من “جدار الخوف” إلى دستور 2011.. الساسي يفكك “الدستورية الاحتجاجية” لـ محمد مدني

صرح محمد الساسي، أستاذ العلوم السياسية بجماعة محمد الخامس، بأن حركة 20 فبراير نجحت في كسر “جدار الخوف” وإعادة الدستور إلى قلب النقاش العمومي، لكنها انتهت، في نظره، إلى نتيجة جعلت “الملكية وحزب العدالة والتنمية وربما المخزن يربحون أخيراً”، وذلك في قراءة نقدية قدمها خلال مناقشة كتاب يتتبع مسار صناعة دستور 2011 وسياقاته السياسية والاحتجاجية.

واعتبر الساسي أن كتاب الدستورية الاحتجاجية والنظام السياسي بالمغرب: صناعة دستور (20 فبراير – 29 يوليوز 2011) للأستاذ محمد مدني، لا يوثق فحسب لمرحلة سياسية مفصلية، بل أيضا يستند على “قوانين التحليل الدستوري، وعلم الاجتماع القانوني، وفلسفة القانون، وعلم السياسة”، إلى جانب اعتماده على وثائق حركة 20 فبراير ووثائق الحركات الشبابية، ومشاهدات مباشرة ومعايشة ميدانية للأحداث.

 

وخلال ندوة علمية مساء الجمعة 15 ماي 2026 بكلية العلوم القانونية-أكدال الرباط، أضاف الساسي أن مؤلف الكتاب “كان يلعب الدورين معنا: متظاهر لأنه يريد التغيير ويريد زيادة الديمقراطية في بلادنا، وفي نفس الوقت يتأمل عن قرب هذه الدينامية”، مشيراً إلى أن مدني “يتفرس في الوجوه ويتجاوب مع الناس”، وهو ما جعل الكتاب، بحسبه، نتاجاً لملاحظة مباشرة ولخبرة معاشة داخل الحراك نفسه.

جدار الخوف

وشدد الساسي على أن الكتاب ينطلق من فكرة مركزية مفادها أن دستور 2011 “هو نتيجة تعارض وسعي بين فاعلين متعددين وليس فاعلاً واحداً”، وأنه يمثل “تحويلاً للحظة ثورية إلى لحظة تأسيسية”، مضيفاً بشكل صريح: “لو لم تكن حركة 20 فبراير لما قام الدستور في عام 2011”، معتبراً أن النقاش السياسي قبل الحراك كان قد انحصر في “القبول بالبرنامج القار للدولة والتنافس حول التدبير”، أي أن الأحزاب، بحسب تعبيره، كانت تناقش فقط “إصلاحات على مستوى التدبير وليس على مستوى الدستور”، قبل أن تأتي الحركة وتعيد مسألة الدستور إلى قلب النقاش العمومي والشارع السياسي.

وأكد المتحدث أن حركة 20 فبراير “ساهمت في صناعة دستور 2011”، حتى وإن “جاء النص النهائي مترجماً لميزان قوى غير صالح للحركة”، موضحاً أن الحركة “لم تكن وحدها في الساحة”، لكنها استطاعت مع قوى ومجموعات أخرى “أن تأخذ البلاد إلى الدستور”، مضيفاً أن هناك كان “إحساساً بأن جداراً معقداً وصعباً” يطوق الحياة السياسية، وهو ما سماه محمد مدني في الكتاب “جدار الخوف”.

وأشار إلى أن المؤلف حاول تتبع الإرهاصات التي سبقت انفجار الحركة في الشارع، وأن المطالب لم تكن محصورة في مطلب دستوري واحد، بل شملت أيضاً قضايا مرتبطة بـ”البرلمان، والحكومة، والمحاكمة، والمشاركة، والحكومة المؤقتة، وفصل السلط، ودولة الحق والقانون، وانتخابات نزيهة، وحرية سياسية”، وغيرها من المطالب التي عكست، بحسبه، عمق الأزمة السياسية والاجتماعية آنذاك.

وذكر الساسي أن من الأمور التي “لا ينتبه إليها كثير من الناس” أن بعض وثائق حركة 20 فبراير “أشادت بأن العهد الجديد قام بإنجازات إيجابية”، قبل أن تضيف أن البلاد “دخلت بعد ذلك سنوات رصاص جديدة”، معتبراً أن الحركة “لم تكن مجرد حركة قضية”، بل كانت قادرة في الوقت نفسه على الاعتراف ببعض المكتسبات مع الاستمرار في النقد، موضحاً أن نصوص الحركة “تستلهم تقليداً يسارياً معارضاً” يقوم على فكرة “من يحكم يحاسب”، وأنها استحضرت شعارات ومطالب ذات حمولة سياسية واضحة مرتبطة بالمحاسبة وربط المسؤولية بالمساءلة.

تسقيف المطالب

وتوقف الساسي عند ما وصفه بأنه “أكبر إشكال” عاشته حركة 20 فبراير، والمتعلق بـ”الصراع الذي كان بين مكونات الحركة حول تسقيف المطالب”، موضحاً أن جزءاً من المكونات كان يدعو إلى رفع سقف المطالب عبر الحديث بشكل صريح عن “الملكية البرلمانية”، في حين كان تيار آخر يفضل الاكتفاء بالمطالبة بـ”دستور ديمقراطي من حيث الشكل والمضمون” دون تحديد النموذج السياسي بشكل مباشر، وترك الأمر مفتوحاً لما يمكن أن يقرره الشعب لاحقاً عبر “جمعية تأسيسية”.

وأكد أن الحركة “لم تقدم تصوراً مفصلاً لدستورها”، معتبراً أن ذلك كان أمراً طبيعياً لأن المتظاهرين “لم يكونوا متجانسين”، ولأن الانتقال “من العالم الافتراضي إلى الواقع” لم يكن أمراً سهلاً، موضحاً أن الإعلان الأول للحركة ركز على “المطالبة بدستور ديمقراطي من حيث الشكل والمضمون”، لكن مع اتساع الحراك بدأت تظهر داخل الشعارات مطالب مرتبطة بـ”الملكية البرلمانية” وبصلاحيات الملك والحكومة.

وأشار الساسي إلى أن جماعة جماعة العدل والإحسان لعبت دوراً مهماً داخل الحركة، مضيفاً أن بعض مكوناتها “كانت متقيدة بعدم السقف”، وأن الموقف نفسه كان موجوداً أيضاً لدى بعض قيادات حزب العدالة والتنمية، قبل أن ينسحب الحزب من منطق المغامرة في دعم الحركة، بينما كان سعد الدين العثماني، بحسب الساسي، يعتقد أن انتخابات 2011 وصعود الحزب إلى الحكومة “أوسع في استمرار الحركة”.

وأوضح أن التجانس داخل الحركة كان صعباً، وأن الجمع العام للحركة كان يتحول أحياناً إلى “حلبة صراع” بين المكونات الإسلامية واليسارية، خصوصاً في ما يتعلق بالشعارات والمصطلحات المستعملة، رغم وجود “تضامن ووضوح كامل فيما يتعلق بالخطوات التقنية والتحرير”.

وأضاف أن الشباب المشاركين في الحركة “كلهم مؤمنون بتعدد التوجهات”، وأن الخلاف لم يكن حول الحق في الاختلاف، بل حول “المطالب بصورة أعمق”، مشيراً إلى أن كل مكون كان يسعى إلى أن تستمر الدينامية الاحتجاجية بما يسمح له لاحقاً بترجمة تصوراته الخاصة سياسياً، مضيفاً: “كل واحد يقول إذا نجحت الدينامية واستمرت تلقائياً ستجد نفسها منخرطة في التصور الذي أحبه أنا ولا يحبه الآخر”، وهو ما جعل الحركة تعيش تناقضات داخلية مرتبطة بالرؤى السياسية المختلفة لمستقبل النظام السياسي المغربي.

نزعات راديكالية

وفي قراءته لبعض تفاصيل الكتاب، قال الساسي إن هناك “حساسية ظاهرة” داخل الحركة تجاه مسألة الدين والدولة، موضحاً أن بعض المكونات كانت ترفض وصف الدولة المغربية بأنها “دولة دينية أو ثيوقراطية”، لأنها “ليست من يسلم في شيء”، حسب تعبيره، مضيفاً أن النقاشات كانت حادة أحياناً حول طبيعة النظام السياسي وحدود الإصلاح الممكنة، وأنه بعد خطاب 9 مارس بدأت تظهر “نزعات راديكالية” داخل بعض صفحات الحركة، بينما اتجهت السلطة، بحسب تعبيره، إلى “تحويل الحركة من المطالبين بالإصلاح إلى مقاومين ومعارضين”.

واعتبر الساسي أن الحركة عرفت بعد ذلك تحولاً في طبيعة عملها، إذ أصبحت المظاهرات أسبوعية، وبدأت تنزل إلى الأحياء الشعبية وتنخرط أكثر في القضايا الاجتماعية والمعيشية، مضيفاً أن الحركة نظمت مظاهرات ضد الإرهاب عقب تفجيرات مراكش، وأنها سعت إلى التمييز بين الاحتجاج السياسي والعنف.

وأشار إلى أن الكتاب يتحدث أيضاً عن “تجاوزات” وقعت خلال تلك المرحلة، وعن مواقف بعض المؤسسات الرسمية، من بينها المجلس العلمي الأعلى وبعض الخطب الدينية، التي اعتبرت أن من يصوت بـ”نعم” على الدستور “صوت عاصم”، وهو ما اعتبره الساسي جزءاً من المناخ الذي طبع الاستفتاء الدستوري آنذاك.

وقال المتحدث إن اعتماد الدستور عبر الاستفتاء شكل بدوره محطة مثيرة للنقاش، متسائلاً عمّا إذا كانت بعض المقتضيات الواردة فيه قد استُخدمت لاحقاً “لتوقيف” الدينامية الاحتجاجية، مضيفاً أن الاختلافات والتدافعات داخل أي ديمقراطية “ليست مشكلة”، لكنه ميز بين “التدافع الديمقراطي” وبين منع الآخر من التعبير أو التذكر أو الاحتجاج، مؤكداً أن تعدد الروايات حول ما وقع خلال 2011 أمر طبيعي، وأن الكتاب يعرض هذا التعدد من خلال شهادات ومواقف مختلفة.

وفي ختام مداخلته، اعتبر الساسي أن خطاب 9 مارس ورد الملك بالدستور الجديد، إلى جانب صعود حزب العدالة والتنمية إلى الحكومة، كلها عوامل جعلت أطرافاً مختلفة “تخرج تدريجياً من دائرة 20 فبراير”، مضيفاً أن النتيجة النهائية كانت أن “الملكية وحزب العدالة والتنمية وربما المخزن ربحوا أخيراً”، بينما تراجعت الحركة الاحتجاجية تدريجياً، رغم ما تركته من أثر عميق في النقاش السياسي والدستوري بالمغرب.

اقرأ المقال كاملاً على لكم