، بحيث باتت حدوده الجنوبية وساحته الداخلية عرضة دائمة لاحتمالات الانفجار العسكري. وفي المقابل، يتحمل المجتمع اللبناني تكلفة سياسية واقتصادية وأمنية تتجاوز قدرته البنيوية على الاحتمال، في ظل انهيار متدرج في مؤسسات الدولة وتآكل قدرتها على احتكار القرار السيادي.

كما ساهم هذا الواقع في إعادة تشكيل موقع لبنان العربي، وخصوصاً علاقاته بدول الخليج التي شكّلت تاريخياً العمق الاقتصادي والسياسي الأساسي للدولة اللبنانية. فالتوتر في هذه العلاقات لم يكن مجرد أزمة ديبلوماسية عابرة، بل انعكاس لتحول أعمق في تموضع لبنان داخل الخريطة الإقليمية، بحيث بات يُنظر إليه باعتباره جزءاً من محور إقليمي في حالة اشتباك مع النظام العربي التقليدي.

إن خطورة هذه المرحلة تكمن في أن لبنان لم يعد مجرد دولة تتأثر بالصراع الإقليمي، بل أصبح إحدى ساحاته المتقدمة، الأمر الذي يهدد بتحويله تدريجاً من دولة تعددية ذات وظيفة اقتصادية وانفتاحية تاريخية، إلى ساحة دائمة للاشتباك الجيوسياسي، تتقاطع فوقها حسابات القوى الإقليمية والدولية على حساب استقرار بنيته الداخلية.

القسم الرابع 
-النموذج العراقي ومخاطر إعادة إنتاجه لبنانياً   

تقدم التجربة العراقية بعد عام 2003 إطاراً تحليلياً بالغ الأهمية لفهم مخاطر انهيار التوازنات الداخلية في المجتمعات التعددية عند تزامن ثلاثة عوامل: تفكك الدولة الوطنية المركزية، صعود الفواعل المسلحة الطائفية غير النظامية، وإعادة توزيع السلطة وفق منطق المحاصصة المذهبية تحت ضغط الوقائع العسكرية لا التوافق الوطني.

ففي الحالة العراقية، لم يكن الانهيار مجرد نتيجة لإسقاط النظام السياسي السابق، بل كان بداية مسار طويل من تفكيك مركز الدولة لصالح منظومات سياسية–أمنية موازية، تحولت تدريجاً إلى الفاعل الحقيقي في إدارة القرار الوطني. ومع مرور الوقت، أصبحت مؤسسات الدولة قائمة شكلياً، بينما انتقل مركز القرار الفعلي إلى شبكات نفوذ مسلحة وسياسية واقتصادية مترابطة.

هذا التحول أدى إلى نشوء نموذج "الدولة الشكلية"، أي دولة تحتفظ بهياكلها الدستورية والإدارية، لكنها تفقد تدريجاً قدرتها على احتكار القرار السيادي، سواء في السياسة الخارجية أو الأمن أو حتى إدارة التوازنات الداخلية. وهو نموذج لا يؤدي فقط إلى ضعف الدولة، بل إلى إعادة تعريف مفهوم الدولة نفسه.

وعند إسقاط هذا النموذج على الحالة اللبنانية، لا يأتي الخطر من تطابق كامل في الظروف، بل من التشابه البنيوي في بعض عناصر الاختلال: تعددية طائفية حساسة، اقتصاد هش، مؤسسات تعاني من ضعف مزمن، وفوق ذلك وجود فاعل مسلح يمتلك قدرة تأثير تتجاوز إطار الدولة.

إن الخشية الأساسية لا تكمن في انهيار الدولة اللبنانية بشكل مفاجئ فحسب، بل في تحولها تدريجاً إلى كيان مزدوج: دولة رسمية محدودة الفاعلية، تقابلها منظومة قرار موازية تمتلك أدوات القوة الفعلية. وفي مثل هذا السياق، يصبح التوازن الوطني نفسه عرضة لإعادة تعريف قسرية، ليس عبر عقد اجتماعي جديد، بل عبر وقائع مفروضة على الأرض بفائض القوة .

القسم الخامس
-سقوط سوريا وتحولات الجغرافيا السياسية للمشرق

شكّل التحول العميق في سوريا خلال العقد الأخير نقطة انعطاف حاسمة في الجغرافيا السياسية للمشرق العربي، ليس فقط من حيث تغيير موازين القوى الإقليمية، بل أيضاً من حيث إعادة رسم خطوط الاتصال والانفصال بين المشرق والخليج وشرق المتوسط.

فسوريا، بوصفها تاريخياً عقدة جغرافية بين العراق ولبنان وفلسطين والأردن وتركيا، كانت تؤدي وظيفة "الممر الاستراتيجي" الذي يربط أجزاء الإقليم بعضها ببعض. ومع تفكك هذه الوظيفة المركزية، دخل المشرق في مرحلة إعادة توزيع جيوسياسي مفتوحة، باتت طرق التجارة والطاقة والنفوذ تمر عبر مسارات بديلة، تعيد تشكيل موقع كل دولة داخل الشبكة الإقليمية الجديدة.

في هذا السياق، لم يعد لبنان يعيش ضمن منظومة إقليمية مستقرة، بل ضمن بيئة جيوسياسية سائلة تتغير فيها خطوط النفوذ والتموضع باستمرار. وهذا ما يجعله أكثر عرضة للتأثر المباشر بأي تحولات في محيطه، سواء في سوريا مباشرة، أم في العراق أم في الخليج أم في شرق المتوسط.

