نصف مليون روسي في مواجهة المسيّرات... من يحسم حرب أوكرانيا؟
تستعر حرب المسيّرات على طول خط التماس بين موسكو وكييف وسط محاولات القوات الروسية قضم مزيد من أراضي أوكرانيا. وفيما تكثف روسيا ضرباتها لتثبيت الواقع الميداني، تتجه الأنظار إلى قدرة موسكو على رفد جبهاتها بمزيد من المقاتلين، بعدما رفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، اعتباراً من مطلع آب/أغسطس، العدد المسموح به للقوات المسلحة إلى 2.426 مليون عنصر، بينهم 1.535 مليون عسكري، بزيادة 25 ألف عسكري. ويتزامن ذلك مع تقديرات تتحدث عن احتمال لجوء الكرملين إلى موجة تعبئة أوسع بعد الانتخابات التشريعية في أيلول/سبتمبر، وهو سيناريو تنفيه موسكو.
ويأتي ذلك فيما تتواصل المعارك على محاور دونيتسك، مع ضغط روسي متزايد في اتجاه سلوفيانسك وكراماتورسك، في وقت لا يزال تحويل التفوق العددي والناري الروسي إلى اختراق ميداني حاسم تحدياً أمام موسكو.
خطوة تطرح سؤالاً جوهرياً: هل تنجح الكثافة البشرية في حسم الصراع لمصلحة روسيا أم أن التكنولوجيا والتكتيك الأوكراني سيعطلان هذه الرهانات؟
التكنولوجيا تكسر تفوق "الكم"
يؤكد مدير مركز "فيجن" للدراسات الاستراتيجية سعيد سلّام في حديثه لـ"النهار"، أن التقديرات الاستراتيجية المتقاطعة تشير إلى توجه نحو حشد نصف مليون مجند جديد في روسيا وفق خيار عملياتي مدروس داخل أروقة الكرملين.
ويتحول هذا التوجه من مجرد تخمين إلى خطة طوارئ ممتدة ترتبط بشرطين أساسيين: استمرار الانسداد الديبلوماسي، وانقضاء الاستحقاق الانتخابي لمجلس الدوما المقرر في أيلول سبتمبر 2026.
وتكتسب هذه التقديرات أهمية إضافية بعدما رفع بوتين عديد القوات المسلحة للمرة الثالثة هذا العام. وفي المقابل، نفت موسكو في أواخر تموز/يوليو وجود خطط لتعبئة جديدة، وقال نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف إن نحو 200 ألف شخص وقّعوا عقوداً مع وزارة الدفاع خلال النصف الأول من 2026. لذلك يبقى سيناريو التعبئة الواسعة موضع تقديرات متضاربة، من دون إعلان روسي رسمي حتى الآن.
وتستهدف المراهنة على هذه الكتلة البشرية الضخمة إدامة استراتيجية "الاستنزاف التراكمي" وتثبيت الواقع الميداني الناجم عن الحرب. إلا أن كسر الجمود العملياتي وتحقيق تفوق ميداني خاطف يبقيان أمرين مستبعدين، إذ يستلزم ذلك توفير تغطية جوية وتكنولوجية متكاملة، وهو ما تفتقر إليه بيئة القتال الحالية بفعل التفوق التكتيكي لشبكات المسيّرات الأوكرانية.
وتزداد أهمية هذا العامل مع تحوّل المسيّرات إلى أحد العناصر المركزية في إدارة المعركة لدى الطرفين، سواء على خطوط القتال أو في الضربات بعيدة المدى، ما يجعل زيادة العديد وحدها غير كافية لضمان اختراق الدفاعات أو الاحتفاظ بالأراضي بكلفة منخفضة.
من ناحية أخرى، تعاني البنية التحتية الروسية قيوداً بنيوية عميقة تمنع تجهيز هذا العدد بأعتدة حديثة دفعة واحدة. ومع استمرار الضغوط على سلاسل توريد الإلكترونيات الدقيقة تبنت المؤسسة العسكرية مساراً لوجستياً يعتمد على السحب المكثف للأليات القديمة وتأهيلها جزئياً، إلى جانب الاعتماد الحيوي على الشراكات مع إيران وكوريا الشمالية.
تضخم وإرهاق مالي
وفق سلّام أيضاً، ينطوي اقتطاع نصف مليون عنصر إضافي من القوة الشابة على تداعيات خطيرة تصطدم بالواقع الاقتصادي الروسي، كما بلغت الإغراءات المالية ومكافآت التوقيع حدودها القصوى تحت ضغط التضخم والإرهاق المالي للكيانات الفيدرالية.
وتظهر صعوبة الحفاظ على وتيرة التجنيد في تقديرات أوكرانية حديثة تقول إن موسكو وضعت هدفاً سنوياً لاستقطاب 409 آلاف متعاقد خلال 2026، فيما كان عدد المجندين حتى مطلع تموز/يوليو دون نصف هذا الهدف بقليل. وتبقى هذه الأرقام صادرة عن الاستخبارات الأوكرانية، في مقابل إعلان ميدفيديف أن نحو 200 ألف وقّعوا عقوداً خلال النصف الأول من السنة.
هذا الاختناق يدفع السلطات لممارسة ضغوط غير مباشرة على مجندي الخدمة الإلزامية وعناصر الاحتياط لإرغامهم على توقيع عقود دائمة، بالتوازي مع هندسة ديموغرافية انتقائية تركز على المحافظات النائية وجمهوريات سيبيريا وشمال القوقاز، تجنباً لإثارة القلاقل في المراكز الحضرية الكبرى كموسكو وسانت بطرسبرغ.
وعلى الصعيد الديبلوماسي، يسعى الكرملين من خلال التلويح بالتعبئة الواسعة إلى إرسال رسائل "ردع استباقية" لتأكيد قدرة روسيا البنيوية على تحمل حرب طويلة الأجل لا يستطيع الدعم الغربي مجاراتها، لإجبار كييف وحلفائها على تقديم تنازلات. ومع ذلك، لا يمكن اختزال هذا التلويح في مجرد مناورة تفاوضية، بل هو خطة تنفيذية مرنة ستستجيب لتطور الضربات الأوكرانية العميقة.
/WhatsApp%20Image%202026-08-06%20at%206.11.09%20AM%20(1).jpeg)
هندسة "التعبئة الزاحفة"
من جهته، يؤكد رئيس تحرير موقع "أوكرانيا اليوم" محمد العروقي لـ"النهار"، أن التعبئة العسكرية في روسيا تتواصل منذ بداية الحرب بعيداً عن الإعلان الرسمي، حيث تتركز عمليات التجنيد في المناطق النائية بعيداً عن موسكو وسانت بطرسبرغ لحماية النخبة والمركز.
وتتقاطع هذه القراءة جزئياً مع الأرقام الروسية الرسمية، إذ أعلن ميدفيديف في أواخر تموز/يوليو أن نحو 200 ألف شخص وقّعوا عقوداً مع وزارة الدفاع خلال الأشهر الستة الأولى من السنة، في وقت رفع بوتين السقف الرسمي لعديد العسكريين إلى 1.535 مليون اعتباراً من 1 آب/أغسطس.
ورغم أن كفة القوة والعتاد والعدد ترجح بوضوح لمصلحة الجانب الروسي، فإن صمود أوكرانيا يكسر القاعدة القائلة بأن التفوق العددي يضمن حسم المعركة. فقد تمكنت أوكرانيا عبر صناعاتها المتطورة وحلولها التكنولوجية من الحد من قدرات الجيش الروسي وعرقلة تقدمه نحو مزيد من الأراضي.
وتكتسب هذه المعادلة أهمية أكبر مع اقتراب القوات الروسية من حزام المدن الذي يضم سلوفيانسك وكراماتورسك في دونيتسك، حيث يصبح التقدم أكثر ارتباطاً بالقدرة على عزل الدفاعات الأوكرانية وضرب خطوط الإمداد منها بمجرد زيادة عدد القوات المهاجمة.
وفي وقت تعتمد فيه روسيا على الكثافة البشرية التي تكلفها خسائر باهظة تصل إلى نحو ألف جندي مقابل السيطرة على كيلومتر مربع واحد، تنجح التكنولوجيا الأوكرانية في تعويض الفارق العددي وتقليل الخسائر الميدانية قدر الإمكان.
شروط تعجيزية تعطّل قطار المفاوضات
تظهر أرقام الواقع الميداني بطء التقدم الروسي، إذ لم تتمكن موسكو خلال عام 2025 من السيطرة إلا على أقل من 1% من الأراضي الأوكرانية. وبصورة عامة، لم تتجاوز نسبة الأراضي الخاضعة للسيطرة الروسية 20% منذ بدء الاقتطاع الميداني عام 2014 بضم شبه جزيرة القرم. كما أن مساعي موسكو الحالية لإكمال السيطرة على إقليم دونيتسك في الدونباس قد تستغرق أكثر من عامين إضافيين، وتكبد الجانب الروسي خسائر بشرية فادحة.
وتظل هذه المفارقة قائمة في 2026. تسيطر روسيا على نحو خُمس الأراضي الأوكرانية، لكن تحويل الضغط العسكري المستمر إلى حسم استراتيجي لا يزال بعيداً، فيما تتركز إحدى أهم المعارك المقبلة على ما تبقى من المدن الرئيسية الخاضعة لكييف في دونيتسك.
أما على الصعيد السياسي، فتكمن المشكلة في غياب الرغبة الروسية الجادة للجلوس إلى طاولة المفاوضات دون فرض شروط مسبقة، إذ تصر موسكو على اعتراف أوكرانيا بالأراضي المقتطعة، وتطالب بمنع انضمامها لأي حلف عسكري كحلف الناتو، إلى جانب وضع قيود مشددة على حجم الجيش الأوكراني وتسليحه.
وفي أحدث محاولة لكسر الجمود، تكثف الولايات المتحدة تحركها لإعادة موسكو وكييف إلى مسار التفاوض وتقريب "الخطوط الحمراء" بينهما، بعدما ناقش مسؤولون أميركيون وأوكرانيون خلال الأسابيع الأخيرة أفكاراً جديدة للدفع نحو وقف النار واستئناف المحادثات. وفي المقابل، تستمر العمليات العسكرية والضربات المتبادلة، ما يبقي المسار الديبلوماسي رهينة الفجوة بين شروط موسكو وما تقبل به كييف.
وهكذا تدخل معركة الاستنزاف مرحلة أكثر تعقيداً: موسكو توسع جيشها وتحافظ على قدرتها على رفد الجبهة بمقاتلين جدد، فيما تراهن كييف على المسيّرات والتكنولوجيا والضربات العميقة لرفع كلفة التفوق الروسي. وبين المسارين، قد تحدد الأشهر المقبلة ما إذا كانت الزيادة البشرية الروسية ستفتح الطريق أمام اختراق جديد، أم تتحول إلى وقود إضافي لحرب استنزاف طويلة.