من السينما إلى الفلسفة .. إرث المفكر الراحل إدغار موران يتجاوز التخصصات
بوفاة إدغار موران لا يفقد عالم الفكر أحد كبار المثقفين في القرن العشرين وبداية هذه الألفية؛ وإنما المفكر الذي حافظ على توجُّه إنْسِي في معالجته للموضوعات التي عرضها للتفكير والتحليل والحكم، سواء على صعيد العلوم الإنسانية والاجتماعية التي ساهم في تطوير مناهج الاشتغال عليها منذ خمسينيات القرن الماضي، أو على مستوى المعالجة الإبستمولوجية لتطور الفكر العلمي في كتابه المرجعي “المنهج” الذي خصص له ستة أجزاء، أو في المناقشات السياسية التي وجد نفسه يخوض فيها معارك من أجل الاحتفاظ للكائن البشري، مهما كانت ديانته وثقافته ولغته ولونه وجنسه، على كرامته باعتباره إنسانا له الحق في أن تكون له حقوق (حانة آراندت)، ومنها ما تعرض له الشعب الفلسطيني وما يزال من ظلم تاريخي، ومن جرائم غير متوقفة ضد الإنسانية. وبسبب موقفه الداعم لهذه الحقوق واجه إدغار موران، بعِزة نفس لافتة، كل الاستفزازات بل والمحاكمات التي جرَّته إليها الأوساط الصهيونية المتحكمة في السياسة والإعلام الفرنسي بدعوى معاداته للسامية؛ وهو المثقف ذو الأصول اليهودية الذي تحرر من الانتماء الديني الضيق، ولم يرضخ للدعاية العنصرية ليعانق مبادئ الإنسانية في أبعادها الشاملة.
بوفاة هذا المفكر العظيم أتوقع أن يتعرض الناس للمجالات العديدة التي فكَّر فيها، ونظَّر لها واقترح فيها انفتاحات منهجية ونظرية وسَّعت دائرة البحث والتفكير في العلوم الإنسانية والاجتماعية. وأحسب أن مساهمته المفصلية في التفكير في السينما كانت حاسمة في وقت فرضت الظاهرة السينمائية وجودها على كل حقول البحث في خمسينيات القرن الماضي. فالطبيعة المُركبة للسينما، الحاضنة للفنون كافة، أثارت أسئلة الفلاسفة الذين جعلوا من صورها وأصواتها وأزمنتها موضوعات للتأمل في الكائن، والحركة، والتاريخ، والذاكرة، والمخيلة، والآخر؛ ولكنها شكلت، أيضا، مجالا خصبًا للتفكير بالنسبة لإدغار موران الذي جاء إليها من علم الاجتماع.
ينتمي هذا المفكر، متنوع الاهتمامات والكتابات، إلى النخبة التي جعلت من السينما قضية فكرية وجمالية متعددة الأبعاد الوجودية النفسية والاجتماعية والأنثروبولوجية، ولم يتوقف يوما، حتى في سِفْرِه “المنهج”، في ستة أجزاء، عن العودة إلى المتخيَّل السينمائي واستحضار أفلام وتجارب سينمائية قدمت للفكر والجماليات انفتاحات جليلة وأثرت، بشكل كبير، في الحساسية الفردية والجماعية للإنسان منذ اكتشاف السينماتوغراف إلى اليوم.
في التذييل الذي نشره إدغار موران في شكل خاتمة بعنوان “حياتي والسينما”، في الكتاب الذي جمع فيه عددا كبيرا من دراساته ومقالاته عن السينما التي حررها ما بين 1952 و1962 “Le cinéma. Un art de la complexité. Articles et inédits-1952-1962, 2018″، يقول ما ملخصه إنه كان طفلا وحيدا خجولا ومنغلقا على ذاته، وكان يقرأ كثيرا إلى درجة أنه كان يشعر بأنه يعيش في عالم مُتخيَّل. تُوفيت أمُّه وهو في العاشرة من عمره، وزاده هذا الفقدان انغماسا في الكتب والروايات؛ غير أنه في هذه الفترة جذبته الأفلام وحكايات السينما حتى تحولت لديه إلى نوع من الحاضنة التي افتقدها بوفاة أمه، حيث وجد فيها ما يغذي روحه ومُتخيَّله وأحلامَه. ويقر بأنه كان يحصل له مشاهدة أربعة أفلام في اليوم، وبالتدريج انتقل من مُلتهم للسينما إلى عاشق لها، ومنذ ذلك الوقت وهو يعتبر أن “السينما شغف طفولي يمتد في الزمن”.
