من الوزّاني إلى بنت جبيل ومرجعيون: مواسم الجنوب بين الأرض والنّار

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

فاتن كحيل

 

 

 

في جنوب لبنان، لم تعد المواسم الزراعيّة مجرّد محطّات إنتاجيّة تقاس بمواعيد الزراعة والحصاد، بل بتوقيت الغارات ودويّ القصف، تحوّلت إلى اختبار يومي للقدرة على البقاء. من الوزّاني إلى بنت جبيل وصولاً إلى مرجعيون، تتكرّر الحكاية بأشكال مختلفة، لكن بجوهر واحد: أرض خصبة تُحاصر، ومُزارع يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه من موسم بات مهدّداً في كلّ مراحله. 
في سهل الوزّاني، حيث كانت الحقول المفتوحة تشكّل مساحة إنتاج واسعة، تحولت إلى مسارات خطرة، باتت اليوم مكشوفة بالكامل أمام الغارات. القصف لا يدمّر فقط ما زُرع، بل يمنع ما لم يُزرع بعد. الأرض التي كانت تُستثمر بالكامل تقريباً في مواسم البطّيخ والشّمام، والدرّاق، تُركت بلا حراثة لأن أي تحرّك فيها قد يتحوّل إلى خطر مباشر. الخطر لم يعد حدثاً طارئاً، بل عاملاً دائماً يدخل في حسابات المزارع. كلّ خطوة، من حراثة الأرض إلى ريّها، مرتبطة بإيقاع أمني متقلّب. وفي الحالات التي تُزرع فيها المحاصيل، تبقى عرضة للاستهداف أو الحرائق التي تندلع بفعل القذائف. وهكذا، لا يُقاس الضرر بما سقط من محاصيل فقط، بل بما لم يُزرع أصلاً. 
  يقول أحد المزارعين: "نرى أرضنا من بعيد... لكن لا نستطيع الاقتراب".
هذا الواقع حوّل الأراضي الزراعيّة إلى مساحات معزولة. لا حراثة، لا ريّ، لا متابعة.
 الموسم هنا لا يتعثّر، بل يُلغى بالكامل.
 في بنت جبيل، تأخذ الأزمة بُعداً أكثر تعقيداً. فزراعة التبغ، التي تعتمد على متابعة دقيقة ومتواصلة، لم تعد تحتمل هذا الانقطاع القسري. أي خلل في التوقيت أو الرعاية ينعكس مباشرة على جودة المحصول. ومع تكرار الغياب عن الحقول، يصبح الموسم عرضة للتراجع أو الفشل. 
أشجار بلا ريّ منتظم، ثمار تُترك حتى تفسد، ومواسم تضيع بصمت. أحياناً، يكون القصف غير مباشر، لكنّه كافٍ لإفراغ الأرض من أصحابها. 
في سهل مرجعيون، تبدو الصّورة أكثر اتساعاً وخطورة. المنطقة، التي تُعد من أهمّ السهول الزراعيّة، تعرّضت مراراً لغارات طالت الحقول أو محيطها. كانت تضج بالحركة في مثل هذا الوقت من العام، باتت اليوم صامتة. لا مزارعين، لا آلات، لا موسم.
يقول أحد أبناء المنطقة: "السهل موجود... لكن الحياة فيه توقّفت".
المحاصيل الاستراتيجيّة، مثل القمح، لم تزرع في بعض المناطق، أو تُركت دون حصاد في مناطق أخرى. 
والسبب واحد: عدم القدرة على الوصول.
حتى في الحالات التي حاول فيها بعض المزارعين دخول أراضيهم، كانت المحاولات قصيرة ومحدودة، سرعان ما تنتهي مع أول تصعيد.  
النتيجة لا تظهر فقط في لحظة القصف، بل تمتدّ بعدها: 
 - حرائق تلتهم مساحات واسعة من القمح.
 - أضرار في بساتين الحمضيّات يصعب تعويضها.
 - تعطّل كامل لدورة الزراعة في مساحات كبيرة. 
هنا، لا يتوقّف التأثير عند موسم واحد، بل يمتدّ إلى مواسم لاحقة، لأن الأرض نفسها تحتاج إلى وقت طويل لتستعيد قدرتها على الإنتاج. 
ما يجمع الوزّاني وبنت جبيل ومرجعيون هو أنّ القصف لم يعد حدثاً طارئاً، بل عنصراً دائماً في المعادلة الزراعيّة. 
الموسم لم يعد يُبنى على استمراريّة، بل على انقطاعات متكرّرة:
  - زراعة تتوقّف مع كلّ تصعيد.
  - عناية تؤجّل بسبب الخطر.
  - مزارعون بعيدون عن أراضيهم.
  - عائلات فقدت مصدر رزقها.
  - حصاد قد يُلغى بالكامل.
  - طُرق تسويق تُقطع بفعل القصف أو التوتّر.
هذا الواقع خلق ما يمكن وصفه "بالموسم المبتور": موسم يبدأ، لكنّه لا يكتمل.
الأثر لا يقتصر على الأرض، بل يطال الإنسان. المزارع الذي كان يعمل وفق إيقاع الطبيعة، بات يعمل وفق إيقاع الخطر. قراراته لم تعد زراعيّة بحتة، بل أمنية في المقام الأوّل. ومع تكرار الغارات، يتحوّل الخوف إلى عامل يومي، يدفع كثيرين إلى تقليص عملهم أو تركه بالكامل. 
 وفي العمق، يتفكّك "اقتصاد الموسم". الكلفة تُدفع – بذور، ريّ، جهد – لكن العائد قد يُمحى في لحظة واحدة ومع تكرار هذا السيناريو، تتراكم الخسائر، وتتراجع القدرة على الاستمرار، ويصبح الانسحاب خياراً واقعيّاً، لا استثناء.
ورغم كلّ ذلك، لا تزال بعض الحقول تُزرع. ليس لأن الظروف تسمح، بل لأن المزارعين يرفضون ترك الأرض. الزراعة هنا لم تعد نشاطاً اقتصاديّاً فقط، بل فعل صمود في وجه واقع يحاول اقتلاعها.
  في جنوب لبنان، لا تبدو الأزمة مجرّد خسارة موسم زراعي عابر، بل خسارة علاقة كاملة بين الانسان وأرضه. فحين تصبح الحقول مناطق خطرة، ويتحوّل الوصول إليها إلى مغامرة يوميّة، تتوقف الزراعة عن كونها مصدر رزق فقط، وتصبح معركة بقاء وهويّة.
من الوزاني إلى بنت جبيل ومرجعيون، تقف الأراضي اليوم شاهدة على مواسم لم تكتمل، وعلى مزارعين أُبعدوا قسراً عن حقولهم، فيما تُترك الأشجار والمحاصيل لمصيرها تحت القصف والخوف والنزوح.
ورغم كل شيء، لا تزال هذه الأرض تنتظر أصحابها. تنتظر عودة الخطوات إلى الحقول، وصوت العمل بدل صوت الانفجارات، وموسماً يُقاس بالحصاد لا بالخسارة.
لكن حتى ذلك الحين، يبقى الجنوب معلّقاً بين أرض لا تُترك... وناس لم يعودوا قادرين على الوصول إليها. 


       
اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية