من الدم إلى السيادة
محمود الخراط
تاريخ الصراعات الكبرى يعلمنا حقيقة واحدة وهي أن الحروب لا تدوم إلى الأبد، والعداء المستحكم بين الدول غالباً ما ينتهي عند طاولة المفاوضات. في الشرق الأوسط، تبرز معضلة لبنان وإسرائيل كواحدة من أعقد جبهات النزاع. وبينما يرى البعض أن الدم والشهداء يجعلون من الاستقرار أمراً مستحيلاً، تثبت الواقعية السياسية والتجارب التاريخية أن هناك فرقاً جوهرياً بين "التطبيع الشعبي" وبين "السلام الأمني" المبني على تثبيت الحدود وبسط سيادة الدول.
من غير المتوقع، ولا المطلوب في المدى المنظور، أن يقبل الأهالي الذين فقدوا أبناءهم على مدار عقود بـ"تطبيع شعبي وثقافي" أو بفتح الحدود للسياحة والتجارة مع إسرائيل. الغاية الحقيقية من التسويات الراهنة هي صياغة اتفاقيات أمنية تنهي حالة الحرب وتضمن الانسحاب الإسرائيلي الشامل، وهو ما يُعرف بـ"السلام البارد".
التاريخ القريب يحفل بنماذج لدول خاضت حروباً طاحنة ثم انتقلت إلى السلام الأمني دون فرض التطبيع على شعوبها:
● مصر وإسرائيل: خاضتا أربع حروب كبرى (1948، 1956، 1967، 1973) سقط فيها عشرات الآلاف من الشهداء. ورغم توقيع معاهدة "كامب ديفيد" عام 1979، بقي السلام رسمياً وأمنياً بحتاً (سلام بارد)، وظل الرفض الشعبي والنقابي المصري للتطبيع ثابتاً عبر الأجيال، لكن المعاهدة حمت مصر من الدمار ووفرت لها استقراراً حدودياً لعقود.
● الأردن وإسرائيل: بعد عقود من المواجهات وحالة الحرب، جرى توقيع اتفاقية "وادي عربة" عام 1994. وبالمثل، لم تتحول الاتفاقية إلى تقارب شعبي، بل ظلت أداة قانونية لحماية الحدود المشتركة وتأمين السيادة الوطنية.
● فرنسا وألمانيا (خارج الإقليم): عاشتا عداءً وجودياً تسبب في مقتل الملايين خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية. ومع ذلك، نجحت الدولتان عبر "معاهدة الإليزيه" عام 1963 في تحويل هذا العداء التاريخي إلى شراكة استراتيجية شكلت نواة الاتحاد الأوروبي، مما يثبت أن أشد الصراعات دموية يمكن أن تنتهي إذا توفرت الإرادة السياسية والمصالح المشتركة.
تنقسم القراءة التاريخية للعدوان الإسرائيلي على لبنان إلى مدرستين: الأولى ترى أن إسرائيل تملك أطماعاً توسعية وتستخدم الأمن كـذريعة (كما حدث في اجتياح 1982)؛ والثانية ترى أن غياب الدولة اللبنانية وتحول الجنوب إلى جبهة عسكرية للفصائل غير اللبنانية (مثل اتفاق القاهرة 1969 والعمليات الفلسطينية، وصولاً إلى جبهات الإسناد الأخيرة) هو ما جلب التدخلات الإسرائيلية.
بين هاتين القراءتين، لا يستطيع الجيش اللبناني حماية الجنوب بميزان القوى العسكري التقليدي أو الدخول في حرب نظامية مفتوحة ضد التفوق الجوي والتكنولوجي الإسرائيلي. لكن حماية الجيش الجنوب تستند إلى الشرعية القانونية وسحب الذرائع:
● نزع الحجج القانونية: عندما تترسم الحدود برياً وبشكل نهائي برعاية دولية، يسقط أي مبرر لإسرائيل لخرق الحدود.
● الكلفة السياسية الباهظة: انتشار الجيش اللبناني كقوة وحيدة مسلحة في الجنوب يعني أن أي اعتداء إسرائيلي مستقبلي سيكون عدواناً صريحاً على دولة ذات سيادة وليس اشتباكاً مع فصيل، ما يضع إسرائيل تحت طائلة عقوبات وضغوط دولية مباشرة من حلفائها (كالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) الذين يضمنون هذه الترتيبات عبر لجان مراقبة صارمة.
عند الحديث عن العداء والدمار، يقع لبنان في مفارقة سياسية فريدة؛ فالأذى والانتهاك للسيادة اللبنانية لم يأتيا فقط من العدو التاريخي المتمثل في إسرائيل، بل جاءا أيضاً من دولة تصنف رسمياً بأنها شقيقة، وكانت تعتبر الحليف الاستراتيجي لـمحور الممانعة (سوريا تحت حكم نظام الأسد).
عاش لبنان عقوداً من الوصاية العسكرية والأمنية السورية (منذ منتصف السبعينيات وحتى عام 2005) شهدت ممارسات ترقى إلى جرائم حرب بحق اللبنانيين:
● قصف المدن والمجازر: قام الجيش السوري بقصف العاصمة بيروت، زحلة، والأسواق التجارية، وارتكب مجازر في مناطق عدة (مثل مجزرة تل الزعتر ومجزرة طرابلس، وعمليات التصفيات في 13 تشرين الأول 1990).
● الاغتيالات السياسية: طالت الاغتيالات السورية قادة ومفكرين لبنانيين من كل الطوائف والمشارب السياسية (مثل كمال جنبلاط، والرئيس بشير الجميل، والرئيس رينيه معوض، والمفتي حسن خالد، وصولاً إلى اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005).
● الاعتقال والإخفاء القسري: ما يزال ملف المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية جرحاً نازفاً حتى اليوم، حيث اختطف النظام آلاف الشباب اللبنانيين وأخفاهم قسرياً في سجونه دون محاسبة.
هذه المقارنة التاريخية توضح حقيقة هامة: في عالم السياسة الدولية، لا توجد صداقات دائمة أو عداوات مطلقة. فالنظام السوري الذي يدعي الأخوة والممانعة تسبب في دمار واعتقال واغتيال للبنانيين لا يقل عما فعله العدو الإسرائيلي.
إن معضلة لبنان مع إسرائيل لا تُحل بالشعارات أو بانتظار تغير العقائد الشعبية، بل تٌحل عندما تقرر الدولة اللبنانية حماية أمنها القومي عبر مسار سيادي شجاع: بسط سلطة الجيش اللبناني وحده على كامل التراب الوطني، وتثبيت الحدود دولياً، والانتقال إلى حالة السلام الأمني التي تحيد لبنان عن صراعات المحاور الإقليمية. الحماية الحقيقية للبنان لا تأتي من وعود الأصدقاء ولا من نوايا الأعداء، بل من قوة المؤسسات الشرعية للدولة اللبنانية وبسط سيادتها غير المنقوصة.