كما أن تراجع الدور السوري المركزي أدى إلى فتح فراغ استراتيجي واسع في المشرق، سرعان ما تنافست على ملئه قوى إقليمية ودولية متعددة. وفي هذا الفراغ، برزت أهمية الفواعل غير الدولتية كأدوات نفوذ بديلة، ما زاد من هشاشة الدول الوطنية التقليدية، ومنها لبنان.

إن خطورة هذا التحول لا تكمن فقط في إعادة توزيع النفوذ، بل في إعادة تعريف وظيفة الدول نفسها داخل الإقليم. فالدولة لم تعد بالضرورة مركز القرار الوحيد، بل أصبحت أحياناً جزءاً من شبكة أوسع من الفواعل المتداخلة. وفي الحالة اللبنانية، يطرح هذا التحول سؤالاً جوهرياً: هل يستطيع لبنان الحفاظ على وظيفته كدولة توازن وانفتاح، أم أنه سينزلق إلى وظيفة "الساحة" داخل صراعات لا يملك التحكم بها؟

القسم السادس
-التوازن الوجودي :شرط بقاء الكيان اللبناني

في الحالة اللبنانية، لا يمكن التعامل مع مفهوم التوازن بوصفه مجرد تقنية سياسية لإدارة السلطة، بل باعتباره شرطاً وجودياً لبقاء الكيان نفسه. فالتجربة التاريخية اللبنانية تُظهر بوضوح أن أي اختلال مستدام في موازين القوة بين المكوّنات الداخلية لا يؤدي إلى أزمة حكم فحسب، بل يفتح الباب أمام اهتزاز بنية الدولة نفسها.

إن طبيعة المجتمع اللبناني، القائم على تعددية طائفية ومذهبية وثقافية عميقة، تجعل من "الخوف المتبادل" بين المكوّنات عنصراً بنيوياً في تشكيل السلوك السياسي. ولذلك، فإن أي شعور بالهيمنة أو الإقصاء لا يُترجم فقط إلى اعتراض سياسي، بل إلى إعادة إنتاج للهواجس الوجودية التي سبق أن فجّرت الحرب الأهلية.

ومن هنا، فإن التوازن في الحالة اللبنانية لا يعني تجميد الصراع أو منع التنافس السياسي، بل يعني منع تحوله إلى منطق غلبة. فحين تتحول الديموقراطية إلى "ديموقراطية عددية" في مجتمع غير متجانس، يصبح احتمال الانزلاق نحو الانقسام البنيوي أعلى بكثير من المجتمعات الوطنية المتماسكة.

كما أن التوازن لا ينفصل عن البيئة الإقليمية، لأن لبنان ليس كياناً معزولاً، بل جزء من نظام إقليمي مضطرب، تتداخل فيه الصراعات الطائفية والسياسية والاستراتيجية. لذلك، فإن أي اختلال داخلي يتفاعل فوراً مع ضغوط الخارج، والعكس صحيح، ما يجعل التوازن اللبناني هشاً بطبيعته، لكنه في الوقت نفسه ضرورياً لبقاء الدولة.

إن الفرق الجوهري بين "التوازن" و"التقسيم" هو أن الأول يهدف إلى إدارة التعدد ضمن كيانٍ واحد، بينما الثاني يقوم على تحويل التعدد إلى كيانات متقابلة. وفي الحالة اللبنانية، فإن تجاوز منطق التوازن لا يؤدي إلى استقرار جديد، بل إلى تفكك تدريجي يصعب ضبطه.

الاستنتاج 
-لبنان أمام لحظة الاختيار التاريخي

يقف لبنان اليوم أمام لحظة مفصلية تتقاطع فيها التحولات الداخلية مع إعادة تشكيل أوسع للشرق الأوسط. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بطبيعة النظام السياسي أو آليات الحكم، بل بمستقبل الكيان نفسه في ظل صراعات إقليمية مفتوحة، وتوازنات داخلية غير مستقرة.

إن التحدي الأساسي لا يكمن في تعديل اتفاق الطائف أو إعادة تفسيره، بل في الحفاظ على روحه الجوهرية القائمة على إدارة التعدد ومنع الغلبة والعمل من دون تردد على تطبيقه . فكل محاولة لإعادة إنتاج النظام خارج منطق التوازن، وفي ظل اختلال ميزان القوة، تحمل في طياتها مخاطر إعادة فتح المسار الذي قاد سابقاً إلى الانفجار الأهلي.

وفي زمن تتسارع فيه مشاريع إعادة تشكيل الدول والحدود والهويات في الإقليم، يصبح الحفاظ على التوازن اللبناني ليس خياراً سياسياً بين خيارات متعددة، بل شرط أساسي لبقاء لبنان ككيان. فإما أن يستعيد قدرته على إدارة تعدديته ضمن إطار وطني جامع، وإما أن ينزلق تدريجاً إلى موقع الساحة المفتوحة في صراعات الآخرين.

"في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس خطورة الدول بضعفها فقط، بل بقدرتها على الحفاظ على توازنها الداخلي. وفي الحالة اللبنانية، يبدو أن التوازن ليس مجرد تقنية حكم، بل آخر ما يفصل بين استمرار الكيان أو تآكله".

*أكاديمي ـ باحث في الشؤون الجيوسياسية 

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية