من جبل عامل إلى الجنوب… مئة عام من التحولات: من دولة لبنان الكبير إلى حرب الإسناد
حسن درغام
لم يدخل الجنوب اللبناني، أو ما كان يُعرف تاريخياً بـ "جبل عامل"، دولة لبنان الكبير من دون أن يطرح أسئلته الكبرى. فمع انهيار السلطنة العثمانية، واتفاقية سايكس – بيكو (1916) ثم وعد بلفور (1917)، وجد قسم من أعيان جبل عامل أنفسهم بين المشروع العربي الفيصلي والمملكة العربية السورية، وبين الكيان اللبناني الجديد تحت الانتداب الفرنسي.
بهذا السياق، انعقد مؤتمر وادي الحجير في 24 نيسان 1920 بدعوة من كامل بك الأسعد وبحضور شخصيات بارزة مثل السيد عبد الحسين شرف الدين وأدهم خنجر وصادق حمزة، وكان يعكس توجهاً عند شريحة من البيئة العاملية نحو الانتماء للمحيط المشرقي الأوسع.
ومع ترسيم الحدود عام 1923، وفصل القرى السبع عن امتدادها الطبيعي، وأحداث عين إبل التي عكست توترات مرحلة التأسيس، دخل الجنوب اللبناني في مسار اختلطت فيه الجغرافيا بالتاريخ والسياسة. وارتبط الكيان الجديد في الوعي العاملي بالانتداب الفرنسي وبمشروع البطريرك الياس الحويك وإعلان دولة لبنان الكبير في الأول من أيلول 1920 على يد الجنرال هنري غورو، قبل أن تساهم شخصيات مثل شرف الدين في الدفع باتجاه التأقلم مع الدولة الناشئة.
ومع نكبة فلسطين عام 1948، تغيّر دور الجنوب. فلم يعد فقط مساحة زراعية وثقافية، بل صار خط تماس مباشر مع الصراع العربي – الإسرائيلي.
وخلال الستينيات والسبعينيات، دخل الجنوب مرحلة جديدة؛ مرحلة الناصرية والقومية العربية واليسار والقضية الفلسطينية. كتب حسين مروة قراءته النقدية للتراث، وانشغل مهدي عامل بأسئلة الدولة والطائفة، بينما تحولت قصائد موسى شعيب إلى صوت يعبر عن الاحتجاج الجنوبي:
"ومررتُ أمس على الديارِ
أنفضُ الحزنَ المعشعشَ في الجدارِ"
وفي هذا المسار برزت شخصيات مثل حبيب صادق، عبر المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، وهاني فحص، اللذين حاولا إبقاء الجنوب مساحة للحوار والثقافة والعبور نحو الدولة، في مواجهة اختزاله بهوية واحدة أو اصطفاف واحد.
لكن الجنوب لم يكن سياسة فقط، بل كان شعراً أيضاً. كتب عباس بيضون جنوباً يحمل جرحه، وحمل حسن عبد الله إلى القصيدة ماء الخيام وتينها، فيما بقيت القرى والحنين حاضرة في شعر محمد علي شمس الدين.
أما شوقي بزيع، فعاد إلى صور بعد الخراب، كاتباً مرثيته للمدينة:
"أغنّي لزهرة فينيقيا المطفأة…
وأعلن أني نجوت من المجزرة
لأدخلها من جديد على صهوة الحبر…"
وجاء اتفاق القاهرة عام 1969 ليفتح مرحلة «فتح لاند»، حيث تحولت مساحات واسعة من الجنوب إلى قاعدة للعمل الفدائي الفلسطيني.
وفي تلك المرحلة برز الإمام موسى الصدر حاملاً قضية الحرمان والتنمية وبناء الجماعة الشيعية، ورافضاً أن يبقى الجنوب وحده ساحة مفتوحة للحرب.
ومع اجتياح عام 1982، خرجت منظمة التحرير الفلسطينية إلى تونس. انتهت مرحلة، لكن الحرب لم تنتهِ. وحاول لبنان وقتها سلوك مسار مختلف عبر اتفاق 17 أيار 1983، قبل أن يسقط تحت ضغط التحولات الداخلية والإقليمية، وعلى رأسها الدور السوري.
ومع الثورة الإيرانية انتقل الجنوب تدريجياً من زمن القومية واليسار إلى زمن العقيدة والمقاومة، ومن جنوب «فتح لاند» إلى جنوب حزب الله، فيما حملت حركة أمل بقيادة الرئيس نبيه بري جزءاً من إرث الصدر.
وفي عام 2000 أعلن السيد حسن نصرالله من بنت جبيل عبارته الشهيرة: «إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت»، لتدخل المنطقة مرحلة جديدة أعادت تعريف الجنوب ودوره، ورسّخت موقعه في قلب معادلات الصراع الإقليمي.
ثم جاءت حرب الإسناد، ودخل الجنوب مرحلة الخسائر الكبيرة: قرى حدودية مدمرة، وتجريف، وبيوت تراثية، ومكتبات، وحقول، وحتى الذاكرة نفسها. أكثر من 3000 شهيد، ونحو 10 آلاف جريح، وموجات نزوح قاربت المليون، وسقوط ما كان يُعرف بتوازن الرعب، فيما لا تزال الغارات مستمرة جنوب نهر الليطاني.
وكما لم تعد الأندلس بعد سقوط غرناطة كما كانت، ليس فقط لأن المدن اختفت، بل لأن الرواية نفسها انكسرت، يبدو الجنوب اليوم أمام هاجس مشابه: ليس فقط خسارة المكان، بل خسارة الرواية أيضاً.
فالجنوب الذي عاش لعقود على إيقاع المقاومة والحرب المفتوحة يجد نفسه اليوم أمام مشهد مختلف تماماً: قرى مدمرة، وأراضٍ مجروفة، وذاكرة تحت الركام.
وفي المقابل، تسير الدولة اللبنانية، للمرة الأولى منذ عقود، في مسار تسوية أمنية وسياسية يبدو أنه يراهن على تثبيت الحدود، وترسيخ القرار السيادي، وحصر السلاح، واستعادة دور الدولة في الجنوب.
لكن في المقابل، لا يبدو أن حزب الله مستعد لإعلان نهاية هذه المرحلة بسهولة. فجزء من مؤيديه داخل بيئته الحاضنة يرى أن الرهان على إيران لم يسقط، وأن التحولات الإقليمية، من واشنطن إلى إسلام آباد، قد تفتح مسارات لوقف إطلاق النار وتمنح الحزب وقتاً لإعادة بناء قدراته والحفاظ على سلاحه بوصفه حارساً لهوية الجماعة وضامناً لتوازنها داخل التركيبة اللبنانية، ومدافعاً عن الجنوب بما يمثله من قلب لهذا المشروع في مواجهة إسرائيل، إضافة إلى الحفاظ على ما راكمه من أدوار إقليمية.
ولعل ما كتبه أمين معلوف عن «الهويات القاتلة» يساعد على فهم جانب من هذه العقدة. فحين تشعر جماعة بشرية أن هويتها مهددة، لا تعود تنظر إلى أدوات القوة بوصفها مجرد وسائل سياسية، بل كضمانات وجودية. عندها يصبح السلاح، بالنسبة إلى جزء من هذه البيئة، أكثر من أداة عسكرية؛ يصبح امتداداً لهوية جماعية تشكلت عبر عقود من الخوف والحروب والتهميش والبحث عن الحماية والتوازن.
وذلك في لحظة إقليمية دقيقة تتقاطع فيها حرب الجنوب مع مسار المفاوضات الأميركية – الإيرانية، حيث يراهن البعض على أن أي تفاهم محتمل بين واشنطن وطهران قد يعيد رسم خرائط النفوذ والأدوار ووظائف الساحات في المنطقة، فيما يطرح آخرون سؤالاً معاكساً: هل دخل الجنوب فعلاً مرحلة الخروج من زمن المحاور نحو زمن الدولة؟
وهنا تظهر العقدة الجنوبية الجديدة: ليس فقط بين الحرب والسلم، بل بين مشروعين؛ مشروع يريد جعل الجنوب جزءاً من دولة لبنانية تستعيد قرارها وسيادتها، ومشروع يرى أن دور الجنوب ضمن صراعات المنطقة لم ينتهِ بعد.
فأي جنوب سيولد من هذا الخراب؟ هل هو جنوب الدولة أم جنوب المحاور؟ جنوب إعادة الإعمار أم جنوب إعادة التسلح؟ جنوب الليطاني الهادئ أم جنوب الجبهة المفتوحة؟
ولعل ما كتبه شوقي بزيع عن صور يصلح اليوم للجنوب كله:
"نحن الذين تبقّوا على رمل صور
سنصمد فوق حطام المدينة،
وسنجمع أوصالها كطيور خرافية
ثم نطلقها عبر هذا الخراب"
وهنا يقف الجنوب اللبناني، بعد مئة عام من التحولات، أمام أسئلته الوجودية الكبرى: هل يبدأ زمن الدولة؟ وهل يُكتب للجنوب قدر جديد… أم يبقى مقيماً على خطوط الزلازل الإقليمية….
* مهندس معماري وكاتب سياسي