ندوة فكرية تسائل مستقبل الكتابة بين الصحافة والأدب في زمن الرقمنة

قال عبد الوهاب الرامي، الأكاديمي البارز وأستاذ الصحافة بالمعهد العالي للإعلام والاتصال، إن “التحولات التكنولوجية لا ترتبط فقط بالكتابة لدى الصحافيين أو الأدباء؛ بل تمتد إلى البنية العامة لما يمكن تسميته بالدورة الفكرية”، مشيرا إلى أن القارئ أو المستهلك من كل المشارب معنيٌّ بدوره بهذه التحولات من مختلف الزوايا.

جاء ذلك ضمن ندوة فكرية حول “تجربة الكتابة بين الصحافة والأدب في العصر الرقمي”، تنظمها وزارة الثقافة والشباب والتواصل ضمن البرمجة الرسمية للمعرض الدولي للنشر والكتاب في دورته الحادية والثلاثين، حيث سجل الرامي أن الإشكالية المرتبطة بتجربة الكتابة بين الصحافة والأدب في العصر الرقمي يمكن اختزالها في تساؤلات محورية.

ومن بين هذه الأسئلة، كما طرحها الخبير ذاته، اليوم الاثنين، في اللقاء الثقافي والإعلامي الذي أُعلن من خلاله عن إطلاق أنشطة برنامج “الرباط عاصمة الإعلام العربي” لسنة 2026، تلك المتعلقة بطبيعة الكتابة وما إذا كانت ستتغير تحت وطأة الرقمنة، سواء في الأدب أو الصحافة، وكيف يمكن أن تتخذ هذه التغيرات أشكالها وما الذي قد تؤول إليه.

وأضاف الأكاديمي ذاته أن “من بين الأسئلة المطروحة أيضا إمكانية ظهور أجناس هجينة تجمع بين الأدب والصحافة في الآن نفسه، في إطار تماس قد يكون إيجابيا بين الحقلين”، متسائلا في السياق ذاته عما إذا كانت التحولات التي يشهدها العالم العربي تعكس ما يجري في باقي بلدان العالم، أم أن هناك خصوصية مغربية أو عربيّة تميز هذا التفاعل بين الصحافة والأدب مقارنة بسياقات أخرى.

وأشار المتحدث إلى أن العلاقة بين الحقلين ليست جديدة، إذ كان بينهما تماس قائم منذ السابق. وفي هذا الصدد، أوضح أن السرد، على سبيل المثال، حاضر في الصحافة منذ بداياتها كما هو حاضر في الأدب منذ نشأته؛ غير أنه تساءل عما إذا كان السرد الصحافي اليوم، في ظل ضغط التكنولوجيات الرقمية، سيظل محافظا على خصائصه الأصليّة، مؤكدا أن مسألة التلاقي والتمايز بين المجالين تظل أساسية في هذا السياق.

ولفت الرامي الانتباه إلى أن هناك عناصر متعددة تؤطر هذا النقاش؛ من بينها المعايير والأهداف داخل حقل الإعلام والصحافة، إلى جانب العلاقة بالواقع، واللغة، والزمن، والحقيقة التي يمكن الإمساك بها بشكل مباشر في الصحافة، مقابل مقاربات مختلفة في الأدب، خالصا إلى أهمية البنية، ومتوقفا عند سؤال مركزي يتعلق بما يبحث عنه القارئ اليوم، سواء في الصحافة أو في الأدب.

من جانبه، قال الإعلامي والكاتب ياسين عدنان إن وسيلة النشر تتغير من الورقي إلى الشاشة، لكن هناك عودة من الشاشة إلى الورقي لاكتساب المصداقية؛ لأن الكثيرين، حتى وهم ينشرون عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو الشاشات المتاحة، يظلون يمنحون سلطة أكبر للنشر الورقي، فيعودون إلى الكتاب رغبة في إعادة منشوراتهم بين دفتيه.

وتساءل عدنان في كلمته قائلا: “هذا العبور عبر الشاشة، هل هو مجرد انتقال على مستوى الوسيط وفضاء النشر، أم هو تحول في بنية الكتابة نفسها؟ ماذا عن إيقاع الكتابة وأنت تكتب وتنشر إلكترونيا؟ ألا يتغير؟ أليست وظيفة الكتابة نفسها تتعرض لبعض التحول؟ وكذلك علاقتك بالزمن وبالقارئ وبالعالم؟”.

وتابع المتحدث: “الرقمي والفضاء الافتراضي ليسا مجرد تحول في الشكل أو الوسيط أو الحامل؛ بل تسربا تدريجيا إلى إيقاع الكتابة ونبضها الداخلي وبعض محركاتها الأساسية”، لافتا إلى أنه “على مستوى الشكل، لم تعد الجملة طويلة كما في السابق؛ إذ نلحظ ميلا إلى إيقاع لاهث يفرضه الوسيط، فتصير الجمل أقصر واللغة أكثر رشاقة، والفقرات أقصر، والتعبير أكثر مباشرة”.

