موازنة موحدة في ليبيا بضغط أميركي… هل تُمهّد لمسار سياسي؟
في مؤشر أولي على فاعلية التدخل الأميركي في الملف الليبي، توصّل الفرقاء في بلد يعاني انقساماً حاداً إلى اتفاق على موازنة موحدة للدولة للمرة الأولى منذ أكثر من 13 عاماً، في خطوة رفعت مستوى التفاؤل بإمكانية التمهيد لمسار سياسي يعالج الاستحقاقات المعطّلة منذ عام 2021.
وعلمت "النهار" أن الاتفاق، الذي جرى توقيعه السبت بعد مفاوضات ماراثونية في تونس، يقوم على آلية تقسيم الموارد، ولا سيما ما يُعرف بـ"باب التنمية" في الموازنة، عبر تخصيص حصص للمشاريع في أقاليم ليبيا الثلاثة: الشرق والغرب والجنوب.
اختراق مالي بدفع أميركي
واعتبر محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى أن الاتفاق "ليس مجرد وثيقة مالية، بل يكتب فصلاً جديداً من العمل الجاد والتعاون"، مؤكداً أنه "تجسيد للإرادة الوطنية الجامعة" وإعلان عن قدرة ليبيا على تجاوز خلافاتها. وأضاف: "اتفقنا على إنهاء التشتت والازدواج، والانتقال إلى مرحلة من الوضوح والانضباط المالي".
وفي أول تعليق له، أوضح مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، الذي قاد المفاوضات بين الفرقاء الليبيين، أن الاتفاق جاء بعد "أشهر من الوساطة الأميركية ضمن خارطة طريق أوسع نحو السلام والتوحيد"، مشيراً إلى أن الأطراف من الشرق والغرب تجاوزت خلافاتها وقدّمت تنازلات لصالح البلاد.
وأكد أن الولايات المتحدة ستبقى "في طليعة الجهود الديبلوماسية الرامية إلى تحقيق الوحدة والسلام"، مع الاستمرار في دعم توحيد المؤسسات الاقتصادية والعسكرية والسياسية، وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية ناجحة بتيسير من بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.
توحيد الإنفاق... مدخل لتعافي الاقتصاد
بدوره، يرى عضو لجنة السياسة النقدية في مصرف ليبيا المركزي الدكتور أيوب الفارسي، في تصريح لـ"النهار"، أن الاتفاق على موازنة موحدة "بداية لتعافي الاقتصاد"، مشيراً إلى أن معظم مشاكل الاقتصاد الليبي كانت ناتجة عن غياب ضبط النفقات.
ويوضح أن الاتفاق "يشكّل إطاراً ضابطاً للسياسة المالية، ويعزّز قدرة المصرف المركزي على تصميم سياسات نقدية إصلاحية تنعكس في استقرار الدينار، وبناء الاحتياطيات، وخفض معدلات التضخم، ورفع مستوى المعيشة".
ويلفت الفارسي إلى أن "الاتفاق على الإنفاق الموحد، والذي يشكّل فيه بند التنمية نحو 40 مليار دينار، تم بوساطة أميركية وبتجاوب من مختلف الأطراف"، مؤكداً أن موافقة القوى الفاعلة، إلى جانب متابعة واشنطن، تمنح الاتفاق طابعاً جدياً وتزيد فرص تنفيذه.

بين الاتفاق المالي والمسار السياسي
من جهته، يعرب السياسي الليبي المقيم في لندن الدكتور رمضان هلاله عن اعتقاده أن "الضغط الأميركي، ووجود ممثلين عن وزارة الخزانة في الاجتماعات، كان له الدور الأساسي في التوصل إلى هذا الاتفاق المهم".
ويلفت، في تصريح لـ"النهار"، إلى أن تعليق بولس "يؤشر إلى انسجام مع المسار السياسي الذي تقوده الموفدة الأممية هانا تيتية".
في المقابل، لا يرى الخبير الاقتصادي الليبي عبد الرحيم شيباني، عضو لجنة "الحوار المهيكل" التي شكّلتها تيتية لوضع خارطة طريق سياسية تنتهي بانتخابات رئاسية وتشريعية، وجود ارتباط مباشر بين اتفاق الموازنة والمسار السياسي الأممي. لكنه يلفت، في تصريح لـ"النهار"، إلى إمكانية توظيفه في مبادرات موازية، من بينها طرح يقوده مسعد بولس لتقاسم السلطة، لم يحظَ حتى الآن بقبول كاف.
من جانبه، يصف الخبير في الشؤون المالية والمصرفية سامح الكانوني التوافق بأنه "انتصار مهم حتى وإن جاء بدفع أميركي"، معتبراً أن الهدف من هذا الضغط هو "فرض استقرار سياسي واقتصادي ينعكس زيادة في إنتاج النفط والغاز".
ويوضح الكانوني لـ"النهار" أن الاقتصاد الليبي عانى خلال السنوات الماضية من إنفاق خارج إطار القانون، ما أدى إلى انهيار العملة المحلية وشح السيولة وارتفاع معدلات التضخم، مشيراً إلى أن توحيد الإنفاق "يعالج هذه الاختلالات". أما سياسياً، فيعتبر أن توحيد الإدارات "يقرّب البلاد من تشكيل حكومة موحدة"، لافتاً إلى مؤشرات عدة توحي بإمكانية الدفع نحو توافق سياسي بضغط أميركي.