موعد جديد مع التاريخ

ثمة لحظات نادرة في تاريخ الأمم يتغير فيها معنى الطموح، فتغادر الأحلام دائرة التمني إلى فضاء الاستحقاق، ويتحول ما كان يعد إنجازا استثنائيا إلى حد أدنى من التطلعات، وتلك هي اللحظة التي تقف عندها كرة القدم المغربية اليوم، بعدما نجحت في تغيير نظرة العالم إليها، والأهم أنها غيرت نظرة المغاربة إلى أنفسهم، فلم يعد الحلم بالمنافسة بين الكبار ترفا عاطفيا، بل أصبح واجبا تفرضه المكانة التي بلغها “أسود الأطلس”.

حين يدخل المنتخب المغربي مساء الغد إلى أرضية ملعب “نيويورك – نيوجيرسي” لمواجهة البرازيل في افتتاح مشواره بكأس العالم 2026، فإنه لا يخوض مباراة عادية في دور المجموعات، ولا يفتتح مشاركة جديدة في سجل الحضور المونديالي، وإنما يضع قدميه على عتبة مرحلة جديدة من تاريخه الرياضي، مرحلة لم تعد فيها المشاركة هدفا، ولم يعد فيها العبور إلى الدور الثاني إنجازا كافيا للاحتفال، لأن ما تحقق في قطر قبل أربعة أعوام غيّر قواعد اللعبة إلى الأبد.

في الدوحة، لم يصل المغرب إلى نصف النهائي فقط، بل بلغ منطقة كانت تبدو لسنوات طويلة محرمة على منتخبات خارج الدائرة التقليدية للقوى الكروية، وحين غادر أسود الأطلس تلك البطولة لم يحملوا معهم النتائج وحدها، وإنما حملوا صورة جديدة للكرة المغربية، صورة منتخب قادر على هزم بلجيكا وإقصاء إسبانيا والتفوق على البرتغال والوقوف ندا لند أمام أكبر مدارس اللعبة، ومنذ تلك اللحظة لم يعد ممكنا العودة إلى لغة التبرير القديمة، ولا إلى ثقافة الاكتفاء بالمشاركة.

ذلك الإنجاز لم يكن ضربة حظ، ولم يكن وليد شهر استثنائي من المنافسة، وإنما كان ثمرة سنوات من التخطيط والعمل والاستثمار في الإنسان، فقد أدرك المغرب مبكرا أن كرة القدم الحديثة لا تبنى بالشعارات ولا بالصدف، وإنما بالمشاريع طويلة النفس، فاستثمر في التكوين، وطور البنية التحتية، ووسع دائرة اكتشاف المواهب، وربط المنتخب الأول بمنظومة كاملة من الفئات السنية، حتى أصبحت النجاحات تتوالد من داخل المشروع نفسه لا من خارجه.

ولهذا السبب بالتحديد، تبدو كأس العالم الحالية مختلفة عن كل ما سبقها، لأن المنتخب المغربي لا يدخلها وهو يحمل عبء إثبات الذات، بل يدخلها وهو يحمل عبء تأكيد الذات، والفارق بين الأمرين كبير، فإثبات الذات مهمة الباحثين عن الاعتراف، أما تأكيد الذات فهو مهمة الكبار الذين أصبحوا مطالبين بالدفاع عن مكانتهم في كل اختبار جديد.

في هذا السياق يأتي محمد وهبي إلى الواجهة، الرجل الذي صنع اسمه بعيدا عن الأضواء، والذي قاد منتخب الشباب إلى إنجاز عالمي غير مسبوق، ثم وجد نفسه فجأة في قلب أكبر تحد رياضي يمكن أن يواجهه مدرب مغربي، فالإرث الذي خلفه وليد الركراكي ليس مجرد نتائج وأرقام، بل حالة من الثقة الجماعية تشكلت داخل المنتخب وخارجه، وجماهير اعتادت أن ترى منتخبها بين الكبار، ولا تقبل العودة إلى الخلف.

ومع ذلك، فإن ما يبعث على الاطمئنان أن هذا المنتخب لا يعيش على أمجاد الماضي، فداخل المجموعة الحالية مزيج نادر من الخبرة والطموح، هناك لاعبون عاشوا ملحمة قطر بكل تفاصيلها ويحملون ذاكرة المنافسات الكبرى، وهناك وجوه جديدة جاءت وهي تؤمن بأن ما تحقق لم يكن سقفا نهائيا للطموح، وإنما بداية طريق أطول، وهذه العقلية تحديدا هي ما يميز المنتخبات التي تملك القدرة على الاستمرار.

لقد تغير شيء عميق في الوعي الكروي المغربي، شيء يتجاوز النتائج والألقاب، فقبل سنوات كان الحديث عن المنافسة على كأس العالم يبدو أقرب إلى الأمنيات العاطفية، أما اليوم فإن الفكرة نفسها تناقش بهدوء وثقة، ليس لأن المهمة سهلة، بل لأن المغرب فرض لنفسه مكانة تجعل الحلم مشروعا، وتجعل الطموح الكبير امتدادا طبيعيا لما تحقق على أرض الواقع.

لهذا تكتسب مواجهة البرازيل كل هذه الرمزية، فالأمر لا يتعلق فقط بملاقاة المنتخب الأكثر تتويجا في تاريخ اللعبة، ولا بمواجهة أسماء صنعت أمجاد كرة القدم العالمية، بل يتعلق أيضا بقياس المسافة التي قطعها المغرب في رحلته نحو النضج الكروي، فقبل عقود كانت مثل هذه المواجهات تدار بعقلية الدفاع عن الكرامة الرياضية، أما اليوم فإنها تدار بعقلية البحث عن الفوز.

البرازيل تدخل البطولة وهي تحمل تاريخها وثقل ألقابها وطموح استعادة الكأس الغائبة منذ عام 2002، لكنها تواجه منتخبا مغربيا يدرك جيدا قيمة اللحظة، ويعرف أن الاحترام لا يعني الخضوع، وأن التاريخ لا يسجل الأهداف، وأن كرة القدم الحديثة لا تعترف إلا بما يقدمه اللاعبون فوق أرضية الملعب.

ثم إن للقدر أحيانا طريقته الخاصة في صناعة الرموز، فالمباراة الافتتاحية للمغرب ستقام على الملعب نفسه الذي سيحتضن النهائي بعد أسابيع قليلة، وقد يبدو الأمر تفصيلا عاديا في جدول المنافسة، لكنه يحمل دلالة عميقة، فمن يبدأ رحلته من أرض النهائي يحق له أن يتطلع إلى العودة إليها، لا كحلم بعيد، وإنما كغاية تستحق السعي والمغامرة.

صحيح أن الطريق طويل، وأن البطولة مليئة بالمنعطفات القاسية، وأن التفاصيل الصغيرة قد تصنع الفارق بين المجد وخيبة الأمل، لكن التاريخ لا يكتبه المترددون، وإنما أولئك الذين يملكون الجرأة على ملاحقة المستحيل، وهذا بالتحديد ما يميز المغرب اليوم.

غدا، عندما يقف اللاعبون المغاربة لأداء النشيد الوطني، لن يكونوا وحدهم في تلك اللحظة، ستكون معهم ذاكرة أجيال حلمت طويلا بمكان بين كبار العالم، وستكون معهم سنوات من العمل والتضحيات والرهانات التي وضعت على مشروع آمن بنفسه قبل أن يؤمن به الآخرون، وسيكون أمامهم موعد جديد مع التاريخ.

وعندما يصبح الحلم واجبا، وعندما يتحول الطموح إلى مسؤولية، وعندما يدخل منتخب إلى كأس العالم وهو مقتنع بأنه قادر على منافسة الجميع، فإن التحول يكون قد اكتمل بالفعل، أما النتائج فهي مجرد فصل جديد في حكاية بدأت منذ سنوات، وما زالت تكتب سطورها الكبرى حتى الآن.

The post موعد جديد مع التاريخ appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress