من هرمز إلى شرق المتوسّط... لماذا أعادت تركيا فتح ملفّ البحر السوري؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

وسط تحولات متسارعة في مشهد الطاقة الإقليمي، من البحث عن بدائل لمضيق هرمز إلى اضطراب سوق النفط بعد انسحاب الإمارات من "أوبك"، أعادت تركيا إدخال سوريا إلى واحد من أكثر ملفات المنطقة حساسية، شرق المتوسط. فقد أعلن وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار أن أنقرة تأمل إبرام اتفاق مع دمشق عام 2026 للتنقيب البحري عن الغاز، لكنه شدّد على أن توقيع الاتفاق لا يعني بدء الحفر مباشرة، موضحاً أن الخطوة التالية قد تقتصر على مسوحات زلزالية لتقييم فرص النفط والغاز.

وتنبع حساسية هذا الملف من أن التنقيب البحري لا يرتبط بالغاز وحده، بل يفتح أيضاً ملف مناطق الصلاحية وربما ترسيم الحدود، في شرق متوسط مثقل بتنافس تركيا وإسرائيل وقبرص واليونان ومصر. كما أن سوريا وتركيا ليستا منضمتين إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ما يجعل أي تفاهم محتمل بينهما مفتوحاً على تأويلات قانونية وسياسية واسعة. لذلك بدا بيرقدار حذراً في الفصل بين الاتفاق والتنفيذ، مكتفياً بالإشارة إلى مسوحات زلزالية قد تسبق أي خطوة عملية.

وبذلك، يبدو أن أنقرة تسعى إلى تحقيق أكثر من هدف في آن واحد: تثبيت حضورها في خرائط الطاقة الجديدة بعد أزمة هرمز، منع استبعادها من ترتيبات شرق المتوسط، وامتلاك ورقة إضافية في مواجهة التحالفات التي تقودها إسرائيل وقبرص واليونان.

 

من بدائل هرمز إلى البحر السوري

جاء الإعلان عن الطموح التركي في لحظة إقليمية مشحونة، خصوصاً بعد الحرب على إيران وما رافقها من ضغوط على مضيق هرمز والممرات البحرية. وفي هذا المناخ، عادت الجغرافيا السورية إلى الواجهة بوصفها عقدة محتملة في مسارات عبور تمتد من الخليج والعراق نحو تركيا وأوروبا، بالتوازي مع حديث أميركي وتركي وخليجي عن بدائل أكثر أمناً واستقراراً.

غير أن تصريح بيرقدار نقل النقاش من البر إلى البحر، إذ لم تعد سوريا مطروحة كطريق محتمل للطاقة فقط، بل كساحل يدخل في معادلات شرق المتوسط.

وبذلك يتجاوز المقترح حدود اتفاق التعاون الإطاري الذي وُقّع في أيار/مايو الماضي. فالدخول إلى البحر لا يحتاج إلى مظلة اقتصادية عامة فحسب، بل إلى إطار يحدد مناطق العمل والصلاحيات، وهو ما يفسر عودة الحديث، بعبارات طاقوية، إلى فكرة طرحتها أنقرة مبكراً بعد سقوط النظام، حين تحدثت عن إمكان بحث اتفاق لترسيم الحدود البحرية مع سوريا يحدد صلاحيات التنقيب عن النفط والهيدروكربونات.

 

سفينة تركية للتنقيب عن الغاز في شرق المتوسط. (الأناضول)

 

البحر السوري يدخل حسابات القوى الكبرى

تزداد أهمية هذا التحول لأن البحر السوري لم يعد مطروحاً من زاوية تركية فقط. ففي شباط/فبراير الماضي، وقّعت شركة "شيفرون" الأميركية مذكرة تفاهم مع الشركة السورية للنفط وشركة قطرية لتقييم فرص الاستكشاف قبالة الساحل السوري.

هذه الخطوة وضعت البحر السوري في دائرة اهتمام أميركي – قطري أيضاً، وجعلت أي اقتراب تركي من الملف جزءاً من لوحة أوسع من مجرد علاقة دمشق وأنقرة. كما أن دخول شركة أميركية كبرى إلى ملف الاستكشاف في سوريا يربط البحر السوري مباشرة بموازين الطاقة بين إسرائيل ومصر وقبرص واليونان وتركيا.

وتنطلق تركيا من عقيدة "الوطن الأزرق" في بناء نفوذها البحري، وتسعى في الوقت نفسه إلى تثبيت موقعها ممراً رئيسياً للطاقة بين الشرق والغرب. وتحضر هنا تجربة الاتفاق البحري مع ليبيا عام 2019، الذي أثار توترات إقليمية واسعة.

لذلك فإن أي اتفاق بحري مع سوريا سيستدعي، ولو بصورة غير مباشرة، تلك الذاكرة الإقليمية: خرائط متداخلة، اعتراضات يونانية وقبرصية، وحساسية إسرائيلية من أي تمدد تركي جديد في شرق المتوسط.

 

شرق المتوسط بين تركيا وإسرائيل

هنا يبرز التعارض التركي – الإسرائيلي في شرق المتوسط. فإسرائيل تسعى إلى تثبيت موقعها في خرائط الطاقة عبر حقول الغاز ومسارات الربط مع قبرص واليونان وأوروبا، بينما ترى تركيا أن هذه المسارات، من خط "إيست ميد" إلى مشاريع الربط الكهربائي الثلاثي، تتجاهل حقوقها وحقوق القبارصة الأتراك.

لذلك قد يمنح أي تفاهم بحري مع دمشق عنصراً إضافياً لأنقرة في مواجهة المسار الذي تراهن عليه إسرائيل وقبرص واليونان، لا بوصفه خلافاً على الصلاحيات القانونية فقط، بل كجزء من ميزان القوة على طرق الطاقة في شرق المتوسط.

وتقف سوريا عند تقاطع هذه المسارات: أراضٍ قد تمر عبرها خطوط تربط الخليج والعراق بتركيا وأوروبا، وساحل قد يدخل في حسابات الاستكشاف والطاقة البحرية. وما يمنح الموقع السوري قيمته هو نفسه ما يرفع حساسيته، لأنه يضع دمشق أمام خرائط لا ترسمها وحدها ولا تتحكم بكلفة الدخول إليها وحدها.

أما سوريا، فتدخل هذا المسار من بوابة الحاجة. فهي تبحث عن الطاقة والاستثمار وإعادة بناء البنية التحتية، لكنها تجد نفسها، بحكم الموقع، أمام ملفات أكبر من حاجتها المباشرة. فالبر يربطها بحسابات بدائل هرمز، والبحر يضعها على تماس مع صراع شرق المتوسط.

وبينهما، لا تملك دمشق ترف التعامل مع الاتفاقات بوصفها مشاريع اقتصادية منفصلة، لأن كل خطوة في الطاقة قد تتحول إلى تموضع سياسي داخل توازنات إقليمية معقدة.

وعليه، لا تكشف التحركات حيال سوريا عن سباق مبكر على غاز محتمل فحسب، بل عن عودة الموقع السوري إلى قلب الحسابات الإقليمية والدولية. غير أن هذه العودة لا تعني امتلاك المبادرة بالضرورة؛ فكلما ارتفعت قيمة الموقع السوري، ازداد تزاحم القوى الساعية إلى توظيفه، من تركيا والولايات المتحدة وقطر إلى إسرائيل وقبرص واليونان.

لذلك يبدو السؤال الأهم أبعد من موعد الحفر أو نتائج المسوحات الزلزالية: هل تستطيع دمشق تحويل موقعها الاستراتيجي إلى ورقة تفاوضية، أم أن هذا الموقع سيجعلها مرة أخرى ساحة تُرسم فوقها خرائط الآخرين؟

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية