موت أميركا "الغريب"... خمسة أسباب؟!

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

يعرف التاريخ صعود الامبراطوريات وهبوطها، كتعاقب الليل والنهار؛ لم يَر الفيلسوف الألماني أوزوالد شبينغلر في الامبراطوريات خطوطاً مستقيمة تصعد بلا نهاية، بل كائنات حية؛ تولد، تزدهر، ثم تدخل خريفها قبل أن يطويها الشتاء. وعندما نتأمل مشهد القوة العالمية، اليوم، نرى الامبراطورية الأميركية المهيمنة، تهبّ عليها رياح "خريفها"، لكن هذا التراجع ليس سقوطاً مفاجئاً، إنما "أفول هادئ"؛ تصنعه شروخ داخلية وتحولات جيوسياسية خارجية.

 ذهب هيرفريد مونكلر، أستاذ العلوم السياسية بجامعة هومبولدت الألمانية في كتابه "الإمبراطوريات"، إلى أن أفول الإمبراطوريات نادراً ما كان بسبب قوة الأعداء وحدهم، بل بسبب عطب بنيوي في قلب الإمبراطورية؛ ملامح الوهن تزحف على وجه أقوى امبراطورية في التاريخ، ويمكن استجلاء أبرز أسباب هذا الأفول من بين أسباب أخرى بالطبع.

الدولار يتخلى عن عرشه

تصاب الامبراطوريات بالإنهاك عندما تتجاوز التزاماتها المالية قدراتها الفعلية؛ أنفقت أميركا تريليونات الدولارات في حروب بلا نهاية، نزيف مستمر لمواردها؛ تآكل "سلاح الدولار"، عصب الامبراطورية ليس حاملات الطائرات وحدها، بل "الدولار" كعملة احتياط عالمية، هذا الامتياز سمح لواشنطن بطباعة النقود وتمويل ديونها الهائلة على حساب العالم. اليوم يتجاوز الدين الأميركي حاجز 39 تريليون دولار، رقم يتعدى حجم الاقتصاد الأميركي بأكمله، ويدفع القوى الصاعدة الى تسريع "التخلي عن الدولار"، ما يجرّد أميركا من أعظم عناصر قوتها.

تآكل الردع

مثلما وقعت أميركا في فخ الديون، سقطت في "التمدد العسكري المفرط"، حول العالم من دون انتصارات حاسمة، بناء على فكرة أنّه "يمكن لأميركا حلّ معظم المشكلات العالمية وتحقيق أي هدف تضعه لنفسها"؛ تتكثف مؤشرات على أن هيمنتها لم تعد القوة المطلقة التي صاغت "عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية"، تآكل الردع الأميركي؛ مع الرغبة في السيطرة على ثروات أمم أخرى وأراضيها وقرارها؛ خاضت القوة الأميركية "حروباً فاشلة"؛ على شاكلة الانسحاب الفوضوي من أفغانستان، وعجزت عن فرض إرادتها في أزمات الشرق الأوسط وأوكرانيا؛ وتلاشت هيبتها؛ ما يشجع على تحديها.

 

الرئيس الأميركي دونالد ترامب (يسار) ورئيس الصين شي جينبينغ عند وصولهما إلى قاعدة جيمهاي الجوية، بجوار مطار جيمهاي الدولي في بوسان، كوريا الجنوبية، 30 أكتوبر 2025. (أ ف ب)

 

الهوية الممزقة

تعيش الولايات المتحدة حالة من "الحرب الأهلية الباردة": تفكك "العقد الاجتماعي"، استقطاب سياسي، انقسامات في الرأي العام حول مصالح البلاد؛ صراع على تعريف "ماهية أميركا"؛ يرى كل طرف في الآخر تهديداً وجودياً، إستقطاب يشلّ قدرة مؤسسات الدولة على اتخاذ قرارات استراتيجية، وتراجعت ثقة المواطن الأميركي بالصحافة، والقضاء، والكونغرس... وتبدو النخبة الحاكمة في واشنطن ووادي السيليكون و"وول ستريت"، وجماعات الضغط، عاجزة عن تقديم حلول لأزمات المواطن، كالتضخم، الرعاية الصحية، الاستقطاب؛ لا تواجه أميركا نقصاً بالموارد أو التكنولوجيا، إنما "أزمة معنى وأزمة إدارة".

ذبول "النموذج"

أميركا فكرة قبل أن تكون ترسانة عسكرية؛ فكرة الحرية، الديموقراطية، وحقوق الإنسان. اليوم، يعاني هذا النموذج من "أزمة جاذبية"؛ فالانقسامات المجتمعية، وازدواجية المعايير في الأزمات الدولية، جعلت "القوة الناعمة الأميركية" تفقد بريقها عالمياً، ما يؤثر في المصالح الأميركية ذاتها؛ صحيح أن أميركا لاتزال القوة العظمى في مجالات عدة، كالابتكار التكنولوجي والذكاء الاصطناعي، لكن هذا التفوق يخلق فجوات طبقية، ولا يعمل أداةً لرفاهية المجتمع ككل؛ وهذا وقود لاضطرابات داخلية بمثابة "تفاعلات كيميائية صامتة" تحت السطح، تسرّع من عملية الأفول.

صعود المنافسين

في عالم لم يعد يقبل الهيمنة الأحادية، أو التحدث بلغة واحدة، هناك عامل خارجي يضغط على نفوذ أميركا، هو تزايد قدرة المنافسين، بالذات الصين، وغيرها من القوى الصاعدة الباحثة عن "عالم متعدد القطب"، هذه القوى تعمل بدأبٍ لردم الفجوة التكنولوجية والاقتصادية والعسكرية مع أميركا، في الوقت نفسه باتت شبكة حلفاء واشنطن عبئاً إقتصادياً واستراتيجياً، بل ربما تُحتضر؛ أساءت واشنطن تقدير أوزان المنافسين؛ اعتبرت أن النظام العالمي الأحادي القطب سيبقى إلى الأبد، وفقا لعقدة "نهاية التاريخ".

من منظور فيلسوف التاريخ أرنولد توينبي، تخلت أميركا عن دور "المُلهم" وتقمصت دور "المسيطر"، وهو مؤشر حتمي على أن الحضارة دخلت مرحلة أفول، لا "الموت المفاجئ"؛ ستظل قوة عظمى، بيد أن التفرد بالقرار الكوني يؤذن بزوال. 

يبقى أن "الشيء الوحيد الذي يعلمنا التاريخ إياه هو أنه لا يمكنك أن تكون إطلاقاً موقناً أي شيء ومتأكداً منه"!

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية