منى هاشم: وصف كتابات النساء بـ”الأدب النسوي” يُحولها إلى جنس أدبي معزول
أكدت الكاتبة والصحافية المغربية منى هاشم، أن مفهوم “الأدب النسائي” ما يزال يثير إشكالات عميقة على مستوى التصنيف والتمثيل والعدالة الرمزية، معتبرة أن هذا التوصيف “يُزعجها” لأنه يحمل في طياته نوعا من “الحصر” و”العزل” لكتابات النساء، كما لو أنها “أدب فرعي” مقابل “أدب كوني شامل”.
وخلال مداخلة لها في ندوة احتضنها المعرض الدولي للنشر والكتاب، الجمعة 8 ماي 2026 بالرباط، شددت هاشم على أن التقدم الحقيقي في مسار المساواة يقتضي الحديث ببساطة عن “الأدب”، ثم مناقشة القضايا الإنسانية والكونية التي يطرحها الكتّاب والكاتبات على حد سواء.
وتُعرف منى هاشم باهتمامها بالذاكرة الثقافية النسائية المغربية، وباشتغالها على تتبع مسارات النساء في التاريخ المغربي، خاصة الشخصيات التي لعبت أدوارا فكرية وثقافية وسياسية جرى تهميشها أو تغييبها من السرديات الرسمية. كما انشغلت في أعمالها البحثية والأدبية بتفكيك الصور النمطية المرتبطة بالمرأة في التاريخ والمجتمع، مع التركيز على قضايا التوثيق والذاكرة والتمثلات الثقافية.
وقالت هاشم، في مستهل مداخلتها، إنها استوقفتها منذ البداية بعض العناصر الواردة في عنوان الندوة وتركيبة محاورها، موضحة أن الحديث عن “استمرارية للأدب النسائي من القرن التاسع إلى اليوم” يبدو، في نظرها، أمرا “بالغ الصعوبة”، حتى مع “كل حسن النية”، لأن الشروط التاريخية والثقافية والمعرفية التي حكمت أوضاع النساء وطرق إنتاج المعرفة عبر القرون لم تكن واحدة أو متصلة بالشكل الذي يسمح بالحديث عن خط متجانس ومتواصل.
وأوضحت المتحدثة أنها لاحظت أيضا إدراج شخصيات نسائية تاريخية “لا تنتمي أساسا إلى الحقل الأدبي”، من قبيل السيدة الحرة وزينب النفزاوية وشخصيات نسائية أخرى لعبت أدوارا سياسية وثقافية بارزة، مضيفة أن هذه النساء “كان لهن تأثير أساسي على المستوى السياسي، وأيضا في مجال نقل المعرفة”، غير أن ذلك لا يجعل منهن بالضرورة “أديبات” بالمعنى الدقيق للكلمة.
وأشارت هاشم إلى أن زينب النفزاوية، على سبيل المثال، يُنسب إليها أنها رسمت مخططات مدينة مراكش، فيما كانت نساء أخريات ينسجن علاقات ومراسلات مع قوى ودول أجنبية، وكانت رسائلهن محفوظة وموجودة إلى اليوم، موضحة أن بعضهن عُرفن بثقافتهن الواسعة وبصفتهن “نساء متعلمات”، بينما ظلت شخصيات مثل السيدة الحرة مرتبطة بأدوارها السياسية والعسكرية وقيادتها البحرية التي استمرت لعقود.
وأضافت المتحدثة أن الإشكال يكمن في أن توسيع مفهوم “الأدب النسائي” ليشمل كل الشخصيات النسائية المؤثرة تاريخيا قد يؤدي، بشكل متناقض، إلى “طمس النساء اللواتي كتبن فعلا وأنتجن نصوصا حقيقية”، سواء وصلت تلك النصوص إلى الحاضر أم ضاعت مع الزمن، معتبرة أن هذا التوسيع قد يتحول إلى شكل آخر من أشكال “اللامرئية” التي عانت منها النساء الكاتبات عبر التاريخ.
وقالت هاشم بوضوح: “هذه التسمية كانت دائما تزعجني”، موضحة أن استعمال عبارة “الأدب النسائي” قد يبدو عمليا من زاوية التصنيف والفهرسة، “لأننا دائما نحتاج إلى تصنيف الأشياء”، غير أنه يبقى، في الوقت نفسه، توصيفا “إشكاليا وملتبسا”، لأنه يضع كتابات النساء داخل إطار مغلق، ويمنح الانطباع بأن هناك “نوعا خاصا من الكتابة النسائية” منفصلا عن الأدب بشكل عام.
وشددت على أن هذا التصنيف يتحول أحيانا إلى “شكل من أشكال الحبس الرمزي”، وكأن النصوص التي تنتجها النساء ليست جزءا من الأدب الإنساني الواسع، بل مجرد “فرع” أو “نوع ثانوي”، مضيفة أنها تتطلع إلى اليوم الذي “نتحدث فيه فقط عن الأدب”، دون الحاجة إلى تقسيمه وفق الجنس، ثم نناقش بعد ذلك القضايا الفكرية والإنسانية المشتركة التي يطرحها الجميع.
وفي سياق حديثها عن علاقة النساء بالمعرفة والتعليم، أكدت هاشم أن مسألة التربية ونقل العلم كانت عنصرا حاسما في فهم حضور النساء داخل المجال الثقافي، مشيرة إلى أنها خلال اشتغالها على البورتريهات النسائية التاريخية فوجئت بأن النساء، حتى داخل البيئات التقليدية، كن يتمتعن أحيانا بإمكانية الوصول إلى المعرفة والتكوين داخل الفضاء العائلي.
وقدمت المتحدثة مثالا من كتابها الأخير، الذي تناولت فيه شخصية عائشة بنت الجيار، وهي امرأة اشتغلت بالطب وتلقت تكوينها داخل أسرتها، معتبرة أن هذا النموذج يكشف أن النساء لم يكن دائما خارج دائرة المعرفة كما يتم تصويرهن في بعض السرديات الحديثة.
كما استحضرت هاشم نماذج نسائية أخرى لعبت أدوارا محورية في التكوين الفكري والعلمي، من بينها امرأة وصفتها بأنها “عالمة كبيرة ومثقفة”، قامت بتكوين حفيدها الذي أصبح لاحقا من كبار العلماء، مؤكدة أن النساء ساهمن بقوة في “نقل المعرفة داخل الأسرة” وفي “الوساطة الثقافية”، حتى وإن لم يُعترف بهذا الدور بشكل كاف داخل الكتابات التاريخية التقليدية.
وأضافت أن مفهوم الأدب نفسه يصبح أكثر اتساعا حين لا يتم اختزاله فقط في “الكتاب المكتوب”، بل حين يُنظر إليه بوصفه شكلا من أشكال التعبير الثقافي والمعرفي المتعدد، معتبرة أن النساء كن حاضرات بقوة في هذا المعنى الواسع للأدب والثقافة، سواء عبر الحكاية أو التربية أو التلقين أو نقل المعارف داخل الأوساط الاجتماعية والعائلية.
وفي معرض حديثها عن أسباب تغييب النساء من الذاكرة الثقافية، قالت هاشم إن هناك “شكلا من أشكال طمس الحضور”، أي جعل أدوار النساء غير مرئية عبر التاريخ، مضيفة أن هذا التغييب يعود إلى “عدة أسباب متداخلة”. وأوضحت، بنبرة نقدية، أنها تميل في البداية إلى تفسير ذلك بوجود “نوع من الحياء الاجتماعي المرتبط بالحديث عن المرأة”، مستشهدة بتعابير دارجة في الأوساط التقليدية لا يُذكر فيها اسم الزوجة مباشرة، بل يُشار إليها بعبارات من قبيل “الدار” أو “أهل البيت”.
واعتبرت أن هذا “التحفظ الثقافي” قد يكون ساهم في غياب بورتريهات موسعة ومفصلة للنساء داخل المصادر التاريخية، مضيفة أن المشكلة الأخطر تتمثل في أن “أعمال هؤلاء النساء نفسها لم يتم الحفاظ عليها”، وهو ما وصفته بأنه “أمر خطير جدا”.
وقدمت المتحدثة مثالا بإحدى شقيقات يوسف بن تاشفين، التي قالت إنها كانت تدير مجالس أدبية وتكتب الشعر، كما ورد اسمها ضمن شاعرات الأندلس، غير أن ما بقي من أشعارها قليل جدا، ولا يكاد يتجاوز بعض المقاطع المتناثرة داخل المصادر القديمة.
وروت هاشم إحدى الحكايات المرتبطة بهذه الشخصية، قائلة إن ما بقي من شعرها يدور حول واقعة كانت فيها تتحدث مع محاسبها، الذي وقع في حبها بسبب جمالها، ففهمت اضطرابه ونظمت أبياتا تقول فيها، بمعنى قريب، إنها “مثل القمر في عليائه، لا يستطيع هو الصعود إليها، ولا تستطيع هي النزول إليه”.
وأكدت المتحدثة أن اختفاء الجزء الأكبر من أعمال هذه النساء يطرح أسئلة عميقة حول طريقة تعامل المجتمعات مع الأرشيف والتراث الثقافي، معتبرة أن “المنطق الأبوي” لعب بلا شك دورا في تهميش الإنتاجات النسائية، لكنه ليس العامل الوحيد، لأن حتى الكثير من العلماء الرجال الذين تركوا أثرا كبيرا في التاريخ الفكري والعلمي “لم يصلنا من أعمالهم إلا القليل”.
وختمت هاشم مداخلتها بالتأكيد على أن ضعف ثقافة الحفظ والتوثيق وصيانة الأرشيف في المجتمعات المغاربية والعربية ساهم بدوره في ضياع جزء كبير من التراث الفكري، بمن فيه تراث النساء، معتبرة أن إعادة قراءة التاريخ الثقافي للنساء تقتضي ليس فقط البحث عن الأسماء المنسية، بل أيضا مراجعة طرق كتابة التاريخ نفسه، والكيفية التي جرى بها تحديد من يستحق أن يُحفظ ومن يُترك للنسيان.