ما بين زمن القراءة وزمن المشاهدة تشكلت الميول الفكرية لإدغار موران وتبلورت ذائقته الجمالية، وبتشجيع من أستاذه جورج فريدمان (يعتبر هذا الأخير من كبار علماء الاجتماع في خمسينيات وستينيات القرن الماضي حيث أنجز دراسات مرجعية في علم اجتماع الشغل الذي أصبح يتخذ تمظهرات لا إنسانية في العلاقات المتحولة مع التطور التقني، وانعكاسات ذلك على المواقف الإنسانية والرابط الاجتماعي)، قرر موران سنة 1951 إدخال السينما كموضوع بحثي إلى “المركز الوطني للبحث العلمي” وفي مركز الدراسات السوسيولوجية. وقد اعتُبر هذا الانفتاح منعطفًا فعليًا في مسار الاهتمام بالظاهرة السينمائية، ليس من زاوية إنجاز بحوث في علم الاجتماع فقط، وإنما من منطلق اعتبارها بحثا في الأنثروبولوجيا، ودراسة السينما من منظور الكيفيات التي تُؤطر بها الإنسان في مختلف وضعياته ومواقعه وأفراحه وتوتراته في المجتمعات المعاصرة. وبعد طرده من الحزب الشيوعي انخرط إدغار موران في القراءة والمشاهدة والبحث عن الأسباب العميقة التي تجعل الناس يتشبثون بالحياة، ويسلمون بملكات وقوى تتيح لهم تحمُّل تجربة الازدواجية، ويعتقدون في التحولات الذي تطرأ في الحياة، وفي أدوار المتخيل المشحون بالصور والأساطير، وكيف تنطبع هذه التصورات في الحياة الواقعية وتصير جزءا من الواقع الأنثروبولوجي للإنسان، وكيف تبرز علاقات هذا العالم العتيق عند التَّمَاس الجدلي الذي يحصل بين الواقع ونُسخه، بين العالم وصُوره.
بدأَت في هذه الأثناء تتشكل لدى إدغار موران العناصر الأولى للمفهوم الذي حرص على بلورته طيلة سنوات، والذي تمثل في إعادة صياغة إشكالية المُركب والمُعقد. فالإنسان مهما بلغ من تعقل وعقلانية، يجد نفسه منغمسًا داخل علاقات مُتموجة بين الواقع والمتخيل، ولا سيما في المجتمع التقني الرأسمالي حيث يتلقى الإنسان ضخًّا لا متوقفًا للصور، كما أضحى هو ذاته مُنتجًا للصور بطرق وأشكال متنوعة. من هنا تقوم ثقافة الوسائط والسينما، بدون توقف، بتجديد السؤال الأصلي عن كل تفكير في ماهية الواقع وأبجديات المتخيَّل، وفي كل ما هو إنساني، سواء تعلق الأمر بالإدراك، والحساسية، والمعرفة، والحياة، والفعل، والإبداع، أو بالانخراط في فهم الصور الذي على ضوئه قد يقترب من استيعاب بعض مكونات العالم المتجددة.
بدأ تفكير إدغار موران في الظاهرة السينمائية داخل بيئة نظرية وفكرية نشطة ومُحَفزة، وهو لا يُخفي تفاعله مع عدد كبير ممن أَثْروا الوسط الفكري بكتاباتهم ونمط حضورهم في التدريس والتأليف والتفكير والفعل. لقد تعلم مما ألفه جان بول سارتر عن المُخيلة والمتخيَّل، وموريس ميرلو بونتي عن الإدراك ومسألة البصري، ومارسيل موس في الاثنولوجيا وعلم الاجتماع، وكلود ليفي ستروس في الأنثروبولوجيا، وهربرت ميد في علم النفس الاجتماعي، إضافة إلى سيغموند فرويد، وكارل غوستاف يونع، وجان بياجي وآخرين. وقد مهدت مؤلفات ونظريات هؤلاء الفلاسفة والعلماء لتأسيس مناهج جديدة لمعالجة علاقات الواقع والمتخيل، والحقيقة والمظهر، والوهم والحيلة، والكشف عن الفارق بين الصحيح والمزيف، والعقلاني واللاعقلاني، وما يتيح ذلك من فهم مغاير لموضوعات الإدراك، والذاكرة، والمخيلة، والانفعال، والوعي، والمعرفة.
شكلت تجربة “معهد الفيلمولوجيا”، من جهة ثانية، مختبرا ملائما لتعميق النظر في السينما، وهو المعهد الذي ارتبط بشكل رئيسي بشخص جيلبير كوهين صييا (Gilbert Cohen-Séat)، وهو فيلسوف، وكاتب، ومنتج سينمائي. وهو من أدخل، رسميا، السينما إلى جامعة السوربون ابتداء من سنة 1948 بواسطة الدراسات التي أنجزها حول “الواقعة الفيلمية” و”الواقعة السينمائية”، وبلور أسسها في كتابه “بحث في مبادئ فلسفة السينما” الذي نشره سنة 1946. وقد أراد أن يجعل منه “خطابا في المنهج”. يتكون هذا الكتاب من قسمين، خصص القسم الأول لـ”السينما في الحضارة المعاصرة”، وركز في الثاني على ما أسماه “مفاهيم أساسية لمعجم الفيلمولوجيا”. تضمن القسم الأول بعض النظرات الفلسفية لجيلبير كوهين صييا، وعالج في الثاني ما نعته بـ”التواصل الفيلمي”.
وقد مثلت “المجلة الدولية للفيلمولوجيا” إطارا للبحث والتفكير في السينما ومن منطلق تخصصات متنوعة. ويُقر إدغار موران بكونه استفاد من الانفتاحات التي سمحت بها كتابات جيلبر كوهين صييا، ومن المقالات التي نشرت في “المجلة الدولية للفيلمولوجيا”، وعلى رأسها ما نشره ميشوت فان دين بيرك. كما أنه يعترف بأنه لم يكن مقربا تماما من التجربة النقدية لمجلة “دفاتر السينما”، أو أنه نسج صداقة فكرية مع مؤسسها آندري بازان. كما تعرَّف على تيودور أدورنو والتقى بهربر تماركوز في جامعة “سان دييغو” بأمريكا. لكنه لاحظ أنهما كانا متعلقين بنظرة الأنتلجنتسيا الجامعية المتعالية التي اعتبرت السينما حقلا دنيئا، وأداة استلاب للجماهير الشعبية تمنعها من الانخراط في الثورة. ولم يكن لفلاسفة النظرية النقدية وحدهم هذا الموقف السلبي من السينما، بل كانت تتحفظ النخبة الثقافية عموما على وسائط الاتصال الجماهيرية أو السينما لأنها أدخلت التنميط، وآليات التعمية والاستلاب عبر الأشكال الجاذبة والمتنوعة للفرجة، وبواسطة صور ومظاهر خادعة.
ومع ذلك حين أراد موران التفكير في السينما كان المفكرون قليلين في المجال، وأبرز من يسلم بكونه استفاد من كتاباتهم هم: جان إيبشتاين (Jean Epstein)، وبيلا بالازس (BelaBalazs)، وسيغفريد كراكاور(Siegfried Krakauer). وداخل هذا الذي يسميه موران “الوسط” الفكري والإنساني ألف كتابه عن “السينما أو الإنسان المتخيَّل.. بحث في الأنثروبولوجيا” سنة 1956، وبإيعاز من عالم الاجتماع “آلان تورين” حرر كتابه الثاني عن “نجوم السينما” سنة 1957.
ما يميز ادغار موران عن أغلب من فكروا في السينما وأنتجوا نظرات حول صورها وحركتها وإيقاعاتها، هو أنه لم يكتف بالبحث الأكاديمي في السينما، لأنه انخرط بموازاة ذلك في جبهتين اثنتين عززتا تصوره للسينما وممارسته لها. تمثلت الجبهة الأولى في المواكبة النقدية للأفلام حيث كان يقدم قراءات عن أفلام وينشرها في منابر صحفية متعددة منها “الأوبسرفاتور” ومجلة “إيسبري” ومجلة لا نيف (la NEF)، معتبرا أن نقد الأفلام تشترط مشاهدة، واطلاعا، واقتدارا، بحيث لا يمكن الاقتصار على النقد الانطباعي أو الأخذ بأحكامه، لأن للسينما عظمتها وخصائصها وتحتاج إلى إبراز مضامينها وأشكالها الجمالية، وإلى الوقوف عند الحاجات الاجتماعية التي تولدها؛ كما يتعين تحليل مضامين الأفلام مع مراعاة أبعادها الثلاثية: التاريخية والاجتماعية والأنثربولوجية، بهدف كشف المعاني المتسترة في صور الفيلم.
أما الجبهة الثانية فتجلت في انخراطه التجريبي في الإخراج وكتابة السيناريو؛ قد تكون مساهمة متواضعة على هذا الصعيد، لكن لقاءه بالمخرج جان روش، الذي يعتبر مؤسس “السينما الإثنولوجية”، كان حاسمًا في دخوله معمعة الإخراج، وقد حصل ذلك بعد مشاهدة فيلم “السادة المجانين” لجان روش سنة 1955 في مهرجان لوكارنو، حيث كانت مناسبة لتعميق العلاقة مع هذا المخرج ومواكبة التجارب السينمائية الاثنوغرافية، إلى أن تبلورت فكرة إنجاز فيلم أثناء المشاركة معا في لجنة تحكيم الفيلم الإثنوغرافي والسوسيولوجي بمدينة فلورانسا الإيطالية.
هكذا انطلق مشروع فيلم “مذكرات صيف” الذي تحول هو ذاته إلى قصة وإلى خلاف مع روش. وفي سنة 1964 كتب موران سيناريو فيلم بعنوان “ساعة الحقيقة” تكلف هنري كاليف بإخراجه، وفي هذه المرة أيضا لم تُقنعه نتيجة الفيلم في الأخير، معتبرا أن المخرج قام باختيارات لممثلين وببناء إخراجي لم يجسد ما كان يعتبره أساسيا في السيناريو الذي يحكي قصة ضابط نازي هاجر إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة تحت غطاء شخصية مختلفة، وتمكن من الاستقرار والعمل وتأسيس أسرة مختلطة. وما كان يهم إدغار موران من القصة هو إبراز تمزقات الكائن بين ثقل الماضي واشتراطات تدبير الحاضر، بين الحقيقة والزيف، بين الهوية الأصلية والقناع الجديد، بين الإحساس الدائم بخطر الانكشاف ولعبة المحافظة على الذات. غير أن هذه الأفكار لم تبرز في الفيلم بالشكل والجمالية التي كان يتصورهما أثناء كتابة السيناريو.
يتبين مما تقدم أن إدغار موران وجد نفسه داخل وسط فكري وفني وإنساني أتاح له التعلم من أسماء كبيرة أنتجت نظرات وتأملات في منتهى العمق والغنى حول الظاهرة السينمائية، ومن علماء أحدثوا انتقالا إبستمولوجيا كبيرا في حقول الإثنولوجيا والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا، ومن مخرجين سمح احتكاكه بهم الاطلاع المباشر على شروط العمل السينمائي وقواعده وصعوباته المتنوعة، وقساوة ترجمة الفكرة أو السيناريو إلى إنجاز فيلمي؛ كما لم يتوقف عن مشاهدة الأفلام بالكتابة عنها أو الاستمتاع بها. عوامل ومقدمات متعددة المصادر والتجارب والحساسيات خولت له إمكانية مساءلة الصور السينمائية ومواكبة تجاربها واتجاهاتها وأنواعها، والوقوف عند تجليات جدلية الواقع والمتخيل، وتوترات التعبير عنها اعتمادا على العُدة السينمائية.
في المقال الذي نشره سنة 1961 بعنوان “المُرَكَّبات المُتَخيلة” يُحدد بوضوح ما المقصود بهذه الصيغة. تخضع الحياة المتخيَّلة، من أساطير وخيالات وأحلام، أي ما يندرج ضمن الأنظمة المُتخيَّلة لعملية ثلاثية تتمثل في: الإسقاط (Projection) والتماهي (Identification) والتحويل (transfert). ويسمي المركبات المتخيَّلة مجموع هذه العمليات في تمازجها اللامتوقف؛ ويُنبه موران إلى أن استعماله مصطلح “المعقد” (complexe) ينتظم ضمن معناه النحوي الأولي، وليس بالمعنى الذي استعمله فرويد بطريقة أكثر تشابكا، ثم وقع تنويعه وتبسيطه من طرف مدرسة التحليل النفسي فيما بعد. والمُعقد بالنسبة إليه “هو مجموع يشمل عددا من الأجزاء أو العناصر، أو بصيغة أفضل هو نسق مُكوَّن من عناصر متميزة ومتداخلة… ينطوي على وحدة عضوية وعلى عناصر متنوعة منها يتكون في الآن نفسه”.
لذلك، لا ينظر موران إلى الإنسان باعتباره كائنا عقلانيا فقط، لأنه كان تحت تأثير عدد لا بأس به من العلماء والمفكرين الذين أنجزوا دراسات ساهمت في تغيير الموقف من الملكات الأخرى للإنسان، من إدراك، وحساسية، ومُخيلة. لقد انطلق من فهمه للصورة وللسينما من قاعدة مفادها أن “جدلية الواقعي والمتخيَّل معطى إنساني أساسي” لأن الأنشطة المتخيلة لا تتلخص في أنظمة الأساطير والسحر والجماليات، وإنما تروي الحياة العاطفية وتخترق كل مستويات الحياة العملية وجوانبها؛ فليست المركبات المتخيلة تقتصر على مخزونات المتخيل فقط، وإنما تنغمس في قلب الحياة، أو بعبارة أدق، هناك دوما تعالُق بين المتخيل والحياة العملية.
لقد انتبه موران، انطلاقا من هذا الأفق وبشكل مُبكر، أن الكلَّ في “مجتمع الفرجة” يدور حول الصورة، ليس لأنها نقطة عبور بين الواقعي والمتخيل ومحوره، بل لأنها الفعل المؤسسي الجذري والمتزامن من الواقعي والمتخيَّل يتم ضمن علاقة متبادلة وتوليدية ما بين التمثل وما يعود إلى الواقع وإلى الأشياء، إضافة إلى تضمُّن هذا المبدأ علاقة حوارية ما بين “التجربة الجمالية” و”الوعي الجمالي”، أي ما بين التباعد إزاء الصورة والمشاركة فيها. لذلك عمِل إدغار موران، منذ كتاباته الأولى عن السينما، على استقصاء الوسائل المختلفة، سواء كانت تكنولوجية، تعبيرية، تمثيلية، رمزية، أو درامية التي تُعبئها السينما لإنتاج صورها وأصواتها، وعلى استجلاء كيفيات اشتغال التحول اللامتوقف لوظائف الصورة ولمكانتها ومعانيها وأشكالها. وقد كان يهمه، في عملية الاستقصاء والاستجلاء فهم التحول الذي يحصل على الصورة بوصفها نوعا من الترجمة السائلة لما هو ظواهري إلى ما هو رمزي، ولِما هو تجريبي إلى ما هو تجريدي، ولِما هو واقعي إلى المتخيل.
بالسينما أو بغيرها من حقول الفكر الإنساني الذي اشتغل عليها إدغار موران، لم يتعب في الإعلاء من إنسانية الإنسان، ومن الإلحاح على “سياسة حضارة”، كما أسس لمرتكزاتها، وذلك من أجل تكسير القناعات المُنغلقة، ومحاصرة “الهويات القاتلة” باسم الدين والتي لم يتردد، وهو في آخر أيامه، من التنديد بما تقوم به على أرض فلسطين ولبنان من قتل وإبادة. فالرجل لم يساوم يوما على مبادئ الحرية ضد الاحتلال، والأخوة ضد التمييز، والحب ضد الكراهية، والتواؤم ضد الاستبعاد.
The post من السينما إلى الفلسفة .. إرث المفكر الراحل إدغار موران يتجاوز التخصصات appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.