من التأجيل إلى الاعفاء: دبي توسّع التسهيلات الاقتصادية إلى 680 مليون دولار لاحتواء تداعيات أزمة المنطقة

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

حين تضطرب حركة الطيران إلى الخليج، لا تتوقف التداعيات عند بوابات المطارات. في دبي، يمتد الأثر إلى الفنادق والمطاعم والفعاليات وشركات النقل والخدمات اللوجستية والتجزئة، وهي قطاعات تعتمد بدرجات مختلفة على تدفق المسافرين ورجال الأعمال والسياح.

 

لذلك لم تتعامل الإمارة مع الأزمة بوصفها تراجعاً عابراً في حجوزات الفنادق، بل كصدمة تشغيلية تمس منظومة اقتصادية أوسع. وبعد حزمة أولى بقيمة مليار درهم (272.3 مليون دولار) في آذار/مارس 2026، اعتمد الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع رئيس المجلس التنفيذي لإمارة دبي، في 21 أيار/مايو 2026، حزمة ثانية بقيمة 1.5 مليار درهم (408.4 مليون دولار)، لترتفع قيمة التسهيلات خلال أقل من شهرين إلى 2.5 مليار درهم (680.6 مليون دولار).


الحزمة الثانية تضم 33 مبادرة تمتد بين ثلاثة أشهر و12 شهراً، وفق الجهة الحكومية المنفذة، وتغطي ثمانية قطاعات: الرسوم والخدمات الحكومية، والسياحة، والتجارة والخدمات اللوجستية، والعقارات والبناء، والمنشآت التعليمية، والأنشطة الفنية والثقافية، والنقل، والطيران المدني.

 

قطاع كان في ذروته قبل الصدمة

دخلت دبي الأزمة من موقع سياحي قوي. ففي شباط/فبراير 2026، أعلنت الإمارة أنها استقبلت 19.59 مليون زائر دولي في 2025، بزيادة 5% مقارنة بعام 2024، في ثالث رقم قياسي سنوي على التوالي. كما تجاوز معدل الإشغال الفندقي 80% طوال العام، وبلغ أكثر من 81% في النصف الأول من 2025، بحسب دائرة الاقتصاد والسياحة في دبي.
وعلى المستوى الاتحادي، قدّر مجلس السفر والسياحة العالمي أن قطاع السياحة في الإمارات كان في مسار يؤهله للمساهمة بـ267.5 مليار درهم (72.8 مليار دولار) في الناتج المحلي الإجمالي خلال 2025، بما يعادل قرابة 13% من الناتج، فضلاً عن دعم أكثر من 925 ألف وظيفة.


هذه الأرقام تشرح حساسية اللحظة. فالسياحة في الإمارات، ودبي تحديداً، ليست قطاعاً منفصلاً عن الاقتصاد، بل ترتبط بالطيران والفعاليات والتجزئة والعقارات والخدمات. وكل اضطراب في الرحلات ينعكس سريعاً على شركات تتفاوت في حجمها وقدرتها على تحمل ضغط السيولة.

 

وتعود الضغوط إلى التوترات الجيوسياسية واضطراب تقييمات السلامة الجوية في المنطقة، ما دفع عدداً من شركات الطيران الدولية إلى تعليق أو خفض بعض الرحلات وإعادة تقييم المسارات. وهذا يضع الحكومات أمام قيد واضح: يمكنها تخفيف الرسوم وتأجيل المدفوعات وتعليق بعض الغرامات، لكنها لا تستطيع وحدها إعادة شركات الطيران إلى جداولها الطبيعية إذا بقيت تقييمات المخاطر حذرة. لهذا تبدو الحوافز المحلية ضرورية.

 

الحزمة الأولى: تأجيل و مليار درهم

في 30 آذار/مارس 2026، اعتمد الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم حزمة تحفيزية بقيمة مليار درهم (272.3 مليون دولار)، سارية اعتباراً من الأول من نيسان/أبريل 2026.


ركزت الحزمة الأولى على تأجيل الرسوم والمدفوعات لمدة ثلاثة أشهر، وشملت:
• تأجيل 100% من رسوم مبيعات الغرف والمأكولات والمشروبات.
• تأجيل رسم الدرهم السياحي لجميع منشآت الضيافة، بما في ذلك الفنادق والشقق الفندقية وبيوت العطلات والنُزُل.
• تمديد فترات السماح الجمركية من 30 إلى 90 يوماً، مع إمكانية التمديد الإضافي.
• تأجيل رسوم رخص الأعمال المرتبطة بالتعديلات والإعلانات وخدمات الموظفين.
كان منطق هذه المرحلة واضحاً: منح الشركات مساحة زمنية لتخفيف ضغط السيولة، مع بقاء الالتزامات المالية قائمة. فالتأجيل لا يعني إلغاء الرسوم، بل ترحيل موعد سدادها.


ما هو الدرهم السياحي؟

الدرهم السياحي رسم ليلي ثابت أُقرّ بموجب قرار المجلس التنفيذي رقم 2 لعام 2014، ويتراوح بين 7 دراهم للغرفة في الليلة في المنشآت الاقتصادية و20 درهماً في فنادق الخمس نجوم. يُحصّل الرسم من النزلاء، ثم تورّده المنشآت إلى دائرة الاقتصاد والسياحة. لذلك فإن تأجيله في الحزمة الأولى سمح للمنشآت بالاحتفاظ بسيولة مؤقتة بدلاً من توريدها فوراً.

 

الحزمة الثانية: دعم أوسع مع إعفاء شامل

في 21 أيار/مايو 2026، جاءت الحزمة الثانية لتوسّع نطاق الدعم. لكنها لا تمثل إعفاءً شاملاً في كل القطاعات، بل مزيجاً من أدوات مختلفة: إعفاء من تحصيل بعض الرسوم، وتأجيل رسوم أخرى، وتقسيط مستحقات، وخفض رسوم، وتعليق غرامات محددة.
وقال الشيخ حمدان، وفق البيان الرسمي، إن دبي “ماضية في تطبيق مفهوم الاستباقية في تعزيز مرونتها الاقتصادية وتوسيع نطاق التسهيلات”، مضيفاً: “مستمرون بالمتابعة والرصد والاستماع إلى مختلف الأفكار والمقترحات التي تخدم الجميع وتحافظ على المكتسبات”.


السياحة والفعاليات: من التأجيل إلى الإعفاء في رسوم محددة
في قطاع السياحة، انتقلت بعض الرسوم من التأجيل في الحزمة الأولى إلى الإعفاء من التحصيل في الحزمة الثانية، خصوصاً الدرهم السياحي ورسم البلدية على مبيعات غرف الفنادق والمطاعم.


وتشمل التسهيلات السياحية:
• الإعفاء من تحصيل الدرهم السياحي.
• الإعفاء من تحصيل رسم البلدية على مبيعات غرف الفنادق والمطاعم.
• الإعفاء من رسوم تصاريح وتراخيص بيوت العطلات.
• الإعفاء من رسوم تصاريح الفعاليات والمؤتمرات ورسوم التأجيل والإلغاء.
• الإعفاء من الرسوم المفروضة على التنزيلات والعروض التجارية.
• خفض رسوم المرشدين السياحيين وفعاليات السفاري الصحراوية.
• تأجيل رسم الربط الإلكتروني للشركات السياحية ورسوم تصنيف المنشآت الفندقية.

 

وهنا يكمن التحول الأهم: لم تعد بعض الرسوم السياحية مؤجلة فحسب، بل جرى وقف تحصيلها خلال الفترة المحددة. غير أن ذلك لا يعني أن كل بنود الحزمة إعفاءات، ولا أن كل القطاعات حصلت على المعاملة نفسها.

 

التعليم والطفولة المبكرة: تفريق ضروري

في القطاع التعليمي، يختلف نوع الدعم بحسب الجهة والمنشأة.
المؤسسات التعليمية الخاصة المرخصة لدى هيئة المعرفة والتنمية البشرية تستفيد من:
• تأجيل رسوم تجديد التراخيص.
• تأجيل الغرامات والمخالفات.
• إمكانية تقسيط الرسوم لاحقاً.
أما منشآت الطفولة المبكرة المسجلة لدى الهيئة، فتستفيد من:
• الإعفاء من رسوم تجديد الترخيص.
• تأجيل الغرامات والمخالفات.
• الإعفاء الكامل من رسوم الأسواق التابعة لبلدية دبي.

 

هذا التفريق أساسي: المؤسسات التعليمية الخاصة حصلت على تأجيل وتقسيط، لا إعفاء عام. أما منشآت الطفولة المبكرة، فحصلت على إعفاء من رسوم تجديد الترخيص، مع تأجيل الغرامات والمخالفات.

 

صندوق المعرفة: دعم للمنشآت التابعة له

تشمل إجراءات مؤسسة صندوق المعرفة للمنشآت التابعة لها:
• إعفاءً جزئياً من القيمة الإيجارية لمراكز الطفولة المبكرة.
• تمديد فترة الإعفاء الإيجاري للمراكز قيد الإنشاء.
• إعفاءً جزئياً أو كلياً من تأمين الضمان للتعاقدات الملغاة.
• تعليقاً مؤقتاً لأحكام الغرامات التعاقدية.
• تجميد الزيادات المقررة في القيمة الإيجارية عند التجديد.
• تأجيل الدفعات الإيجارية المجدولة.

 

وتعكس هذه البنود أن الحكومة لا تنظر إلى الأزمة بإعتبارها مشكلة فنادق فقط، بل ضغطاً قد يمتد إلى مؤسسات تعليمية وخدمية تعتمد على استقرار الأسر والشركات والموظفين.

 

الثقافة والفنون

في قطاع الثقافة والفنون، تشمل التسهيلات:
• تأجيل وتقسيط الإيجارات والالتزامات المالية للمنشآت التابعة لهيئة الثقافة والفنون في دبي.
• خفض رسوم تأجير المساحات المؤقتة لإقامة الفعاليات.
• توسيع إطار الإدخال المؤقت للأعمال الفنية عبر جمارك دبي.
هذا البند يرتبط بطبيعة اقتصاد دبي، حيث تتداخل السياحة مع المعارض والمؤتمرات والفعاليات الفنية والثقافية.

 

الأعمال والمشاريع الصغيرة والمتوسطة

في قطاع الأعمال، خفّضت دائرة المالية نسبة التأمين النهائي لعقود التوريد من 10% إلى 2% لجميع الشركات المتعاقدة مع الجهات الحكومية. كما رُفع الحد المالي للعقود المؤهلة للإعفاء من التأمين النهائي من 5 ملايين درهم إلى 10 ملايين درهم.
وتشمل التسهيلات أيضاً تمديد عضوية رخصة مؤسسة محمد بن راشد لتنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة عامين إضافيين للشركات التي تنتهي عضوياتها في 2026.

 

كما تتضمن الحزمة إعفاءً كاملاً لمرة واحدة من رسوم محددة للشركات التي تعرضت لتحديات مؤقتة، وتشمل مشغلي السفاري الصحراوية والمخيمات، والأنشطة المرتبطة بالمراسي، والأنشطة المتعلقة بالطيران، وشركات الطائرات بدون طيار والألعاب النارية، وشركات تنظيم الفعاليات.

 

هذه الفئة من الشركات غالباً ما تكون أول من يتأثر بتراجع حركة السفر، لأنها تعمل في محيط السائح والفعالية، لا في الفنادق وحدها.

 

الجمارك والنقل والطيران المدني والعقارات

في الجمارك، تشمل الإجراءات تقسيط المستحقات على بيانات الاستيراد وخفض 80% من قيمة الغرامات الجمركية. والهدف هنا تخفيف الضغط على سلاسل التوريد والشركات التي تتأثر بتباطؤ الطلب أو اضطراب حركة البضائع.

 

وفي النقل، تشمل التسهيلات تأجيل المدفوعات لقطاعات أنشطة الركاب، والإعفاء من مخالفات مرتبطة بمؤشري توافر المركبات وزمن الوصول. وهذا يعكس أن تراجع الطلب أو اضطراب الحركة قد يجعل الالتزام ببعض المؤشرات التشغيلية أكثر صعوبة خلال الأزمة.

وفي الطيران المدني، تشمل الحزمة خفض رسوم تجديد تصاريح أنشطة الطيران المدني، وتعليق فرض رسوم التأخير على تجديد هذه التصاريح للمنشآت المسجلة لدى هيئة دبي للطيران المدني.

 

أما في العقارات والبناء، فتشمل الإجراءات تمديد صلاحية رخص البناء، وتمديد صلاحية الموافقة على قروض بناء مساكن المواطنين لمدة عام. وهذه بنود لا ترتبط بالسياحة مباشرة، لكنها تهدف إلى منع انتقال ضغط السيولة إلى الاستثمار والبناء.

 

آلية متابعة مستمرة

تقول حكومة دبي إن الحزمة الثانية جاءت ضمن آلية متابعة ورصد مستمرة للمتغيرات الاقتصادية عبر فرق عمل من جهات اقتصادية مختلفة في الإمارة. وتهدف هذه الآلية إلى تحديد التحديات التي تواجه الشركات، خصوصاً الصغيرة والمتوسطة والناشئة، وتصميم مبادرات تستجيب للاحتياجات الحالية والمستقبلية.

هذه النقطة مهمة، لأنها تجعل الحزمة جزءاً من عملية متابعة لا إعلاناً مالياً منفرداً. فالأزمة لم تُغلق بعد، وفاعلية الإجراءات ستتوقف على تطور حركة الطيران، وسرعة عودة المسافرين، وقدرة الشركات على الصمود خلال فترة الاضطراب.

 

من التأجيل إلى تقاسم الكلفة

التحول الأبرز بين الحزمتين ليس في القيمة وحدها، بل في طبيعة التدخل. في الحزمة الأولى، منحت دبي الشركات وقتاً وسيولة مؤقتة من خلال تأجيل الرسوم. أما في الحزمة الثانية، ففي بعض بنود السياحة تحديداً، انتقل الدعم من التأجيل إلى الإعفاء من التحصيل، بما يعني أن الحكومة باتت تتحمل جزءاً من الكلفة بدلاً من ترحيلها فقط.

 

لكن الصورة الأوسع أكثر تعقيداً. فالحزمة الثانية لا تقوم على الإعفاء وحده، بل على أدوات متعددة تختلف بحسب القطاع. وهذا التفصيل مهم لتجنب تضخيم الأثر أو إعطاء انطباع بأن جميع الرسوم أُلغيت.
حدود الحوافز

 

تستطيع الحزمة تخفيف الضغط على الشركات، لكنها لا تستطيع وحدها إعادة حركة الطيران إلى طبيعتها. فالإعفاء من بعض الرسوم، وتقسيط المستحقات الجمركية، وخفض رسوم التصاريح، كلها أدوات لمعالجة السيولة. أما عودة الرحلات بكامل طاقتها فترتبط بتقييمات السلامة الجوية وقرارات شركات الطيران والطلب الفعلي من المسافرين.

 

لذلك تبدو الحزمة ضرورية لأنها تمنع أزمة الطيران من التحول إلى أزمة سيولة أوسع لدى الشركات. 

 

الرهان الحقيقي هو إبقاء الشركات قادرة على العمل إلى أن تتضح مسارات الطيران. فكل شركة سياحية أو لوجستية أو فعالية تغلق أبوابها خلال الأزمة ستجعل التعافي لاحقاً أبطأ وأكثر كلفة.


خمس حقائق أساسية
1. اعتمدت دبي حزمتين من التسهيلات الاقتصادية خلال أقل من شهرين بإجمالي 2.5 مليار درهم (680.6 مليون دولار).
2. تبلغ قيمة الحزمة الثانية 1.5 مليار درهم (408.4 مليون دولار)، وتشمل 33 مبادرة تمتد بين ثلاثة أشهر و12 شهراً.
3. في السياحة، انتقلت بعض الرسوم من التأجيل إلى الإعفاء من التحصيل، خصوصاً الدرهم السياحي ورسم البلدية على مبيعات غرف الفنادق والمطاعم.
4. في التعليم، تشمل التسهيلات تأجيل رسوم تجديد التراخيص والغرامات للمؤسسات التعليمية الخاصة، مع إمكانية تقسيطها لاحقاً؛ أما منشآت الطفولة المبكرة فتستفيد من إعفاء رسوم تجديد الترخيص وتأجيل الغرامات والمخالفات.
5. تشمل الحزمة قطاعات الرسوم والخدمات الحكومية، والسياحة، والتجارة والخدمات اللوجستية، والعقارات والبناء، والتعليم، والثقافة، والنقل، والطيران المدني.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية