هندسة انتخابات شتنبر2026  ومخاض “حكومة المونديال”..

حين أفرزت صناديق اقتراع شتنبر 2021 مشهدها الملتبس، كتبت مقالاً تحليلياً بعنوان:  “من الخيمة خرج مايل”، تنبأت فيه بدقة مبكرة بمآلات حكومة عزيز أخنوش وطبيعة تحالفها الثلاثي المحكوم بزواج المال والسلطة. وفي تلك المحطة الانتخابية، أطلقت دعوة جريئة لمقاطعة التصويت، قناعةً مني بأن الانتخابات مجرد عملية شكلية لا تقود بالضرورة للتغيير .. واليوم، ها أنا أجد نفسي أمام واقع سياسي يكاد يكون قد ازداد قتامة على مستوى انسداد الأفق الاجتماعي وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين. ومع ذلك، لا أستطيع اليوم أن أردد نفس الدعوة المباشرة وأقول للمغاربة “لا تصوتوا”..

فرغم قناعتي الراسخة ورفضي الشخصي للترشح للبرلمان، واستمراري على موقف مقاطعة العمل السياسي المؤسساتي احتجاجاً على المنظومة الحزبية المأزومة، أدرك أن مقاطعة الشارع وحدها لم تعد تكفي إن لم تقترن بوعي جمعي حقيقي. إن عزوفي عن ولوج المؤسسات ينبع من رفض مُطلق لمنظومة باتت أسيرة لهيمنة المال السياسي الفاسد الذي يتحكم في مخرجات العملية الانتخابية ، وحين يغيب الوعي بأهمية الصوت الانتخابي – الذي هو “سوط” في يد الناخب لمحاسبة الفاسدين – ويقبل البعض ببيع ضمائرهم مقابل دريهمات، تفقد العملية برمتها معناها الديمقراطي.

هندسة الاحتجاج

هذا الانسداد المزمن في قنوات التمثيل الحقيقي هو ما يفسر بعمق الانفجارات الاجتماعية والسياسية التي شهدها المغرب، ولا سيما حراك 2011 ضمن محطة “حركة 20 فبراير”. فلم تكن تلك الاحتجاجات العارمة سوى صرخة غضب ضد إصرار الدولة العميقة على التدخل السافر في هندسة الخريطة الحزبية وفرض واجهات سياسية مصطنعة تفرغ المؤسسات من محتواها.

فحين يتم التحكم القبلي في تشكيل المجالس وتدجين الأحزاب وإبعاد الكفاءات الحقيقية لصالح شبكات الأعيان والتحكم، يصبح الاحتقان الاجتماعي نتيجة حتمية لمسار طويل من هندسة الفوق ومصادرة الإرادة الشعبية الصادقة. لم تكن الاحتجاجات سوى رد فعل عضوي على محاولات ترويض المجال السياسي وإدارته بمنطق الشركات والمخازن الحزبية. وما نعيشه اليوم من استمرار لنفس النهج الهندسي، عبر تفصيل الأحزاب على مقاس النخبة الإدارية، يؤكد أن مخاض 2011 لم يُحدث القطيعة المنشودة مع عقيدة “أحزاب الإدارة”، بل أعاد إنتاجها بأشكال أكثر تعقيداً تدمج بين التكنوقراطية المطلقة وسطوة المال الانتخابي.

جذور التاريخ

وتتأرجح الذاكرة السياسية بين ثنايا مقولة شهيرة للملك الراحل الحسن الثاني حين قال في لحظة مكاشفة وغضب لبعض وزرائه: «أستطيع أن أجعل من سائقي وزيراً»، ضارباً لهم المثل في الانضباط ومؤكدًا أن بعض وجوه المشهد لا تمتلك حتى كفاءة أو التزام السائق الشخصي. لم تكن هذه العبارة زلة لسان، بل كانت إقراراً مبكراً بطبيعة الهندسة الفوقية التي تتحكم في صناعة النخب وتوجيه دفة القرار بعيداً عن منطق الصناديق.

أحزاب الإدارة

وإن تتبع التاريخ السياسي المغربي يبرز بوضوح أن صناعة “أحزاب الإدارة” لم تبدأ اليوم، بل هي عقيدة متجذرة في مخاضات السلطة. فعندما تأسست جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية (FDIC) سنة 1963 بإيعاز من مهندس الإدارة الأول أحمد رضا كديرة، كان الهدف واضحاً: خلق إطار سياسي للإداريين والمقربين من دواليب القصر لمواجهة المد العارم للأحزاب الوطنية والتاريخية كحزب الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية.

وتكرس هذا النهج في حقبة امتدت لعقود تحت القبضة الحديدية لوزير الداخلية الأقوى في تاريخ المغرب الحديث إدريس البصري، حيث كانت الخرائط الحزبية تُهندس في كواليس الإدارة الترابية، وتُصنع الأغلبية البرلمانية عبر هندسة دقيقة للأعيان وتوجيه الولاءات، ليولد البرلمان دائماً من رحم التعليمات لا من رحم الإرادة الشعبية الحرة. وفي الألفية الثالثة، استمر نفس التقليد المخزني ولكن بثوب حداثي مع تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة سنة 2008 على يد شخصية نافذة كانت تنتمي لدواليب وزارة الداخلية ومقربة من مراكز القرار، وذلك تحت غطاء “حركة لكل الديمقراطيين”، بهدف إعادة تشخيص الحقل الحزبي ومواجهة المد الإسلامي، وجلب نخب المال والأعمال والتكنوقراط لضمان توازن السلطة.

حكومة المونديال

وفي قلب هذا المشهد المتجدد، يبرز حدث سياسي بالغ الدلالة يعيد إلى الأذهان كل هذه المحطات التاريخية لمهندسي الدولة، ويتمثل في الضجة الكبيرة التي أثارتها التقارير والتحليلات حول ارتباط اسم شخصية تكنوقراطية وازنة بحجم فوزي لقجع – الرجل الذي يمسك بزمام التدبير المالي الدقيق للميزانية، ويدير قطاع كرة القدم، ويقود قاطرة تنظيم مونديال 2030 – بحزب الأصالة والمعاصرة ..غير أنه من باب الأمانة العلمية، لا بد من استحضار الموقف الرسمي للمعني بالأمر؛ ففوزي لقجع خرج بنفسه لينفي هذه الروايات القائلة بانخراطه الحزبي، مؤكداً في تصريحاته الصحفية (التي نقلتها منابر إعلامية وطنية من قبيل “ميديا 24”) أنه لم يحسم بعد أي قرار بشأن الترشح أو الانتماء الحزبي، وأن ما يروج في هذا السياق ليس سوى “بروباغندا إعلامية” يقف وراءها حزب الأصالة والمعاصرة، ومشدداً على أن ممارسة حقه الدستوري يبقى أمراً شخصياً سيعلن عنه بنفسه في الوقت المناسب.

وعلى الرغم من هذا النفي الصريح، فإن مجرد تداول هذا السيناريو على نطاق واسع يعكس بعمق طبيعة تقليد تاريخي راسخ في إقحام “تكنوقراط الدولة” في واجهة العمل الحزبي كلما استدعت الضرورة الاستراتيجية ذلك. تماماً كما كان أحمد رضا كديرة يترأس واجهات الإدارة السياسية، وكما كان إدريس البصري يوجه هندسة الخرائط، يأتي الجدل حول نموذج فوزي لقجع ليعكس تداخل مسارات الإدارة العليا والتدبير المالي مع الهاجس الحزبي.

وهنا بالتحديد، يبرز السؤال المثير والمحوري الذي يشغل صالونات السياسة: ماذا لو أصبح فوزي لقجع رئيساً لحكومة المونديال؟ هذا التساؤل، وإن قابلته تحفظات المعني بالأمر ونفيه لكونه “بروباغندا حزبية”، إلا أنه يظل الاستنتاج الطبيعي لمنطق الهندسة السياسية الجارية..

وهنا تتجلى بوضوح تام الفلسفة العميقة التي لخصها الكاتب والساخر المصري الراحل جلال عامر بعبارته العبقرية والمريرة: “في عالمنا العربي، نتيجة الانتخابات تُعرف قبل إجرائها، ويكمن التشويق الوحيد في معرفة من سيتم عقابه بها”. هذه المقولة ليست مجرد نكتة سوداء تعبر عن سخرية القدر السياسي العربي، بل هي مرآة كاشفة لجوهر الهندسة السياسية المستقبلية في المغرب. فالمغاربة اليوم، وقبل حتى أن تفتح صناديق الاقتراع أبوابها في شتنبر 2026، يقرؤون بتبصر تام تفاصيل الخريطة القادمة؛ حيث يتوقع الجميع، بل يجزمون، بأن حزب “التراكتور” وقياداته “التكنوقراطية الجديدة” في طريقهم لتصدر المشهد وتوجيه دفة الحكومة المقبلة بغض النظر عن الأشكال التكتيكية للنفي أو الإثبات..

إن التشويق الوحيد المتبقي في هذه العملية الانتخابية ليس هو “من يفوز؟”، بل هو حجم التضحيات الاجتماعية التي سيتم عقاب المواطن البسيط بها تحت غطاء “الإصلاحات الهيكلية”وتنظيم المونديال..

سقطة التقارير

في مقابل هذا الحراك التنظيمي الهادف إلى إعادة ترتيب المشهد الحزبي وصناعة واجهات المستقبل، تعيش الأغلبية الحكومية الحالية، بقيادة عزيز أخنوش، على وقع احتقان صامت بين ما ترفعه من شعارات براقة وما يفرضه الواقع المعيشي. استند الخطاب الحكومي طيلة نصف الولاية على يوتوبيا “الدولة الاجتماعية”، مُروّجة لنجاحات كبرى في النمو والتشغيل، غير أن الرياح المؤسساتية جاءت بما لا تشتهي السفن، وتحديداً حين صدور التقرير السنوي لوالي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، أمام أنظار العاهل المغربي ليكشف المستور ويهدم بناء الأرقام الوردية.

أماط التقرير اللثام عن بون شاسع وتناقض صارخ بين لغة التفاؤل الحكومي وأنين المواطن البسيط الذي اكتوى بنار التضخم، مؤكداً أن نسب النمو المحققة تظل هشة وعاجزة هيكلياً عن خلق مناصب شغل كافية. يعري هذا الوضع المأزوم محدودية المقاربة البيروقراطية البحتة، ويؤكد أن هندسة الدولة الاجتماعية تظل حبراً على ورق ما لم تكن مقرونة بسياسات اقتصادية حقيقية تعيد توزيع الثروة.

حكومة عبد الله إبراهيم

وأمام هذا الباب المسدود والتخبط المستمر بين شعارات التنمية وواقع الأزمة، يجد المتأمل في التاريخ السياسي المغربي نفسه في أشد الحاجة إلى استحضار الروح الوطنية والاجتماعية التي طبعت تجربة حكومة عبد الله إبراهيم (1958-1960). لقد مثلت تلك الحكومة المضيئة لحظة نادرة في تاريخ المغرب المعاصر تجسدت فيها استقلالية القرار الوطني، والانتصار للطبقات الشعبية والعمالية، وربط التنمية بالاكتفاء الذاتي والعدالة الاجتماعية بعيداً عن منطق الريع وهيمنة لوبيات المال والسلطة. إننا اليوم في أمس الحاجة للعودة إلى جوهر تلك المبادئ، لأن الأزمة البنيوية لا يمكن حلها بمجرد هندسة حزبية فوقية أو تدوير نخب تكنوقراطية مرتبطة بالدوائر المالية الضيقة، بل تستدعي مشروعاً مجتمعياً ديمقراطياً يؤمن بأن التنمية تبدأ من رد الاعتبار للإنسان المغربي ومحاربة آفة المال الفاسد.

أفق ما بعد شتنبر 2026

وعليه، فإن انتخابات شتنبر 2026 لن تكون مجرد استحقاق تشريعي عادي، بل ستشكل محطة مفصلية لإعادة هندسة المشهد السياسي برُمته في أفق محطة 2030. إن التزاوج الحاصل بين استقطاب الوجوه التكنوقراطية الوازنة مثل فوزي لقجع نحو حزب الأصالة والمعاصرة وبين الإخفاقات الاجتماعية لحكومة أخنوش، ينذر بميلاد خارطة سياسية جديدة تتجاوز فيها الدولة المنطق الحزبي الكلاسيكي نحو منطق “التدبير التكنوقراطي” الصارم.

لكن الخطأ القاتل الذي قد تقع فيه دواليب القرار هو الاعتقاد بأن تنظيم مونديال 2030 يشكل نهاية التاريخ أو طوق نجاة سحري يعفي البلاد من الأزمات؛ فليس الخطير هو تنظيم التظاهرة الكبرى في حد ذاتها، بل تكمن الكارثة الحقيقية في كلفة التنظيم الباهظة وما ستفرضه من مديونية مفرطة كفيلة بإدخال الاقتصاد الوطني في دورة أزمات هيكلية يصعب الخروج منها. إن الوضع العام اليوم لا يبشر بخير البتة، لاسيما وأن احتجاجات جيل زد (Gen Z) لازالت ساخنة في العمق ولم تنطفئ جذوتها، معبرة عن غضب صامت ورفض جذري لواقع التهميش..

إن البلاد لم تعد تحتمل المسكنات البيروقراطية أو الترقيع المؤقت، وهي اليوم في أمس الحاجة إلى إصلاحات بنيوية وجذرية تقطع دابر الريع، فالتضخم المستشري في حجم المديونية والتحولات الدولية الراديكالية تضع المغرب أمام مخاطر مستقبلية داهمة يصعب التحكم في مخرجاتها إن استمر تجاهل الأنين الاجتماعي. يجد المواطن نفسه عالقاً بين مطرقة وعود لم تتحقق وسندان هندسة حزبية وفوقية لا تولي اهتماماً كبيراً لانتظاراته اليومية، مدفوعاً بمرارة بيع الأصوات وسطوة المال الفاسد. وتبقى الأيام وحدها كفيلة بإظهار ما إذا كانت هذه الهندسة الاستباقية ستنجح في عبور عتبة المونديال، أم أنها ستصطدم بجدار الواقع الاجتماعي العصي على الترويض، لتؤكد مجدداً أن بناء الأوطان الحقيقي يبدأ من العدالة الاجتماعية لا من مجرد هندسة النخب وتدوير النفوذ.

إقتصاد في سياسة

ولمن أراد التحرر من سطحية الطروحات الكلاسيكية والتعمق أكثر في هذه الرؤية الجيو-اقتصادية والفلسفية الهيكلية الشاملة، ومتابعة تفاصيلها الرياضية والكمية وأبعادها السوسيو-اقتصادية المقارنة بالتحليل المرئي والمسموع، يمكنه الانضمام إلى النقاشات الأكاديمية المعمقة وبسط هذه الجدليات المعقدة عبر حلقات برنامج “اقتصاد في سياسة” المتاحة على المنصة الرقمية من خلال الرابط التالي: youtube.com/@TarikLissaoui .. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون..

أكاديمي وكاتب

اقرأ المقال كاملاً على لكم