هندسة التدفق.. هل تحولت حدود سبتة إلى “مختبر ميداني” لإسقاط الأحكام القضائية؟
لم يكن مشهد تدفق آلاف الشباب والمراهقين نحو شواطئ سبتة المحتلة خلال الـ 48 ساعة الماضية مجرد “أزمة هجرة” تقليدية؛ بل بدا للعديد من المراقبين الدوليين والمحليين كأنه سيناريو جرى رسم فصوله بدقة خلف الكواليس السياسية والأمنية العابرة للمتوسط. خلف غبار التدافع وصيحات العابرين، يبرز سؤال جوهري يتردد بقوة في صالونات مدريد والرباط: هل وظفت الحكومات “ورقة التدفق” كصدمة ميدانية متعمدة لإسقاط أحكام القضاء التي كبّلت أيدي رجال الأمن؟
انطلقت الشرارة الحقيقية للأزمة الحالية من قاعات المحكمة العليا الإسبانية، التي أصدرت مؤخراً حكماً قضائياً يمنع “الإرجاع الفوري” للمهاجرين الموقوفين في البحر، ملزمةً الأمن بمسارات قانونية معقدة. هذا الحكم وصفته الصحافة الإسبانية، مثل إل باييس وإل موندو، بأنه تحول فوراً إلى “عامل جذب” استغلته شبكات التهريب.
النقابات الأمنية الإسبانية، التي وجدت عناصرها في مواجهة موجة بشرية عارمة، أطلقت صرخات استغاثة واصفة الوضع بـ“الانهيار التام والخروج عن السيطرة“. بالنسبة لهذه النقابات، فإن القضاء، بأحكامه “الحقوقية المثالية“، قد نزع السلاح القانوني من يد الشرطة وترك الحدود مكشوفة، مما جعل من حدوث “صدمة ميدانية” أمراً حتمياً لإثبات عدم واقعية تلك الأحكام.
هذا التزامن العجيب منح المعارضة الإسبانية، ممثلة بالحزب الشعبي وحزب “فوكس“، ذخيرة سياسية حية. فقد سارعت المعارضة إلى اتهام حكومة بيدرو سانشيز بالعجز، بل والذهاب أبعد من ذلك بالحديث عن “ترتيب أمني ومخابراتي مسبق” يهدف إلى خلق أزمة مصطنعة تفضي إلى حلٍّ وحيد: إسقاط مفاعيل حكم المحكمة العليا وإعطاء الضوء الأخضر لإعادة الترحيل القسري الفوري تحت بند “حالة الطوارئ الواقعية“.
ما يعزز هذه الفرضية التحليلية هو السلوك السياسي المثير لوزارة الداخلية الإسبانية؛ فبدلاً من توجيه أصابع الاتهام للمغرب كما جرت العادة في أزمات سابقة (مثل أزمة 2021)، سارعت مدريد إلى الإشادة المطلقة بالجهود الأمنية المغربية ووصفت التنسيق بـ“النموذجي“. والأكثر إثارة كان السرعة القياسية غير المسبوقة (في غضون ساعات) التي أبرمت بها الحكومتان اتفاقاً مستعجلاً لإعادة وترحيل كل من دخل سبتة، بما في ذلك الفئات المحصنة قانونياً كالقاصرين والنساء، في خطوة بدت كأنها “تجاوز تنفيذي صريح” لقرارات القضاء المحلي باسم السيادة والأمن القومي.
على الجانب الآخر من الحدود، لا يمكن قراءة موقف السلطات الأمنية المغربية بمعزل عن العبقرية السياسية ورمزية التوقيت. لقد تزامن هذا الحادث مع احتفالات الشارع المغربي بـ عيد العرش، وهي مناسبة وطنية تحظى بأعلى درجات الأهمية والقدسية السياسية في المملكة، حيث تكون كل الأجهزة في حالة استنفار وجاهزية قصوى.
ومع ذلك، لاحظت الصحافة الدولية، مثل رويترز وفرانس برس، أن القوات المغربية لم تتدخل بعنف مفرط لوقف التدفق الجماعي عند النقط الصفرية، بل اتسمت مقاربتها بـ“الهدوء الميداني الذكي“. هذا التغاضي الجزئي المحسوب، أو غياب العنف، حمل في طياته رسائل بالغة الدلالة:
للداخل المغربي: تفادي أي صدام عنيف أو دامي مع قاصرين وشبان مغاربة في يوم عيد وطني، وهو ما كان سيشكل هدية مجانية لمنتقدي حقوق الإنسان ويُعكر صفو الاحتفالات.
للمؤسسات الأوروبية والقضاء الإسباني: رسالة صامتة مفادها أن المغرب هو الحارس الحقيقي للحدود، وأنه عندما تُكبّل الأحكام القضائية الأوروبية أيدي الأمن الإسباني، فإن المغرب لن يلعب دور “الشرطي العنيف بالوكالة” لحماية حدود دولة جارة قيدت نفسها بقوانينها.
لقد نجحت “هندسة الأزمة” في تحقيق هدفها السياسي برمتِهِ؛ فقد أدت الصدمة الميدانية في سبتة إلى تراجع النقاش الحقوقي لصالح المبررات الأمنية. ومن خلال المسارعة إلى تطبيق اتفاق الترحيل الفوري بتنسيق كامل بين الرباط ومدريد، وجهت السلطات التنفيذية في البلدين ضربة قاضية لروح الحكم القضائي للمحكمة العليا.
كما أثبتت أحداث الـ 48 ساعة الماضية أن واقعية الميدان والاتفاقيات الأمنية المشتركة قادرة، عند الحاجة، على إزاحة كبح المحاكم، لتبقى الهجرة دائماً الورقة السياسية الأكثر ديناميكية في حوض البحر الأبيض المتوسط.