نداء إلى المرجعيات الدينية: وسائل التواصل أو التناحر الاجتماعي
*القاضي د. محمد نقري
كنا نظن إلى وقت قريب أن وسائل التواصل الاجتماعي ستساهم بشكل مطرد في نشر الثقافة الدينية السليمة وتوعية الناس إلى جوهر الأديان، فإذا بها تساهم رغم إيجابياتها، في إدخالهم في وحول الجهل ونشر الأكاذيب والأضاليل ونشر الكم الهائل من الموروثات الدينية العقيمة والزائفة التي نادى بها قديماً وحديثاً أئمة الجهل والتعصب. كنا سابقاً نخشى من أن يصبح القرن الحادي والعشرين علمانياً في صيغته المنافرة والمعادية للدين، فكنا نتمنى أن يصبح العلماء المدنيون أكثر تديناً والعلماء الدينيون أكثر انفتاحاً واستيعاباً للعلوم المدنية، وذلك خشية أن تتحقق مقولة قالها في إحدى مقابلاته الفيلسوف الفرنسي ووزير الثقافة في حكومة الجنرال ديغول André Marleau أن القرن الحادي والعشرين إما أن يكون دينياً – أو قال روحياً - أو لا يكون. ولكننا بعد كشف المستور في وسائل التواصل الاجتماعي نشهد دخول مجموعة من علماء دين أو ممن يسمون أنفسهم رجال دين من مقطبي الجباه ومشرئبي الأعناق ومنتفخي الأوداج وهم يروجون لمذاهبهم بأساليب مستفزة وحقودة ومكفهرة ومزمجرة متوعدين من خالفهم بالاصطلاء بنار الجحيم. ولم نكتف بهذه الطبقة من علماء الدين المتحزبين أو المنضوين تحت مجموعات مذهبية متشددة أو مزورة أو مكفّرة، فانفلت الملق ليطال البسطاء والجهال وغير المتخصصين في مجال العلوم الدينية ليدلوا بدلوهم هم أيضاً في نشر الأضاليل والخزعبلات باسم الدين، هذا إذا ما أضفنا اليهم أوكار المخابرات الدولية والمعادية التي تزرع الفتن بأسماء وحسابات وهمية.
كنا نلاحظ سابقاً في العصور الماضية عندما كنا نستقرئ التاريخ وخصوصاً أزمنة الصراعات الدينية أن التحديات والافتراءات المتلاحقة كانت تمر وتختفي آثارها ويبقى الدين يشع نوراً لا تطفئه الأحقاد والمؤامرات وعبث العابثين. ولكننا أمام توسع مدارك الناس ليشمل الغث والسمين وسرعة نفاذ الجهل إلى عقول بعضهم من دون تمحص ولا تدبر، ودخول الإنترنت بشبكاته العنكبوتية إلى كل مدر ووبر، فأصبح من الضروري البحث عن حلول إبداعية للحد من تسونامي الإفتراءات والإنفلاتات اللادينية واللا أخلاقية.
من هذه الافتراءات التي تنال من الفكر النيّر والعقل السليم ما يكتب وينشر لتحريض المسلمين - بالمعنى الواسع للكلمة - على بعضهم بعضاً. لئن قلت بمعناها الواسع فلأني لا أقصد المذاهب الإسلامية من سنة وشيعة على جهة الحصر بل لأشمل الأحزاب والحركات الصوفية والجمعيات الدينية والدعوية والسلفية والجاهلين المتعصبين والمشعوذين ورواة الأساطير والخزعبلات والأحاديث الموضوعة والضعيفة ومرويات الكتب الصفراء المختلقة الكذوبة. ومن هذه التحريضات ما يشمل أيضاً الأديان غير الإسلامية مع بعضها بعضاً أو في تقولاتها ومناقشاته مع الأديان الأخرى. هذا إذا أضفنا اليهم هجمات اللادينيين على المعتقدات الدينية وتسخيفها وكل من اعتقد وآمن بها، منطلقين هذه المرة مما يكتب ويثار ويتداول من أمور مستهجنة وطقوس غريبة ومرويات مضحكة في التراث الديني.
