موجات الحر في أوروبا ترفع الطلب على التبريد

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

قبل سنوات قليلة، كان النقاش الأوروبي في شأن الطاقة يدور في معظمه حول سؤال واحد: هل يكفي الغاز لعبور الشتاء؟ جاءت الحرب في أوكرانيا وأزمة الإمدادات لتجعل التدفئة عنواناً رئيسياً للسياسات الأوروبية، فيما انشغلت الحكومات بملء خزانات الغاز وتأمين الوقود للمنازل والمصانع. لكن المشهد بدأ يتغير بسرعة. في كل صيف جديد، ترتفع درجات الحرارة إلى مستويات غير مألوفة، ومعها يبرز سؤال مختلف تماماً: هل تستطيع شبكات الكهرباء مواكبة الطلب المتزايد على التبريد؟

قد يبدو هذا السؤال بعيداً عن المخاوف التي سيطرت على أوروبا قبل سنوات، لكنه في الواقع يعكس تحولاً أعمق. لا يفرض تغير المناخ على القارة مواجهة فصول أكثر حرارة فحسب، بل يعيد أيضاً تعريف مفهوم أمن الطاقة نفسه. بعدما كان التركيز ينصب على توفير الوقود خلال الشتاء، باتت الكهرباء تحتل مركز الاهتمام في أشهر الصيف، مع اتساع الاعتماد على أجهزة التكييف وازدياد الضغط على الشبكات الكهربائية.

تشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن الطلب على الكهرباء في الاتحاد الأوروبي عاد إلى التزايد خلال عام 2025 بعد فترة من التراجع، وتتوقع أن ينمو بنحو اثنين في المئة سنوياً حتى عام 2030، مدفوعاً بالتوسع في استخدام الكهرباء في النقل والصناعة والمباني، إلى جانب الزيادة المستمرة في الطلب على التبريد. هذه التوقعات لا تعني أن أوروبا تتجه إلى أزمة كهرباء، لكنها تعكس واقعاً جديداً أصبحت فيه موجات الحر عاملاً دائماً في رسم سياسات الطاقة، بعدما كانت تُعامَل سابقاً كظاهرة موسمية عابرة.

لوقت طويل، لم يكن التكييف جزءاً أساسياً من الحياة اليومية في معظم البلدان الأوروبية، بخلاف ما هي عليه الحال في الولايات المتحدة أو بلدان الخليج العربي. كان المناخ المعتدل نسبياً يجعل كثيراً من المنازل تُبنَى من دون أنظمة تبريد، في حين بقيت أجهزة التكييف محدودة الانتشار، خصوصاً في شمال القارة وغربها. لكن السنوات الأخيرة غيّرت هذه الصورة تدريجاً.

 

تركيب أجهزة تبريد في أحد المدن في فرنسا بعد موجة الحر (أ ف ب)

 

 

تدفع كل موجة حر جديدة مزيداً من الأسر إلى التفكير في شراء جهاز تكييف، ليس بحثاً عن مزيد من الراحة، بل هرباً من درجات حرارة أصبحت أصعب على الاحتمال، وخصوصاً بالنسبة إلى كبار السن والأطفال والمرضى. وتعكس الأرقام هذا التحول بوضوح. لقد قفزت مبيعات أجهزة التكييف في ألمانيا خلال أيار (مايو) 2026 بنسبة 37 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، في وقت سجلت فيه الشركات الآسيوية المصنعة زيادة كبيرة في شحناتها إلى أسواق مثل فرنسا وإسبانيا، حيث ينمو الطلب على وسائل التبريد بوتيرة لم تكن متوقعة قبل سنوات قليلة.

ولا يقتصر الأمر على المنازل. المستشفيات، والمدارس، ودور الرعاية، ووسائل النقل، والمكاتب، أصبحت تعتمد أكثر فأكثر على أنظمة التبريد للحفاظ على ظروف صحية وآمنة خلال فترات الحر الشديد، ما يضيف بدوره أحمالاً جديدة إلى شبكات الكهرباء.

قد يوحي ازدياد استهلاك الكهرباء أن المشكلة تكمن في كمية الطاقة المطلوبة، لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. لا تواجه شبكات الكهرباء صعوبة في تلبية متوسط الطلب السنوي، بل في التعامل مع اللحظات التي يقفز فيها الاستهلاك خلال ساعات محددة، عندما تُشغَّل ملايين أجهزة التكييف في الوقت نفسه. هذا هو ما يسميه خبراء الطاقة ذروة الطلب، وهي الفترة التي تتعرض خلالها الشبكات إلى أكبر اختبار.

تُظهِر بيانات وكالة الطاقة الدولية كيف يمكن موجة حر واحدة أن تغيّر صورة الاستهلاك خلال ساعات قليلة. في فرنسا، التي لا يزال انتشار أجهزة التكييف فيها أقل من كثير من البلدان الأخرى، تضخّم الطلب على الكهرباء خلال ساعات المساء أثناء موجات الحر في أوائل صيف 2025 بنحو 25 في المئة مقارنة بالمستويات المعتادة خارج الموسم. قد تبدو هذه الزيادة محدودة للوهلة الأولى، لكنها تعني لمشغلي الشبكات ضرورة توفير قدرة إضافية للإنتاج والنقل تكفي لتغطية ذروة قصيرة زمنياً، لكنها شديدة التأثير في استقرار النظام الكهربائي.

المفارقة أن موجات الحر لا ترفع الطلب على الكهرباء فحسب، بل تجعل إنتاجها ونقلها أكثر صعوبة أيضاً. تعتمد المحطات الحرارية والنووية على المياه لتبريد معداتها. وعندما ترتفع حرارة الأنهار أو تنخفض مستوياتها خلال فترات الجفاف، قد تضطر بعض المحطات إلى خفض إنتاجها أو تشغيلها بكفاءة أقل، حفاظاً على سلامة المنشآت والأنظمة البيئية المحيطة. وفي الوقت نفسه، تؤثر الحرارة العالية في أداء بعض مكونات الشبكات الكهربائية، مثل المحولات وخطوط النقل، التي تصبح أكثر عرضة إلى الإجهاد كلما ارتفعت درجات الحرارة وازدادت الأحمال.

وبذلك، تجد منظومة الكهرباء نفسها أمام معادلة معقدة: استهلاك ينمو بسرعة، وقدرة بعض مرافق الإنتاج والنقل على العمل بكفاءتها المعتادة تصبح أكثر صعوبة، ما يفرض على مشغلي الشبكات إدارة النظام الكهربائي بدقة أكبر خلال فترات الحر الشديد.

في خضم هذه التحولات، تبدو الطاقة المتجددة أحد أهم عناصر القوة التي تمتلكها أوروبا. في الأيام المشمسة، التي يقفز فيها الطلب على التبريد إلى أعلى مستوياته، تعمل محطات الطاقة الشمسية بكفاءة عالية، ما يوفر كميات إضافية من الكهرباء في حين تحتاج إليها الشبكات أكثر من أي حين آخر. ولهذا، ساهم التوسع الكبير في مشاريع الطاقة الشمسية خلال السنوات الأخيرة في تخفيف جزء من الضغط الذي تفرضه موجات الحر على أنظمة الكهرباء في عدد من البلدان الأوروبية.

غير أن هذه المعادلة ليست كاملة. لا ينخفض الطلب على الكهرباء مع غروب الشمس، بل يبقى مرتفعاً طوال ساعات المساء، في وقت يتراجع فيه إنتاج الطاقة الشمسية في صورة حادة. وقد تترافق موجات الحر أحياناً مع فترات من ضعف الرياح، ما يحد من إنتاج مزارع الرياح في بعض المناطق.

ومن هنا، لم يعد النقاش الأوروبي يدور حول إنتاج مزيد من الكهرباء فحسب، بل حول كيفية تخزينها، ونقلها، واستخدامها في الوقت المناسب. كلما كبُرت حصة الطاقة المتجددة، ازدادت الحاجة إلى شبكات أكثر ذكاءً، وأنظمة تخزين أكثر تطوراً، وآليات لإدارة الطلب تسمح بتخفيف الأحمال خلال ساعات الذروة من دون التأثير في استقرار الإمدادات.

لكن حين تنقطع الكهرباء، يتجه النظر عادة إلى محطات الإنتاج، غير أن الخبراء يشيرون إلى أن مستقبل منظومة الطاقة الأوروبية يعتمد بالقدر نفسه على الشبكات التي تنقل الكهرباء من محطات التوليد إلى المنازل والمصانع. وهنا يكمن أحد أكبر التحديات.

صُمِّم جزء كبير من شبكات الكهرباء الأوروبية في زمن كان فيه الاستهلاك أكثر استقراراً، ولم تكن الأحمال الصيفية تشكل هاجساً رئيسياً. أما اليوم، فقد باتت هذه الشبكات مطالبة بالتعامل مع طلب يتغير بسرعة خلال ساعات اليوم، ومع كميات متزايدة من الكهرباء المولّدة من مصادر متجددة موزعة على مساحات واسعة.

 

  لا تقتصر آثار موجات الحر على الجانب التقني أو الاقتصادي فحسب بل تمتد أيضاً إلى البعد الاجتماعي (أ ف ب)

 

 

ولهذا، تقدّر المفوضية الأوروبية أن القارة تحتاج إلى استثمارات تبلغ نحو 584 مليار يورو في شبكات الكهرباء خلال العقد الحالي، بهدف توسيعها، وتحديثها، ورقمنتها، بما يواكب أهداف التحول الطاقوي وخطة "إعادة تزويد أوروبا بالطاقة" (REPowerEU). ولا يقتصر الأمر على شبكات النقل الكبرى. بحسب اتحاد صناعة الكهرباء الأوروبي (Eurelectric)، تحتاج أوروبا إلى مضاعفة استثماراتها السنوية في شبكات التوزيع تقريباً، لترتفع من نحو 33 مليار يورو (أي نحو 35.6 مليار دولار)  إلى 67 مليار يورو (أي نحو 73 مليار دولار)  سنوياً بين عامي 2025 و2050، إذا أرادت مواكبة الطلب المتزايد على الكهرباء، وربط مزيد من مصادر الطاقة النظيفة، وتعزيز قدرة الشبكات على مواجهة الضغوط المناخية.


لكن الاستثمار في الشبكات ليس الحل الوحيد. أصبح تحسين كفاءة المباني جزءاً أساسياً من استراتيجية التكيف. العزل الحراري الأفضل، والتهوئة الطبيعية، والأسطح والواجهات العاكسة للحرارة، وزيادة المساحات الخضراء داخل المدن، كلها إجراءات تقلل الحاجة إلى تشغيل أجهزة التكييف، وتخفف الضغط على الشبكات خلال أكثر ساعات الصيف حرارة.

ولا تقتصر آثار موجات الحر على الجانب التقني أو الاقتصادي فحسب، بل تمتد أيضاً إلى البعد الاجتماعي. مع كل صيف أكثر حرارة، يتحول التبريد تدريجاً من وسيلة للراحة إلى عنصر يرتبط بالصحة العامة وجودة الحياة، وخصوصاً بالنسبة إلى كبار السن والأطفال والمرضى. لكن القدرة على مواجهة الحر ليست متساوية بين جميع الأوروبيين.

وفق مسح أوروبي أُجري عام 2023، أفادت نحو 26 في المئة من الأسر بأن مساكنها لم تكن باردة بما يكفي خلال صيف 2022، فيما ترتفع هذه النسبة إلى نحو 35 في المئة بين الأسر ذات الدخل المخفوض. ومن هنا بدأ يتردد في الأدبيات الأوروبية مصطلح "فقر الطاقة الصيفي"، الذي يشير إلى عجز بعض الأسر عن حماية نفسها من الحرارة بسبب ارتفاع تكلفة الكهرباء أو ضعف تجهيزات المساكن. ويعكس هذا المفهوم تحولاً مهماً في النقاش الأوروبي، إذ لم يعد أمن الطاقة يعني فقط إنتاج الكهرباء ونقلها، بل أصبح يرتبط أيضاً بقدرة المواطنين على الاستفادة منها عندما تصبح الحاجة إليها مسألة صحة وسلامة، لا مجرد راحة.

 

وعلى رغم الضغوط التي تفرضها موجات الحر، لا تشير التقديرات الحالية إلى أن أوروبا تقف على أعتاب أزمة كهرباء شاملة. خلص تقييم الشبكة الأوروبية لمشغلي أنظمة نقل الكهرباء (ENTSO-E) لصيف 2026 إلى أن وضع الإمدادات الكهربائية في معظم البلدان الأوروبية يبقى مطمئناً، مع تسجيل مخاطر هيكلية في مولدوفا، ومخاطر محدودة في عدد من الأنظمة الصغيرة أو المعزولة، مثل أيرلندا ومالطا وقبرص.

لكن أهمية هذه التقديرات لا تكمن فقط في طمأنة الأسواق، بل في الرسالة التي تحملها للمستقبل. ليس التحدي الحقيقي ما إذا كانت الشبكات ستنجح في عبور صيف هذا العام، وإنما ما إذا كانت ستكون قادرة على مواكبة صيف أكثر حرارة بعد خمس أو 10 سنوات. ولهذا، تجد أوروبا نفسها اليوم أمام مرحلة جديدة من التحول الطاقوي. بعدما ركزت خلال السنوات الماضية على تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، أصبحت مطالبة أيضاً ببناء شبكات أكثر مرونة، ومدن أكثر قدرة على التكيف، ومبانٍ أقل استهلاكاً للطاقة، وسياسات تضمن ألا يتحول التبريد إلى امتياز يقتصر على من يستطيع تحمل تكلفته.

 

وبهذا المعنى، فإن موجات الحر لا تغيّر درجات الحرارة وحدها، بل تغيّر الطريقة التي تنظر بها أوروبا إلى الطاقة نفسها. بعدما كان الشتاء هو الفصل الذي يختبر متانة أنظمة الطاقة، بات الصيف بدوره اختباراً لا يقل صعوبة، يفرض على القارة أن تعيد تصميم شبكاتها وبنيتها التحتية لتواكب مناخاً يتغير بسرعة أكبر مما كانت تتوقعه قبل سنوات قليلة.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية