هل تعيد مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية رسم توازنات الشرق الأوسط؟
بعد مفاوضات معقدة بوساطة باكستانية، ومساهمة من دول أخرى، تم التوصل إلى مذكرة للتفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، سيتم التوقيع عليها في جنيف بسويسرا؛ وهي في العمق لا تنهي حالة الحرب الدائرة منذ أكثر من مائة يوم، لكنها تمثل خطوة مهمة لفتح الطريق أمام اتفاق نهائي يرتقب أن يتوج مفاوضات ستنصب على القضايا الشائكة التي تم تأجيل الحسم فيها.
مذكرة التفاهم المتضمنة أربع عشرة نقطة تحمل الكثير من الإبهام والتأويلات التي تسمح لكل طرف بالتعبير عن ارتياحه وانتصاره في مواجهة خصمه؛ فماهي أهم بنود هذا الاتفاق الأولي، وما هي دلالاته الجيو سياسية بالنسبة للأطراف المعنية بهذا النزاع؟.
أولا: بنود غامضة قابلة للتأويل
في انتظار التوقيع الرسمي على مذكرة التفاهم فإن المذكرة التي نشرتها وسائل الإعلام الإيرانية خاصة تتضمن 14 بندا ترتب التزامات إيرانية، والتزامات أمريكية مستندة إلى وقف لإطلاق النار على جميع الجبهات.
بالنسبة للالتزامات الإيرانية فهي تقوم على:
إعادة فتح مضيق هرمز، ما يعني مبدئيا ضمان حركة الملاحة بالكامل بالنسبة للسفن التجارية. ويعني ذلك فك الحصار على ناقلات النفط المرابطة هناك، ما يساعد تدريجيا على ضخ كميات إضافية من النفط بشكل سيمكن من التأثير على الأسعار، وبالتالي التخفيف من معاناة المستهلكين على المستوى العالمي. لكن في الوقت الذي يتحدث الرئيس الأمريكي عن إعادة فتح غير مشروط فإن الصيغة الإيرانية تربط ذلك بالخضوع للترتيبات الإيرانية، ويعني ذلك حق طهران في تنظيم حركة الملاحة البحرية بتنسيق مع عمان من خلال فرض ما تسميه رسوم الخدمة على السفن العابرة؛ وهو أمر ترفضه أغلب الدول لكونه يتناقض وأحكام القانون الدولي، وخاصة اتفاقية مونتيغو باي المتعلقة بقانون البحار، التي تؤكد على حرية المرور البريء في الخلجان. لكن مع ذلك فإن فرض مثل هذه الرسوم المتعلقة بخدمات مقدمة للسفن العابرة لا تمثل سابقة، بل هي مطبقة في حالات أخرى كما هو الأمر بالنسبة لتركيا في تدبيرها لمضيق البوسفور.
الالتزام بعدم امتلاك أسلحة نووية، وعدم القيام بأي عمليات تخصيب إضافية لليورانيوم. ويبقى هذا الالتزام مجرد إعلان نوايا. فبالنسبة للغرب عموما، وإسرائيل والولايات المتحدة خصوصا، فإن رغبة إيران في الحصول على السلاح النووي تظل حقيقة لا نقاش فيها؛ والسؤال المطروح كيف يمكن بشكل فعال منعها من تحقيق ذلك، في وقت نعرف أن إسرائيل تملك ذلك النوع من الأسلحة؟ من الناحية العملية هل ستستطيع الإدارة الأمريكية إبرام اتفاق نووي مع إيران، أفضل من ذلك الذي أبرم في عهد إدارة الرئيس أوباما، بمساهمة الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، إلى جانب ألمانيا؟.
أما بالنسبة للولايات المتحدة فهي تلتزم مبدئيا بـ :
رفع الحصار عن الموانئ البحرية الإيرانية.
التنازل عن العقوبات المفروضة على قطاع الطاقة لفترة محدودة، ما يسمح لإيران بإعادة تصدير نفطها.
تحرير 25 مليار دولار من الودائع المجمدة، يتم دفع نصفها بمجرد التوقيع على مذكرة التفاهم.