ما يلفت النظر أن كثيراً من هذه التداولات على صفحات التواصل الاجتماعي تنفر من يقرأها من الدين، ولولا وعي العقلاء ومقدرتهم على تمييز الصحيح من الخطأ والموثق المعتمد من المزيف المزور لدخل الى اعتقاد القارئ المحايد غير الحذر أن الدين هو أقرب ما يكون الى تعريف Salomon Reinach بأن "الدين هو مجموعة أوهام تتصدى للنمو الحر لقدراتنا العقلية"، أو كما جاء من ضمن التعريفات التي جمعها Jean Chevalier في قاموسه عن العلوم العصرية بأنه "طلسم مرتبط ببعض الأزمنة والأماكن معتمداً على بعض النصوص يصبح الإنسان من خلال ارتباطه واعتقاده بها عديم الإرادة".

أمام هذه الهرطقات والخزعبلات والسرديات على وسائل التواصل الاجتماعي يتعين على عقلاء المسلمين من علماء متخصصين ومثقفين موثوقين أن يبادروا إلى تفنيد هذه النصوص وتسخيفها بما تشمله من أحاديث ومواعظ لبعض رجال الدين وما يترافق معها من طقوس مهينة وغريبة تنتشر كالنار في الهشيم لدى عامة الناس باسم التدين والإيمان ومحبة النبي والإمام وانتظاراً وانتصاراً لمن سيظهر في آخر الزمان.
عاشوراء بين السنة والشيعة
كلنا شهدنا أخيراً ما ظهر من تخبط وتناحر لدى الشيعة والسنة على حد سواء في ما كتب وشوهد في احتفاليات عاشوراء. يعيب الشيعة على السنة صيامهم يوم عاشوراء لحديث يروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن انتداب صيام هذا اليوم الذي أنجى الله فيه موسى من فرعون، ويعيب السنة على الشيعة ما يجري في هذه المناسبة من تطيين وزحف وتطبير وجلد ونحيب مخالفين بذلك لصحيح الدين، بينما عقلاء الشيعة من مرجعيات دينية وكبار العلماء ينتقدون ما آلت اليه بعض هذه الشعائر الحسينية من دون أن يكون لكتاباتهم وخطاباتهم أي تأثير على المستوى الشعبي. كتب الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين الرئيس الأسبق للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى: "على مدى التاريخ المتأخر في الاسلام، من العصر البويهي، ولدواع طائفية محضة، أُعطيت هذه الذكرى مضموناً شيعياً، وكان تزويراً حقيراً وإجرامياً في حق هذه الذكرى، وتزويراً للتاريخ واستغلالاً، على أننا نكن احتراماً للبويهيين، ولكنهم زوروا التاريخ، وسرقوا الذكرى، وأعطوها مفهومهم الطائفي على حساب جوانبها الاسلامية، وكان من خطأ أرباب الفكر في ذلك أنهم استجابوا لهذا التغيير، ودرج المسلمون من ذلك الحال وإلى العصر الحديث على هذا اللون من الفهم التاريخي المُزوَّر والمخالف لحقيقة التاريخ الاسلامي. هذه المسألة أقولها من مواقع المسؤولية أمام الله، لأننا وصلنا في لبنان وفي العالمين العربي والاسلامي إلى مرحلة تُنذر بالكارثة، من هنا أخطر مادة نتعامل معها هي مادة التاريخ وهي مادة حية تتجدد باستمرار. الشيعة مخطئون في فهمهم لهذه الذكرى على أنها ذكراهم، هم ينسبون إليهم وحدهم ذكرى هي ليست لهم وحدهم بالتأكيد، حكم يزيد لم يعارضه شيعة أهل البيت وحدهم بل الكثير من المسلمين أمثال عبدالله بن الزبير وعبدالله بن عمر، والمذاهب لم تكن موجودة، كان هناك رجال ثائرون مسلمون".
وفي المطل الآخر السني يهاجم بعض السلفيين الوهابيين المذهبين الأشعري والماتوريدي وينكرون عليهما انتماءهما لأهل السنة والجماعة ويكفرونهما ويحصرون هذا المصطلح بأهل الحديث. كذلك الأمر فتاوى بعض الجمعيات الدينية التي تخرج من الإيمان والإسلام ما يقال على الألسن أو ما يتصرف به المؤمنون من تصرفات من دون أن يقصدوا بها الكفر والخروج عن الدين. كذلك ما يدور في بعض حلقات الذكر الصوفية من سلوكيات غريبة ومستهجنة ومن تبريكات وتعظيمات للمرشد الملهم الذي يرفعونه إلى مقام الولاية وقطب الأقطاب.
عشرات الآلاف من صفحات التواصل الاجتماعي التي تحيد عن القيم والمبادئ الراسخة للدين، توهم القارئ غير الحذر بأن نصوصها هي من صميم الدين، فإما أن يقرأها ويتبع مقولاتها الشاذة والغريبة والكذوبة، وإما إن يهجر الدين بلا أسف عليه من دون أن يحمل نفسه عناء البحث والتنقيب على ما يقبله العقل السليم وما أرشد اليه علماء الأصول في تعريفهم لصحيح الدين كما ورد في شرح البيجوري على جوهرة التوحيد : "الدين هو وضع إلهي سائق لذوي العقول السليمة باختيارهم المحمود الى ما هو خير لهم بالذات".
التحريض على الديانات
من جانب آخر تستكمل وسائل التواصل الاجتماعي هجومها وتحريضها على المسيحيين ويخرج ما يكتبه البعض عن لياقة العيش المشترك إن لم أقل عن الواجب الديني للمسلمين بمناقشة أهل الكتاب وأهل الوحي بأحسن وأرقى ما يكون عليه الجدال (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن). فتكثر المناقشات اللاهوتية للتجريح والافتراء والتحريض وتسفيه معتقداتهم الدينية، وتضيف إليها التسابق على ذكر أسماء الذين اعتنقوا الإسلام من المسيحيين يقابلهم بالتالي أسماء الذين تركوا الإسلام واعتنقوا المسيحية، مع دراسات نقدية لعقيدة المسلمين وتشريعاتهم الدينية.
بات من المحتم على المرجعيات الدينية التنبيه إلى مخاطر ما ينتظر الدين من تضليل وتسخيف. وما يشكل الخطر الأكبر دخول الوحدة 8200 وهي أكبر وحدة استخبارات الكترونية في الجيش الإسرائيلي إلى هذه التحريضات التي تتم بأسماء وهمية وتحصد آلاف المتابعين بما تشمله من تعليقات هجومية من أغبياء من كل الأفرقاء يتهاوشون ويتشاتمون ويتقاتلون من دون أن يدروا أنهم وقعوا في مكيدة وخداع الذين يهمهم تفكيك لبنان والمنطقة وإقامة دول طائفية. تقف أكثر مرجعياتنا الدينية وقفة خذلان وانتظار وعدم مقدرة على تدبر هذه التحديات، من دون أن تقوم برسائلها عبر الكنائس والمساجد والإعلانات والنشرات الإعلامية بفضح هذه الأسماء الوهمية والتحذر من الوقوع في شباكها، مع تقديم النصح بحظر فوري لهذه الحسابات الفيسبوكية وغيرها.
إذا استمرت هذه المواقف اللامبالية للقادة الدينيين تتأرجح بين جمود وسكوت أو عجز وشعور بالإحباط، فنصبح قاب قوسين أو أدنى من أن يتحول القرن الحادي والعشرين الى لا ديني.... لا سمح الله.
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية