مونية رزق الله: فخورة بهويتي المغربية .. والموسيقى لغة تتجاوز الحدود
لا يمكن اعتبار الفنانة مونية رزق الله مجرد عازفة كمان تعبر المسارح الكبرى بخفة الأصابع ودهشة النغم، ولكنها امرأة تمشي فوق حواف الروح وهي تحمل كمانها، كما يحمل العاشق قلبه المرتجف بين يديه. في هذا الحوار على صفحات جريدة هسبريس، لا نقترب من موسيقية تصنع الألحان فقط، وإنما من سيرة إنسانية تنبض بالهشاشة والقوة معاً، امرأة خرجت من دفء عائلة مغربية بسيطة لتصنع من التعب والحرمان سلّماً نحو الضوء، ومن القوس الخشبي جناحين يطيران بها بين باريس وبرلين وفاس وبروكسيل وعواصم عالمية، دون أن تفقد رائحة البيت الأول أو رجفة الحنين إلى الجذور المغربية.
كل جواب هنا يشبه نغمة طويلة تتسلل بهدوء إلى أعماق القارئ، تلامس فيه ذلك الجزء المنسي الذي لا توقظه سوى الموسيقى الصادقة. وحين تتحدث مونية رزق الله، عن الكمان، يبدو الأمر كما لو أنها تتحدث عن كائن حي يتنفس داخلها، عن مرآة خفية تكشف تعبها وفرحها وانكساراتها، وعن لغة أوسع من الكلمات، لغة تستطيع أن تبكي دون دموع وأن تصرخ دون صوت. إننا أمام امرأة آمنت بأن الفن ليس ترفاً، وإنما خلاصاً داخلياً ومقاومة ناعمة ضد قسوة العالم وصمته.
في هذا الحوار تتقاطع الثقافات كما تتعانق الأنغام، وتتحول الهوية المغربية من مجرد انتماء إلى طاقة خلاقة تعيد اكتشاف معنى الجسور بين الشعوب. وهنا نقرأ عن الموسيقى بوصفها وطناً آخر، وعن الأمومة بوصفها درساً في الإصغاء، وعن النجاح بوصفه قدرة على منح الحياة معنى أعمق.
إنه حوار لا يُقرأ فقط، ولكن يُصغى إليه كما تُصغى مقطوعة حزينة في آخر الليل، حين يصبح القلب أكثر شفافية، وتصبح الكلمات قادرة على أن تنغرس في الوجدان مثل وترٍ يرتجف داخل العتمة.
نص الحوار:
كيف تتذكرين البدايات الأولى لعلاقتك بالموسيقى، وفي أي لحظة شعرتِ أن هذا الشغف سيتحوّل إلى طريق حياة حقيقي، لا إلى مجرد هواية عابرة؟
عوّدنا والدي، أنا وأختَيّ، منذ سنوات الطفولة الأولى، على الاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية في البيت، وإلى الأصوات المصرية الكبرى، وإلى الجاز أيضاً. وهكذا نشأتُ في عالم كانت فيه الموسيقى شيئاً حيّاً وطبيعياً، جزءاً من تفاصيل اليوم بكل غناه وتنوّعه.
وكانت المشاعر الفكرية والأحاسيس الجسدية التي كنت أعيشها وأنا أعزف الكمان تجعلني، منذ وقت مبكر، أرغب في أن أهب لهذا الفن جزءاً من حياتي. أما أن يتحول الشغف إلى مهنة تحملني في الطريق، فقد احتاج إلى كثير من الإرادة والانضباط.
وُلدتُ في فرنسا لوالدين مغربيين من أصول متواضعة. كان والدي سائقاً وميكانيكياً، ورغم أنه لم يدخل المدرسة يوماً، فقد كان رجلاً شديد الذكاء. أما أمي، كانت خياطة، فقد كرّست حياتها لعائلتها. واضطررتُ إلى تمويل دراستي عبر المباريات والمنح الدراسية. ومنحتني تلك التجربة يقيناً عميقاً بأن العمل والمثابرة وحسن التنظيم قادرة على فتح طرق لم نكن نتخيّلها.
في مساركِ التعليمي والفني، ما اللحظات أو التحديات التي شكّلت وعيك الموسيقي ورسّخت اختيارك للكمان دون غيره من الآلات؟
اقترح علينا والدي، أنا وأختَيّ، في وقت مبكر أن نختار آلة موسيقية. وجرّبتُ الكمان بسعادة كبيرة. وكانت فرصتي العظيمة أن ألتقي بشخص استثنائي: أستاذتي الأولى في الكمان. كنتُ في السابعة من عمري، وهو عمر تصبح فيه اللقاءات حاسمة في بقية الرحلة الموسيقية.
نحن جميعاً بحاجة إلى نماذج تلهمنا وتفتح لنا الطريق. وقد أدّت السيدة فاليه، هذا الدور معي بأجمل صورة ممكنة. وظللتُ على تواصل معها حتى رحيلها، ولم أترك قوسي الموسيقي يوماً.
ماذا تمثل لكِ الموسيقى على المستوى الوجودي والإنساني؟ هل هي لغة خلاص، أم شكل من أشكال المقاومة الداخلية، أم بحث دائم عن الذات؟
إنها مزيج عميق من كل ذلك، وأكثر. والعزف على الموسيقى يشبه بالفعل رحلة بحث عن الذات. فالتأويل الموسيقي يعكس الحالة الداخلية للإنسان. كماني هو أشبه بميزان دقيق لحالتي الجسدية والعاطفية. ومن طريقة اهتزازه أعرف فوراً إن كنت متعبة أو مطمئنة، حتى قبل أن أعي ذلك بوضوح. وهذا ما يجعل هذا الفن عميقاً وإنسانياً إلى هذا الحد. وخلف جمال الاهتزاز الموسيقي عملٌ شاق وصارم. فالكمان آلة صعبة تتطلب انضباطاً يومياً كبيراً. نحن، عازفي الكمان، نشبه الرياضيين المحترفين. نتدرّب، ونتنافس، ونفوز، لكن ليس دائماً. علينا أن نتعلّم كيف نقبل الهزيمة، وكيف ننهض ونواصل الطريق رغم الشكوك. نتعلّم الصمود، فنصبح أقوى وأكثر إنسانية.
ما الذي يتيحه لكِ الكمان للتعبير عنه مما تعجز الكلمات عن قوله؟ ولماذا شعرتِ أن هذه الآلة الأقرب إلى روحك؟
الكمان بالنسبة إليّ أكثر من مجرد آلة موسيقية؛ إنه صوت داخلي، ومساحة للحقيقة والحرية. لطالما شعرتُ أن هذه الآلة تمتلك قدرة فريدة على ترجمة أعمق المشاعر بصدق يجرّد الإنسان من أقنعته. إنها تمنح صوتاً يتجاوز اللغة: للألم، وللأمل، وللحنين، وللتمرّد، وكذلك للجمال والنور. هذه الآلة تبكي، وتجعل الآخرين يبكون، لكنها تجعلهم أيضاً يرقصون ويضحكون.
وقد أشرتم في السؤال السابق إلى فكرة “لغة الخلاص”. ونحن نعيش في زمن أصبح فيه التعبير الحر عما نشعر به أو نؤمن به أمراً صعباً أحياناً، لكن الموسيقى تظل لغة كونية تتجاوز الحدود، وتكسر الرقابة، وتتسلل إلى الصمت. إنها تسمح لنا بأن نشهد ونقاوم ونذكّر العالم بإنسانيتنا المشتركة.
ومع الأسف، تواجه الموسيقى أحياناً حدوداً حين تحاول أن تحمل صوت الشعوب المتألمة أو الأشخاص الذين لا يستطيعون التعبير عن أنفسهم. وأنا أؤمن بعمق أننا يجب أن نواصل الدفاع عن حرية التعبير، لأنها في صميم كل إبداع فني وكل مجتمع حي. فالفن كان وسيظل ضرورة إنسانية.
لقد عملتِ مع فرق موسيقية دولية وتنقلتِ بين مجتمعات أوروبية مختلفة. كيف أثّرت هذه التجارب في هويتك الفنية؟ وهل شعرتِ يوماً بتوتر بين الانتماء والانفتاح؟
لقد كان نشوئي وسط ثقافات متعددة ثروة هائلة بالنسبة إليّ، وما يزال كذلك حتى اليوم. أن أولد في فرنسا لأبوين مغربيين، وأن أعيش اليوم في ألمانيا، وأعمل مع موسيقيين من مختلف أنحاء العالم، جعلني أدرك مبكراً أن الهوية ليست شيئاً ثابتاً، وإنما فضاء يتطور باستمرار.
بطبيعة الحال، قد تثير هذه الانتماءات المتعددة أسئلة لا تملك دائماً أجوبة بسيطة، وقد تولّد أحياناً بعض التوتر الداخلي. لكنني مع الوقت فهمت أن هذا التعدد قوة عظيمة. لقد علّمني أن أنظر إلى العالم بمزيد من الدقة والانفتاح والفضول.
أشعر بامتياز عميق لأن مهنتي تتيح لي السفر ولقاء أشخاص من جنسيات وحساسيات مختلفة، وأن أضع قناعاتي الخاصة في مواجهة طرق أخرى للتفكير والعيش. فالموسيقى، والكمان على وجه الخصوص، تمنحني حرية استثنائية للدخول في حوار مع ثقافات أخرى دون حاجة إلى الترجمة.
وهناك القليل من المهن التي تمنح هذا القدر من الانفتاح. كل لقاء، وكل تعاون، وكل بلد أعبره، يثري هويتي الفنية والإنسانية. وقد علمتني هذه التجارب أن الانتماء والانفتاح لا يتعارضان؛ بل إن الإنسان كلما تجذّر أكثر في قصته الخاصة، استطاع أن ينفتح بهدوء على قصص الآخرين.
كيف تعيشين هويتك المغربية داخل الفضاءات الموسيقية الدولية؟ وهل أصبحت هذه الهوية قوة إبداعية أم سؤالاً دائماً؟
هويتي المغربية جزء أساسي مما أنا عليه، وقد انكشفت لي بعمق أكبر مع مرور الزمن. لفترة طويلة حملتها بشكل طبيعي وصامت تقريباً. أما اليوم فقد أصبحت قوة إبداعية حقيقية، ومسؤولية أيضاً.
ومنذ وقت غير بعيد كنت في البرلمان الأوروبي ببروكسيل. وبينما كنت أراقب الديناميات الاقتصادية والثقافية والسياسية التي تشكّل العلاقات بين البلدان، أدركتُ إلى أي حد يمكن للموسيقى وتعليمها أن يؤديا دوراً أساسياً في بناء الهوية الفردية والجماعية معاً. فالموسيقى ليست مجرد جماليات، ولكنها وسيلة لفهم الجذور والتاريخ وما نرغب في نقله إلى الأجيال القادمة.
وفي بروكسيل شعرتُ، أكثر من أي وقت مضى، برغبة قوية في الإسهام في إشعاع المغرب وتطوره. لا يتعلق الأمر بالسياسة بمعناها الحزبي، وإنما بوضع خبرتي وعلاقاتي وتجربتي الدولية في خدمة بلد ما زلت مرتبطة به بعمق.
وهذا بالضبط ما أحاول تحقيقه اليوم من خلال “الأكاديمية” ومشروع “الأوبرا للجميع”: بناء جسور بين المغرب وأوروبا، ومنح الشباب آفاقاً جديدة، وإثبات أن الثقافة يمكن أن تكون قوة حقيقية للتغيير.
ولهذا أستطيع القول ببساطة إنني في سلام كامل مع هويتي المغربية. أنا فخورة بها، وهي بلا شك قوة خلاقة في حياتي.
ما طبيعة علاقتك بالموسيقى المغربية بمختلف تعبيراتها، من الأندلسي إلى الشعبي؟ وكيف ترين إمكانية حضورها على الساحة الدولية؟
حظيتُ بشرف لقاء محمد بريول في فاس سنة 2019، وهو أحد الأسماء الكبرى في الموسيقى العربية الأندلسية المغربية. ولقد ترك هذا اللقاء أثراً عميقاً في نفسي. أدهشني بشكل خاص أن أراه يعزف الكمان فوق الركبة وفق التقليد الشرقي، بمهارة مبهرة وتقنية عالية الدقة.
ومنذ ذلك الحين بدأت أكتشف الروابط المدهشة بين التقاليد الموسيقية المختلفة، تلك الروابط التي صنعت تاريخاً مشتركاً. فالموسيقى العربية الأندلسية، التي انتقلت إلى المغرب من الأندلس، تتحاور بشكل طبيعي مع الموسيقى الأوروبية في العصور الوسطى، خصوصاً مع “كانتيغاس دي سانتا ماريا”. وهذه الأعمال تكشف جذوراً ثقافية متشابكة بين العوالم العربية واليهودية والمسيحية والأمازيغية والمتوسطية.
وما يلامسني بشدة هو أننا، رغم اختلافاتنا الظاهرة، نتقاسم إرثاً مشتركاً بالغ الثراء. فالموسيقى تكشف بوضوح مدهش أن الثقافات ليست جزرًا معزولة، ولكنها تتغذى من بعضها البعض منذ قرون.
وأنا مقتنعة بأن الموسيقى المغربية تمتلك إمكانات هائلة على الساحة الدولية. فهي تحمل ثراءً لحنياً وإيقاعياً وشعرياً استثنائياً، وتنقل رسالة عالمية قائمة على الحوار والتعايش. وعندما تُقدَّم في سياق لقاء مع تقاليد موسيقية أخرى، تتحول إلى رمز قوي لما يستطيع الفن أن يفعله: تقريب الشعوب، وتجاوز الحدود، والتذكير بعمق التاريخ المشترك.
وهذا تحديداً ما يلهمني اليوم. فطموحي هو أن أفهم بشكل أعمق أصول الريبرتوار الموسيقي، وأن أبني جسوراً بين الموسيقى العربية الأندلسية والموسيقى الأوروبية الوسيطة والموسيقى الكلاسيكية الغربية. ليس عبر السياسة، وإنما عبر قوة الموسيقى وحدها، حيث يصبح ممكناً أن تتحاور الثقافات والأديان والحساسيات المختلفة داخل اندفاعة واحدة من الجمال والإنسانية. وهذا ما أحاول تطويره في حفلات
“الأكاديمية “.
هل يُعد تأسيس أكاديمية موسيقية في المغرب امتداداً لحلم شخصي، أم مشروعاً ثقافياً يهدف إلى إعادة تعريف علاقة الأجيال الجديدة بالموسيقى؟
إن فكرة تأسيس ” الأكاديمية “، في المغرب تتجاوز بكثير حدود الحلم الشخصي. في البداية كان المشروع الثقافي نابعاً من رغبة في نقل الفرصة الثمينة التي حظيتُ بها أنا نفسي، حين التقيت طوال مسيرتي بأساتذة وشخصيات أثّرت في تكويني الفني والإنساني. كما كانت وسيلة للتقرب أكثر من المغرب، لفهم جذوري ومنح انتمائي المزدوج معنى أعمق.
ومع السنوات، أخذ المشروع بعداً أكثر طموحاً. اليوم، ومن خلال مشروع “الأوبرا للجميع”، الذي أُنجز بشراكة مع وزارة التربية الوطنية ووزارة الثقافة المغربيتين، أسعى إلى إثبات أن الموسيقى أداة حقيقية للتحول الاجتماعي والتربوي.
وأنا مؤمنة بأن تعليم الموسيقى لا يقتصر على تعلّم تقنية العزف، بل يطوّر التركيز والانضباط والقدرة على الإصغاء والثقة بالنفس وروح العمل الجماعي والتفكير. كما يمكن أن يساهم فعلياً في محاربة الهدر المدرسي عبر إعادة الشباب إلى متعة التعلّم وفخر التقدّم.
وهكذا فإن مشروع “الأوبرا للجميع” يتجاوز الممارسة الموسيقية وحدها، ليمنح الأجيال الجديدة فضاءً للنمو الفكري والإنساني والانفتاح على العالم.
وأشعر اليوم أنني توصلت إلى نموذج قادر على إحداث أثر مستدام. وأمنيتي العميقة أن تدرك المؤسسات المغربية الإمكانات الحقيقية لهذه الرؤية وأن تمنحها دعماً رسمياً في أقرب وقت.
وبصورة أوسع، أشعر، بصفتي مغربية مقيمة في الخارج، أنني أحمل تجربة خاصة. وهذا لا يخصني وحدي. فالمغاربة المقيمون عبر العالم يمتلكون غالباً رؤية مختلفة تشكّلت من خلال احتكاكهم اليومي بأنظمة وأساليب أخرى. وهذه الرؤية قد تكون ثمينة في خدمة تطور البلاد، إذا ما جرى الاعتراف فعلياً بمشاريعهم من طرف المؤسسات المغربية.
وأود أيضاً أن أحيّي العمل المميز الذي تقوم به وزارة الثقافة المغربية في إطار مشروع “الأوبرا للجميع”. فقد أبهرتني فرق العمل دائماً بمهنيتها والتزامها.
بعيداً عن خشبة المسرح، ماذا تقرئين؟ وما اهتماماتك وهواياتك التي تغذي حساسيتك الفنية وتنعكس على عزفك؟
خارج المسرح، فإن الشخص الذي يغذي حساسيتي الفنية أكثر من أي أحد آخر هو ابنتي ذات الستة عشر عاماً. إن قضاء لحظات جميلة معها يمنحني توازناً وإلهاماً دائماً. نحن نحب الذهاب إلى السينما والطهي معاً وتبادل الحديث حول مواضيع كثيرة. لقد علّمتني الأمومة أن أُصغي بطريقة مختلفة، وأن أرى العالم بقدر أكبر من الإنسانية، وهذا ينعكس حتماً على طريقتي في العزف ونقل الموسيقى.
كما أحب كثيراً استقبال الأصدقاء في البيت. فالطهي لهم ومشاركة المائدة وخلق لحظات دافئة من اللقاء هو بالنسبة إليّ شكل من أشكال الفن. وتلك اللحظات الإنسانية تغذي الروابط التي تقوم عليها كل تجربة فنية حقيقية.
وتحتل الرياضة أيضاً مكانة مهمة في حياتي. وقد اكتشفت رياضة الكيك بوكسينغ، وهي رياضة تناسب طبعي لأنها تتطلب التركيز والطاقة وضبط النفس.
أما القراءة، فهي للأسف أقل مما أتمنى، لأن جزءاً كبيراً من وقتي يذهب إلى العمل وتطوير “ الأكاديمية ”، لكن حين أجد فرصة للقراءة، أميل إلى كتّاب مثل شتيفان تسفايغ وهاري موليش.
بعد سنوات طويلة من العمل وتراكم التجربة، كيف تنظرين إلى النجاح والشهرة؟ هل هما ثمرة طبيعية للشغف، أم عبء يدفع الفنان إلى إعادة تعريف نفسه باستمرار؟
الشغف من دون عمل وانضباط لا يساوي شيئاً. والفنان الذي يتجمد داخل يقينياته لا يتطور، يفقد جزءاً كبيراً من فنه وروحه. لكن إعادة تعريف الذات ليست عبئاً، فهي قوة تدفع الإنسان نحو مزيد من الإنسانية.
وبعد ما يقارب ثلاثين عاماً من المسيرة الفنية، تغيّرت نظرتي إلى النجاح والشهرة بشكل عميق. وحين يكون الإنسان شاباً، تبدو هذه الأمور مهمة جداً. يشعر بالحاجة إلى أن يثبت لنفسه وللآخرين أنه قادر على بلوغ مستوى معين، وأن يجد مكانه ويحصل على الاعتراف بعمله.
لكن مع مرور الزمن، تفقد هذه الأهداف مركزيتها. وبالنسبة إليّ، شكّلت ولادة ابنتي نقطة تحول حاسمة. فقد جعلتني أدرك أن النجاح الحقيقي لا يكمن فقط في الاعتراف الخارجي، وإنما في القدرة على العطاء والبناء ومنح الأفعال معنى أعمق.
ولهذا أكرّس، منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، جزءاً كبيراً من طاقتي، إلى جانب عملي كعازفة كمان في أوبرا برلين الألمانية، لبناء مشاريع ثقافية وتربوية في المغرب يمكن أن تترك أثراً دائماً في الأجيال الجديدة.
في النهاية، لم يعد النجاح بالنسبة إليّ مسألة شهرة. إنه أن أضع خبرتي وطاقتي ومتطلباتي الفنية في خدمة رؤية أكبر مني. لقد كانت الشهرة الموسيقية نقطة البداية، أما هدفي اليوم فأوسع بكثير: أن أنقل المعرفة، وأبني، وأُلهم، وأساهم عبر الفن في تغيير الأشياء بصورة مستدامة.
The post مونية رزق الله: فخورة بهويتي المغربية .. والموسيقى لغة تتجاوز الحدود appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.