مونديال 2026... بطولة غيّرت كرة القدم إلى الأبد
أعلن المونديال الأكبر في التاريخ ولادة عصر مختلف، تتقاسم فيه اللعبة السلطة مع السياسة والمال والترفيه، إذ لم تنته كأس العالم 2026 مع صفارة الحكم في نيوجيرسي، إنما انتهى معها فصل كامل من تاريخ اللعبة، حيث تكرس التحول الذي شهدته البطولة نفسها، معيداً تعريف كأس العالم.
امتلأت الملاعب، وحققت البطولة أرقاماً قياسية في الحضور الجماهيري والمشاهدة والإيرادات، ما يشي بأن النجاح التجاري أظهر لعبة كرة القدم كجزء من عرض أكبر منها، وربما منصة أكبر من اللعبة الشعبية الأولى في العالم التي كانت تعرف سابقاً بأنها "لعبة الفقراء".
في النسخ السابقة، كانت السياسة تحضر أحياناً إلى المدرجات. أما في مونديال 2026، فقد جلست في الصف الأول. حضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب النهائي، وتسليمه الكأس إلى قائد المنتخب الإسباني، لم يكن مجرد بروتوكول، بل كان رسالة تُظهر حجم النفوذ الذي بات يحيط بالبطولة. وبينما كان جياني إنفانتينو يقف إلى جانب ترامب، بدا المشهد أقرب إلى احتفال بنجاح مشروع سياسي وتجاري عالمي، لا مجرد تتويج لبطل العالم.

منذ اليوم الأول، رافقت البطولة نقاشات حول العلاقة المتزايدة بين الـ فيفا والسلطة السياسية، وحول الحدود التي تفصل بين الرياضة والنفوذ والديبلوماسية والمصالح الاقتصادية، بل تحوّلت البطولة الرياضية الأهمّ إلى منصة عالمية تتقاطع فوقها الحسابات السياسية كما تتقاطع الخطط التكتيكية داخل الملعب.
بعد ذلك، جاءت خطوة أخرى ستبقى موضوع نقاش لسنوات: أول عرض فنيّ ضخم بين شوطي النهائي، مستوحى من نموذج "السوبر بول". بالنسبة إلى البعض كان دليلاً على تطور البطولة وجاذبيتها العالمية؛ وبالنسبة إلى آخرين كان إعلاناً واضحاً بأن الـ "فيفا" لم تعد تكتفي ببيع كرة القدم، بل باتت تبيع تجربة ترفيهية متكاملة.
في المقابل، فرضت التوسعة إلى 48 منتخباً واقعاً جديداً. صحيح أنها منحت منتخبات أكثر فرصة الظهور، ووسّعت قاعدة المشاركة، لكنها أعادت فتح النقاش حول جودة المنافسة، وضغط الرزنامة، وإرهاق اللاعبين، والفجوة بين الطموح الرياضي والمنطق التجاري. ولم يكن مفاجئاً أن يبدأ الحديث سريعاً عن رفع العدد إلى 64 منتخباً في نسخة 2030، في إشارة إلى أن مشروع إنفانتينو لم يبلغ نهايته بعد.
ورغم كلّ ما سبق، بقيت كرة القدم قادرة على فرض منطقها في النهاية؛ فالمنتخب الذي قدّم أفضل أداء طوال البطولة هو الذي رفع الكأس. لم تحسم اللقب الضوضاء الإعلامية، ولا النفوذ السياسي، ولا العوائد التجارية، بل حسمته جودة اللعب؛ وربما كانت تلك المفارقة الأجمل في مونديال حاول كلّ شيء فيه أن يكون أكبر من المستطيل الأخضر.
سيُذكر مونديال 2026 لأنه الأكبر في التاريخ، والأكثر ربحية، والأكثر حضوراً للسياسة والترفيه. وسيُذكر أيضاً لأنه فتح الباب أمام مرحلة جديدة قد لا تشبه أيّ مرحلة سابقة. إنها مرحلة ستتوسع فيها البطولة أكثر، وستزداد قيمتها الاقتصادية، وسيصبح الصراع على تنظيمها وإدارتها أكثر تعقيداً.
مونديال 2026، غيّر معنى البطولة، ومن هنا تبدأ القصة التي ستقود إلى مونديال 2030، حيث لن يكون النقاش مقتصراً على هوية الفائز، بل على هوية كأس العالم ذاتها.