هذه الالتزامات الأولية التي تتم في ظل إقرار وقف لإطلاق النار يمتد إلى جميع الجبهات، بما فيها الجبهة اللبنانية، ستسمح للطرفين بالدخول في مفاوضات لإبرام اتفاق نهائي، في ظرف ستين يوما، تتوخى الحسم في القضايا الشائكة التالية:
-الملف النووي الإيراني، بما فيه مصير شحنة المواد المخصبة التي تصر الولايات المتحدة على تصفيتها، والإمكانيات المتاحة لإيران لاستخدام الطاقة النووية لأغراض سلمية وفقا لاتفاقية منع الانتشار النووي، ما يسمح لها بتخصيب لا يتجاوز 60 في المائة. والجدير بالذكر أن الاتفاق الذي كان أبرم خلال ولاية الرئيس أوباما سنة 2015 كان فرض عددا من القيود على إيران، جعلتها في حالة استمرار العمل بالاتفاق غير قادرة على إنتاج قنبلة نووية (للتفاصيل أنظر مقالتنا: ما بعد الاتفاق النووي مع إيران، الاتحاد الاشتراكي، 24 يوليو 2015).
– رفع العقوبات بشكل نهائي، سواء تلك المقررة من طرف الولايات المتحدة، أو المتضمنة في قرارات مجلس الأمن أو الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ويعني ذلك تحرير الأرصدة الإيرانية المجمدة عبر العالم، التي يقدرها البعض بأكثر من مائة مليار دولار، ما يسمح لإيران بتجاوز الأزمة الخانقة التي تواجهها، وإعادة تحسين البنيات التحتية.
– وضع برنامج لإعادة إعمار ما دمرته الحرب، وهو ما يطرح مسألة التعويضات التي يمكن أن تقدمها الولايات المتحدة وحلفاؤها، وتقدرها إيران بثلاثمائة مليار دولار. ويعني هذا الأمر أن الدول الخليجية التي تعرضت لاعتداءات إيران ستكون مدعوة إلى المساهمة في هذا البرنامج الذي يعتبر حيويا بالنسبة للسلطات الإيرانية لرفع المعاناة عن مواطنيها، وبالتالي التخفيف من حجم المعارضة في البلاد.
– وضع آلية لمراقبة تنفيذ الطرفين مختلف الالتزامات. وفي هذا السياق فإن الدور الأوربي يمكن أن يكون حاضرا بفعل المواقف الأوربية التي فضلت نوعا من الحياد، وركزت على أهمية ضمان حرية الملاحة، والمساهمة عمليا في كل مسعى من شأنه تأمين الملاحة في مضيق هرمز.
ثانيا: التداعيات الجيو سياسية
إجمالا فإن هذا الاتفاق الأولي، رغم غموض مقتضياته، لاقى ترحيبا عبر العالم، باستثناء إسرائيل، لكونه يجنب الإنسانية مزيدا من الدمار، ويحيي الأمل في إعادة بناء نظام إقليمي على أسس جديدة، بقطع النظر عن تباين مواقف الطرفين في إدراك متطلبات مذكرة التفاهم، والتنازلات الضرورية لصياغة اتفاق نهائي.
تحاول الإدارة الأمريكية، وعلى رأسها الرئيس ترامب، تقديم هذا الاتفاق كدليل على الانتصار الأمريكي، وعلى أهمية القوة العسكرية في دفع إيران إلى الاستسلام، وبالتالي قبولها هذا الاتفاق… وفي المقابل فإن المسؤولين الإيرانيين يعتبرون ذلك كدليل على قدرة البلاد على الصمود في وجه العدوان الأمريكي الإسرائيلي، وعلى معاكسة المخططات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.
وفي الواقع فإن أغلب محللي هذه الحرب ظلوا يعتبرونها بمثابة مغامرة غير محسوبة للرئيس ترامب، وظل السؤال مطروحا حول ما إذا كان تم توريطه من طرف الوزير الأول الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي لم يخف نزعته العدوانية، ورغبته في فرض الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة برمتها.
لا شك أن العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية كبدت الجانب الإيراني خسائر جسيمة. ولا يشك أحد في التفوق العسكري والاستخباراتي الأمريكي. لكن، كما هو معروف، فإن الحرب ليست مجرد عمليات عسكرية؛ إنها أولا وقبل كل شيء إستراتيجية تروم تحقيق أهداف سياسية. وعلى هذا المستوى بدا واضحا منذ بداية العدوان العسكري الأمريكي أن أهداف الرئيس الأمريكي ظلت غامضة، أو ربما ارتكزت على معاينة خاطئة مضمونها أن اغتيال قيادات إيرانية سيفتح المجال واضحا لتأجيج الاحتجاجات وبالتالي إسقاط النظام وتعويضه بإدارة أكثر تعاونا وأكثر ليونة، كما هو الأمر بالنسبة لفنزويلا. لكن هذا الأمر كان يعبر عن قصور واضح في الإستراتيجية الأمريكية (انظر مقالتنا في هذا الموقع بعنوان الحرب على إيران.. غموض الأهداف ومخاطر التصعيد في الشرق الأوسط 5 مارس 2026). فالنظام الإيراني رغم الخسائر البشرية والمادية التي تكبدها ظل صامدا. وأكثر من ذلك فقد التجأ إلى استخدام سلاح فعال زاد من مصاعب الإدارة الأمريكية والعالم، وهو المتمثل في إغلاق مضيق هرمز الذي يمثل أحد شرايين الاقتصاد العالمي. هذا الأمر الذي واجهته الإدارة الأمريكية بضرب حصار على الموانئ البحرية الإيرانية لخنق الاقتصاد الإيراني أدى إلى ارتفاع في أسعار النفط، ما أفضى إلى ارتفاع الأسعار باقي المواد. وبقطع النظر عن التداعيات المؤلمة على شعوب العالم فإن المجتمع الأمريكي نفسه عانى من هذه المغامرة؛ وبالتالي أدى ذلك إلى انكماش في القدرة الشرائية للمواطن الأمريكي، ما ترتب عليه تراجع في شعبية الرئيس الأمريكي الذي بنى وعوده كلها على تجنب الحرب، بل أكثر من ذلك ظل مهووسا بالحصول على جائزة نوبل للسلام.
لذلك برز واضحا أن الإدارة الأمريكية رغم الخطابات المتناقضة حول مجريات العمليات العسكرية باتت في مأزق إستراتيجي طالما أنها افتقدت لأهداف سياسية واضحة، ما أجج السؤال حول مشروعية وجدوى هذه الحرب. أكثر من ذلك فإن الرئيس الأمريكي بات مهددا باحتمال خسارة انتخابات التجديد النصفي التي ستجرى في 3 نوفمبر المقبل، وهو الأمر الذي من شأنه أن يفقده الكثير من حرية المبادرة، ويضعف حتما من نزعته غير التوقعية.
عبرت إسرائيل بكل أطيافها عن خيبة أملها من التوصل إلى هذا الاتفاق. فواضح أن هدف إسرائيل ظل دائما منصبا على الإطاحة بالنظام الإيراني؛ لقد سعت إلى عرقلة كل اتفاق لدفع الإدارة الأمريكية إلى مزيد من الضربات، لأنها تدرك أنها لا يمكنها لوحدها قهر إيران. وفي خضم هذه الدينامية الجديدة يوجد الوزير الأول نتنياهو في مأزق إستراتيجي. فلا يمكنه معارضة، بشكل صريح، مخططات حليفه الأمريكي، وفي الوقت نفسه عدم إغضاب حليفه اليميني المتطرف؛ ومن ثم بدا موقفه مضطربا، خاصة في ما يتعلق بوقف العدوان على لبنان، وضرورة احترام السيادة الكاملة لهذا البلد، كما يؤكد على ذلك الخطاب الإيراني المتعلق بتأويل مقتضيات مذكرة التفاهم.
ما هو هامش المناورة المتاح لإسرائيل للتأثير على المفاوضات الأمريكية الإيرانية المقبلة في اتجاه إجهاض كل اتفاق نهائي تعتبر أنه يضر بمصالحها؟ هل ستكتفي بمواصلة سياسة العدوان والتوسع في غزة ولبنان وسوريا؟ ما هي إستراتيجيتها في ما يخص تعزيز الاتفاقيات الإبراهيمية من خلال جلب دول أخرى، وخاصة المملكة العربية السعودية؟ بمعنى آخر هل ستراجع إسرائيل سياستها التوسعية والعدوانية، والانخراط في البحث عن حل سياسي يأخذ بعين الاعتبار الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وباقي شعوب المنطقة، على أساس هندسة جيو سياسية ترتكز على متطلبات القانون الدولي والاعتراف المتبادل، أم إنها ستتشبث بالممارسات نفسها التي أفضت إلى عزلتها دوليا؟ تلك بعض الأسئلة المطروحة اليوم في سياق التطورات التي تشهدها المنطقة.
رغم الخسائر البشرية والمادية التي تكبدتها، ورغم الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، فإن النظام الإيراني بقي في مكانه، بل أكثر من ذلك فإنه عزز عدم هزيمته بالسيطرة على مضيق هرمز، وعلى استبعاد التفاوض على برنامجه البالستي، وعلى الرفع الجزئي للعقوبات، وهو ما يمكن اعتباره كانتصار لإيران؛ فسياسيا بالنسبة لدولة عانت من عدوان ثنائي أمريكي إسرائيلي مجرد البقاء هو إنجاز مهم في حد ذاته. أكثر من ذلك لم يعد من الممكن تصور ترتيبات أمنية للخليج دون الأخذ بعين الاعتبار مركز إيران كقوة لا غنى عنها. لكن مع ذلك يبقى السؤال مطروحا من جهة حول حقيقة القوى التي أصبحت مالكة مقاليد القرار في ظل اغتيال عدد من القادة الذي رسموا الإستراتيجية الإيرانية، ومن جهة ثانية ما هي التأثيرات المحتملة للتغيرات التي عرفتها المنطقة في علاقة إيران بحلفائها الصغار، كما هو الأمر بالنسبة لحزب الله، وحماس والحوثيين في اليمن، هل ستواصل سياسة زعزعة الاستقرار، أم ستركن إلى سياسة أكثر قابلية للتعايش مع حقائق دول الجوار، وخاصة ما يتعلق بلبنان الذي يبقى بمثابة قطب الرحى في كل ترتيبات سياسية مقبلة؟ وأخيرا هل المكاسب المادية التي حققتها النظام، وقد تكرس في خضم المفاوضات المقبلة، ستسمح بالاستجابة لبعض المطالب الاجتماعية، ولا سيما ما يخص مجال الحقوق والحريات، أم إن النظام سيكرس فقط إعادة بناء إستراتيجيته العسكرية، من خلال التشدد أكثر في مواجهة النزعات الاحتجاجية؟.
عبرت أغلب الدول الخليجية عن ارتياحها لهذا الاتفاق الذي سيسمح بتجاوز حالة الاحتقان التي عانت منها منذ اندلاع الحرب ضد إيران، لكنها تدرك جيدا أن معاناتها كانت كبيرة جراء هذه الحرب التي سعت إلى تجنبها دون جدوى؛ فعلاوة على الخسائر الاقتصادية، التي ستنعكس على مستوى نموها، فإنها أدركت أن المظلة الأمريكية ليست كافية لضمان حمايتها من الغارات التي شنتها إيران بدعوى وجود قواعد أمريكية في تلك الدول. علاوة على ذلك فإن الانعكاسات المترتبة على هذا الصراع الذي لم يفض إلى تغيير النظام في إيران تتطلب إعادة التفكير في النموذج الأمني الأكثر تعبيرا عن هواجسها، هل سيدفعها ذلك إلى إعادة النظر في بناء منظومتها الأمنية، وفي تحالفاتها؟ إذا كان الأمر كذلك ما هي تبلورات النظام الأمني الخليجي، ولا سيما في حالة المآل الإيجابي للمفاوضات الأمريكية الإيرانية الذي قد يفضي إلى واقع جديد يتطلب هندسة أمنية تأخذ بعين الاعتبار دروس هذه الحرب، وموازين القوى الجديدة التي أفرزتها.
على سبيل الختم باتت المنطقة في حالة لا حرب ولا سلم، ليس هناك يقين حول مآل هذا الاتفاق الأولي، لكن هناك اقتناعا متزايدا بأن القوة لا يمكن لوحدها أن تحل مشكلات هذا الفضاء الإستراتيجي؛ فلا مندوحة من إعطاء أكبر الفرص للحلول السلمية القائمة على دبلوماسية تعددية تراعي متطلبات الشرعية الدولية، والعيش المشترك بين كافة شعوب المنطقة.
The post هل تعيد مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية رسم توازنات الشرق الأوسط؟ appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.