من قصة معنينو إلى تشريعيات 2026: أزمة الثقة في الدولة والانتخابات

قبل أسابيع قليلة، صادفتُ مقابلة قديمة مع محمد الصديق معنينو، أحد أبرز وجوه الإعلام السمعي البصري في التاريخ المغربي الحديث، وكاتبا عاما سابقاً لوزارة الإعلام في عهد إدريس البصري، وصحافيا مذيعاً اقترب لعقود من دوائر السلطة، كما كان شاهداً على لحظات مفصلية في تاريخ المملكة، من سنوات الحسن الثاني إلى المسيرة الخضراء وما بعدها.

في تلك المقابلة، استحضر معنينو لحظة شخصية شديدة الحساسية. فقد تلقى تشخيصاً طبياً مقلقاً في المغرب، وكان يستعد لبدء العلاج بالمغرب، قبل أن يتدخل الملك محمد السادس شخصياً. يروي معنينو أن الملك، وفي مكالمة هاتفية لم يكن يتوقعها مع طبيب القصر، طلب منه أن ينسى تماماً التشخيص المغربي، معتبراً إياه غير موثوق ولا يجوز الاعتماد عليه. كما أخبره أن ترتيبات سفره إلى فرنسا ستتم فوراً، وأن القصر سيتكفل بجميع المصاريف. يقول معنينو إنه تفاجأ، بل وتردد قليلاً، لأنه كان قد بدأ فعلاً في التحضير للعلاج داخل المغرب، لكنه قرر في النهاية الاستماع إلى الملك. وهناك، في فرنسا، اكتشف أن التشخيص المغربي كان خاطئاً بشكل كبير، وتلقى علاجاً مختلفاً مكّنه من استعادة صحته والعيش سنوات إضافية في وضع جيد، وأنا بدوري أتمنى له موفور الصحة والسلامة.

تكمن أهمية هذه القصة ليس فقط في ما تكشفه من كرم ملكي اعتاد المغاربة سماع مثله، بل في ما تفضحه ـ دون قصد طبعاً من السيد معنينو ـ من أزمة ثقة عميقة داخل قمة هرم السلطة نفسها. فإذا كان حتى رأس الدولة لا يثق بشكل كامل في المؤسسات الاستراتيجية المكلفة بصحة المواطنين، فما المعنى الحقيقي للانتخابات في المغرب؟ وما قيمة التنافس الانتخابي إذا كانت البنيات الأساسية للدولة تظل خارج المساءلة الديمقراطية، بل وخارج ثقة من يحكمون أنفسهم؟

تزداد هذه الأسئلة إلحاحاً ونحن نقترب من دورة تشريعية جديدة، دورة شتنبر 2026. سيُعاد مرة أخرى إنتاج خطاب المشاركة والتعددية والإصلاح والانتقال الديمقراطي. ستملأ الأحزاب الشوارع بالشعارات والوعود. وستعود الوجوه نفسها من تقاعدها السياسي، وكأن البرلمان لم يعد مؤسسة تشريعية بقدر ما أصبح قاعة انتظار رمزية لأعيان يبحثون عن انتصار وهمي قبل مغادرة المشهد. وستستمر شبكات المال والنفوذ والأعيان واللوبيات الاقتصادية والمتهمين بالاتجار في المخدرات في التحكم في الخريطة الانتخابية. وستظل دوائر غير مرئية من السلطة قادرة على تسهيل صعود مرشح هنا وإضعاف آخر هناك. وفي النهاية، سيُطلب من المواطن المغربي أن يؤدي مرة أخرى طقس “الاختيار الديمقراطي”، وهو يدرك، ولو بشكل ضمني، أن القرارات الاستراتيجية الكبرى لا تُصنع فعلياً عبر صناديق الاقتراع.

لقد أصبحت الانتخابات في المغرب، بشكل متزايد، آلية لتدبير التوازنات وإعادة توزيع النفوذ داخل النخب، أكثر من كونها لحظة حقيقية لصناعة الإرادة الشعبية. فالحكومات تتغير، والأحزاب تصعد وتسقط، والوزراء يتبدلون، لكن البنية العميقة لصناعة القرار تظل ثابتة بشكل يكاد يكون مطلقاً. ولهذا يشعر كثير من المغاربة أن الانتخابات لا تغيّر اتجاه الدولة، بل تغيّر فقط الواجهة الإدارية التي سترافق قرارات صيغت مسبقاً في أماكن أخرى. إن أزمة المغرب اليوم ليست أزمة غياب الانتخابات، بل أزمة استنزاف المعنى السياسي للانتخابات نفسها. فعلى امتداد العقود الأخيرة، جُرّبت تقريباً كل التيارات السياسية الكبرى. جُرّب اليساريون، والليبراليون، والإسلاميون، والتكنوقراط، وحتى الأحزاب الإدارية التي صُنعت داخل دواليب السلطة. لكن النتيجة كانت دائماً متشابهة: حكومات محدودة الصلاحيات وغارقة في البلقنة الانتخابية، وأحزاب عاجزة عن تنزيل وعودها، وقرارات استراتيجية تبقى متمركزة داخل دوائر غير منتخبة تحيط بالمؤسسة الملكية وبالنخب الاقتصادية وبالبنية العميقة للدولة. ولهذا لم يعد كثير من المغاربة ينظرون إلى الانتخابات باعتبارها لحظة للتحول السياسي الجماعي، بل باعتبارها مجرد عملية مدروسة لإعادة توزيع الأدوار داخل النظام نفسه.

لقد فقدت الأحزاب السياسية المغربية، إلى حد كبير، دورها التاريخي كفضاءات لإنتاج الأفكار والمشاريع الوطنية والنخب الفكرية. لم تعد تُنتج الحلم الجماعي، ولا المخيال السياسي، ولا الشخصيات الفكرية القادرة على تأطير المجتمع وقيادته أخلاقياً وثقافياً. وتحولت، في كثير من الأحيان، إلى وكالات انتخابية موسمية، غايتها الأساسية هي القرب من السلطة، وتدبير التحالفات، وضمان مواقع داخل الدولة. وبين الاتحاد الاشتراكي الذي حمل يوماً إرث المهدي بنبركة وعبد الرحيم بوعبيد، وبين أحزاب إدارية وُلدت أصلاً داخل منطق التوازنات السلطوية، ضاعت السياسة نفسها كفعل فكري وأخلاقي. ولهذا لم يعد كثير من المغاربة ينظرون إلى الانتخابات باعتبارها لحظة للتحول السياسي الجماعي، بل باعتبارها مجرد عملية مدروسة لإعادة توزيع الأدوار داخل النظام نفسه.

المأساة هنا ليست مؤسساتية فقط، بل نفسية أيضاً. فعدد متزايد من المواطنين لم يعد يعتقد أن السياسة قادرة على تحسين أوضاعهم المعيشية، أو إصلاح التعليم، أو إنقاذ الصحة العمومية، أو بناء عدالة اجتماعية حقيقية، أو خلق دولة تكافؤ الفرص. ونتيجة لذلك، تتسع حالة الإرهاق السياسي، خصوصاً وسط الشباب والطبقات الوسطى والمثقفين. لم تعد المقاطعة مجرد لامبالاة، بل أصبحت لغة سياسية صامتة تعبّر عن اقتناع عميق بأن النتائج محددة سلفاً مهما تغيرت الوجوه والشعارات. والأخطر من ذلك أن جيلاً كاملاً من الشباب المغربي لم يعد يحلم سياسياً أصلاً. فبينما كانت أجيال سابقة تنخرط في الأحزاب والنقابات والمعارك الإيديولوجية، أصبح حلم عدد كبير من الشباب اليوم هو الهجرة، أو العمل عن بعد، أو الهروب الفردي نحو أوروبا والخليج وكندا. وهذا ربما أخطر مؤشر على الأزمة: أن يفقد الشباب علاقتهم الوجدانية بالمشروع الوطني نفسه. فالمجتمعات لا تنهار فقط بالغضب، بل أحياناً بالانسحاب العاطفي الصامت من فكرة الوطن.

ومع ذلك، ورغم هذا الإحباط الجماعي، فقد أنتج المغرب مراراً أجيالاً من المواطنين الذين آمنوا بإمكانية الإصلاح من داخل الدولة نفسها. من حركة 20 فبراير إلى احتجاجات الريف، ومن المعطلين إلى جيل جديد من نشطاء “الجيل زد” المطالبين بالكرامة والعدالة الاجتماعية والفرص الاقتصادية، لم تكن هذه الحركات تدعو إلى إسقاط الدولة أو إدخال البلاد في الفوضى. بل على العكس، كان كثير من هؤلاء شباباً متعلمين، مرتبطين بوطنهم، ويحلمون بمغرب أفضل لأنفسهم وللأجيال القادمة. كانوا يطالبون بمستشفيات تشتغل، ومدارس تربي، ومحاكم تحمي، ومؤسسات تحترم المواطن بدل أن تُهينه. لكن رد فعل الدولة بدا، في أحيان كثيرة، غير متناسب إطلاقاً مع طبيعة هذه المطالب. فقد تم اعتقال عدد من قادة الاحتجاجات والنشطاء ومحاكمتهم وإصدار أحكام ثقيلة في حقهم، بشكل لم يكن ينسجم مع خطاب الدولة الرسمي حول الانفتاح والإصلاح والانتقال الديمقراطي. كان الخطاب الرسمي يتحدث عن الحداثة والمشاركة، بينما كانت التجربة الواقعية لكثير من النشطاء مليئة بالمراقبة والتضييق والسجن. وهنا بالضبط تعمقت الهوة بين الرواية الرسمية والوعي الشعبي.

في المقابل، يستمر المغرب في تقديم نفسه دولياً كنموذج للاستقرار والإصلاح داخل منطقة مضطربة. وإلى حد معين، لا يمكن إنكار أن المملكة نجحت في تجنب الانهيارات الكارثية التي عرفتها دول أخرى بالمنطقة، لكن الاستقرار وحده لا يمكن أن يبقى الأفق النهائي لأي مشروع سياسي. فالاستقرار بدون ديمقراطية عميقة وجوهرية يتحول تدريجياً إلى جمود سياسي، وإلى سيطرة للنخب، وإلى تآكل الثقة في المؤسسات. لقد نجح المغرب، تاريخياً، في بناء صورة دولة قادرة على ضمان الاستمرارية وسط محيط إقليمي متقلب. غير أن هذه الاستمرارية نفسها جعلت الحياة السياسية تتطور أحياناً داخل سقف شديد التحكم، الأمر الذي أعاق النضج الكامل لمؤسسات الوساطة الديمقراطية. فكلما بقيت السلطة الرمزية والاستراتيجية متمركزة بشكل كبير خارج المؤسسات المنتخبة، كلما ظلت الأحزاب والبرلمان والحكومات عاجزة عن اكتساب السيادة السياسية الكافية لبناء ثقة شعبية حقيقية ومستدامة. فما معنى أن يصوّت المواطن كل خمس سنوات إذا كانت أبسط البنيات المرتبطة بالكرامة الإنسانية ـ من صحة وتعليم وعدالة ـ ما تزال عاجزة عن ضمان الحد الأدنى من الثقة؟ وما معنى الحديث عن “الاستثناء المغربي” إذا كان جزء مهم من النخب نفسها لا يضع مصيره الشخصي داخل المؤسسات التي يُطلب من المواطن العادي أن يثق بها؟

والمفارقة المؤلمة هي أن الدولة التي تطلب من المواطنين الثقة في مؤسساتها، غالباً ما تلجأ هي نفسها إلى تجاوز تلك المؤسسات عندما تصبح المسألة شخصية أو مصيرية. فالأثرياء يعالجون في الخارج، والنخب تدرّس أبناءها في الخارج، والسياسيون يستثمرون أموالهم في الخارج، ورؤوس الأموال نفسها تبحث عن الأمان خارج البلاد. وما يبقى داخل الوطن هو سياسة رمزية للمشاركة، منفصلة عن مراكز القرار الحقيقية.

إن الخروج من هذا المأزق لا يمكن أن يتحقق عبر إصلاحات تجميلية أو عبر إعادة تدوير الوجوه السياسية نفسها. فالمغرب بحاجة إلى ثقافة دستورية ديمقراطية حقيقية تفصل فعلياً بين السلط، وتعزز سيادة البرلمان، وتضمن استقلال القضاء، وتمنح الحكومات المنتخبة القدرة الحقيقية على الحكم لا مجرد التسيير الإداري. كما يحتاج إلى دولة واثقة من نفسها، قادرة على تقبل النقد والحركات الاجتماعية والصحافة الاستقصائية والاحتجاج السلمي دون اعتبارها تهديداً وجودياً. ويحتاج أيضاً إلى تحرير الحياة السياسية من هيمنة الأعيان واللوبيات الاقتصادية والهندسة الإدارية للانتخابات. والأهم من كل ذلك، إعادة بناء الثقة العامة في المؤسسات التي يُطلب من المواطن البسيط أن يضع فيها مصيره اليومي. فلا يمكن لأي عملية انتخابية أن تنجح إذا كان المواطنون يُطلب منهم التصويت لمؤسسات لا تمتلك لا السلطة الحقيقية ولا الثقة الحقيقية.

وربما لهذا السبب تظل قصة محمد الصديق معنينو أكثر من مجرد حكاية شخصية عن المرض والعلاج. فهي تكشف، بشكل غير مباشر، عن أزمة ثقة عميقة داخل بنية الدولة نفسها. فحين عاد معنينو إلى المغرب بعد علاجه في فرنسا، تلقى اتصالاً آخر من الملك محمد السادس، الذي قال له بهدوء يحمل كثيراً من الدلالات: «أرأيت يا معنينو؟ لقد كنتُ على حق. قلتُ لك إن الأمور هناك ستكون مختلفة، وإن ما سمعته هنا لم يكن دقيقاً». فردّ معنينو بتأثر: «الله يبارك في عمر سيدي»، قبل أن يطلب منه الملك أن يرتاح وألا يتردد في الاتصال به عند الحاجة. قد تبدو هذه اللحظة إنسانية وعابرة في ظاهرها، لكنها تختصر مأزقاً سياسياً كاملاً: كيف يمكن لدولة أن تطلب من مواطنيها الإيمان بمؤسساتها، بينما تبدو النخب نفسها، حين تصبح الأمور مصيرية، أكثر ميلاً إلى البحث عن الثقة والحلول خارج تلك المؤسسات؟ وربما لهذا تحديداً لم يعد السؤال الحقيقي في المغرب هو من سيفوز في انتخابات 2026، بل ما إذا كان المغاربة ما يزالون يؤمنون أصلاً بأن الانتخابات قادرة على إنتاج مؤسسات تستحق ثقتهم.

ـ  أستاذ التعليم العالي بالولايات المتحدة الأمريكية

اقرأ المقال كاملاً على لكم