وشدد الإعلامي عينه على أنه “بات هناك انشغال أكبر بجاذبية العنوان على حساب التعمق في المضمون”، مفيدا بأن “هذا الإيقاع هو صحافي بالأساس، أنتجته الصحافة المواطِنة التي جعلت كل فرد ينشر في الفضاء الافتراضي ويعتبر نفسه صحافيا؛ مما أفرز إيقاعا جديدا في الكتابة”.

وتساءل ياسين عدنان: “هل نقلنا ذلك إلى ما هو أفضل؟”، ثم أجاب: “ربما تخلصنا من الحشو والإطناب والتكرار؛ لكن في المقابل أصبحت الكتابة أحيانا أكثر سطحية، ولم يعد هناك دائما ذلك الحرص على العمق، مع تجنب التعميم بطبيعة الحال”.

أما طلحة جبريل، الإعلامي وأستاذ الصحافة، فقد أكد أن “الصحافة والأدب يلتقيان عند السرد”، مضيفا أن “الصحافي يحتاج إلى أدوات أدبية ليقرب الخبر من القارئ، والأديب يستفيد من سرعة النشر للوصول إلى جمهور واسع؛ لكن الكاتب يعيش اليوم ازدواجية أن يكون صحافيا يلاحق الخبر، وأديبا يلاحق المعنى”.

وأفاد طلحة بأن “العصر الرقمي ليس عبئا؛ بل فرصة لتجديد أدوات الكتابة. وإذا التقت الصحافة والأدب بوعي، يمكن أن يقدما نصوصا أكثر ثراء وقربا من الإنسان”، موردا أنها “تجربة مزدوجة تحتاج إلى نقد يقظ وإبداع حي، حتى لا تتحول الكتابة إلى مجرد صدى للشبكات الاجتماعية، بل إلى صوت يضيف معنى في زمن يفيض بالضجيج”.

وأشار أستاذ الصحافة إلى أن “العصر الرقمي يشبه نهرا جارفا يحمل الأخبار والقصائد، الصور والذكريات، الحقائق والأوهام. وفي هذا النهر يقف الصحافي والأديب معا؛ أحدهما يبحث عن الحقيقة، والآخر عن المعنى”، مبرزا أن “الصحافة تمنح الدقة، ويمنح الأدب العمق، وكلاهما يحتاج إلى وعي نقدي حتى لا نغرق في ضجيج الشبكات”.

وخلص طلحة جبريل إلى أن “الكتابة اليوم ليست مجرد حروف على الورق أو الشاشات؛ بل فعل مقاومة ضد التبسيط المفرط والاستسلام لسطحية اللحظة”، مضيفا أنه “إذا كان العصر الرقمي قد جعل العالم قرية صغيرة، فإن مسؤولية الكاتب، صحافيا كان أو أديبا، أن يجعل هذه القرية أكثر إنسانية وأكثر قدرة على الإصغاء إلى الحقيقة والجمال معا”.

من جهتها، قالت رشا علام، رئيسة قسم الصحافة والإعلام بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، إن التداول في الموضوع مهم ومن الصعب الإحاطة بكل جوانبه أو تأثيراتها على الأدب والصحافة؛ لكن يمكن الإشارة إلى جانب أساسي فيها، وهو “الإتاحة”، حيث وفرت الثورة التكنولوجية إتاحة واسعة للمعلومات وللأعمال الأدبية ولمختلف أشكال الصحافة؛ وهو ما خلق تعددية واضحة.

هذا الأمر، وفق علام، “لم يكن موجودا قبل الإنترنت والتطور الرقمي وظهور تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث كان الاهتمام منصبّا على عدد محدود من المصادر”.

وأوضحت المتحدثة أن “هذه التعددية أدت إلى تشتت الجمهور بين مؤسسات مختلفة، وخلقت منافسة شديدة على مورد نادر، هو انتباه الجمهور ووقته؛ فالجميع يتنافس على الزمن الذي سيقضيه المستخدم في موقع أو قناة أو إذاعة أو بودكاست”.

وطرحت رئيسة قسم الصحافة والإعلام بالجامعة الأمريكية بالقاهرة تساؤلا بخصوص “هل أثّر ذلك في الأدب كما أثّر في الصحافة؟”، مبينة أن “التأثير موجود في المجالين، لكنه مختلف؛ فقد استفاد الأدب من الإتاحة، إذ أصبح بالإمكان نشر الأعمال عبر المنصات الرقمية والوصول إلى جمهور واسع. كما ظهرت صيغ جديدة، مثل الكتب الصوتية.. في المقابل، برزت تحديات؛ من بينها إمكانية إنتاج نصوص كاملة في المجالين باستخدام الذكاء الاصطناعي”.

The post ندوة فكرية تسائل مستقبل الكتابة بين الصحافة والأدب في زمن الرقمنة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress