وجود الطائرة المسيّرة في الأجواء...بين التلوث السمعي والخطر النفسي
هناك إجماع على الإزعاج الذي يسببه أزيز الطائرات المسيرة الإسرائيلية، التي تحلق بشكل متواصل فوق رؤوس المواطنين اللبنانيين. لكن التأثيرات النفسية والجسدية تذهب إلى أبعد من ذلك، وإن كان كثيرون لا يدركون هذا. فلهذا الصوت نتائج تظهر على السمع وعلى الصحة النفسية، ويحذّر منها الخبراء، خصوصاً حين تستمر في إصدار صوتها لفترات طويلة.
![]()
ما مستوى الصوت الناتج من الطائرة المسيرة الإسرائيلية؟
تصدر طائرات الاستطلاع الإسرائيلية، مثل الـ MK، صوتاً يتراوح مستواه ما بين 50 و75 ديسيبل. لدى سماعه، يبدو التعبير عن الانزعاج أول ردود الفعل، والإزعاج هو أبرز التأثيرات التي يجري التحدث عنها عادةً. لكن الهدير الذي يمكن التعرض له لساعات طويلة لا يقتصر على ذلك أثناء وجودها المستمر في الأجواء. بطبيعة الحال، يختلف مستوى الصوت بحسب علو الطائرة وحجمها. كذلك، فإن طول مدّة التعرض للصوت الناتج من الطائرة المسيّرة له الأثر الأكبر على السمع. فلا يمكن إلا أن يؤخذ بالاعتبار تأثير التعرض المطوّل لهذا الصوت على الأذنين، وما يسبّبه من إجهاد على مستوى السمع.
كيف تتأثر الأذنان بصوت المسيّرة؟
بحسب ما توضحه الطبيبة الاختصاصية في أمراض الأنف والأذن والحنجرة في المركز الطبي للجامعة اللبنانية الأميركية - مستشفى رزق، الدكتورة رنا بركة، بشكل عام، إذا كان مستوى الصوت الناتج عن الطائرة المسيّرة بمعدل 70 ديسيبل فقد يكون التعرض لها آمناً إلى حدّ ما، ولو بعد ساعات طويلة من التعرض له. وأما إن كان ما بين معدّل 70 و80 ديسيبيل فمن المفترض اتّخاذ الاحتياطات اللازمة، وإن لم تكن هناك دراسات أو توصيات واضحة حول هذا المستوى. لكن إذا ما تخطّى الصوت مستوى 80 ديسيبل فهنا يزيد الخطر، بالنظر إلى توصيات منظمة الصحة العالمية بشأن عدد الساعات التي يمكن فيها التعرض للأصوات. ولكن حتى يحصل الأذى الفعلي، من المفترض التعرّض لمستوى 80 ديسيبيل لمدة 8 ساعات أو أكثر، ما يعتبر مستبعداً - بحسب بركة - في هذه الحالة. فمن المستبعد أن يكون الدرون موجوداً على مقربة من الأذنين لساعات متواصلة بمعدل 8 ساعات بما يشكل هذا الخطر الذي يشار إليه.
من جهة أخرى، من المفترض أن يكون معظم الأشخاص في منازلهم أو في أماكن عملهم؛ ومن الممكن أن يقفلوا النوافذ ويجلسوا في الداخل للتخفيف من مستوى الصوت الذي يجري التعرض له. كذلك، يمكن أن يضعوا سدّادات أذن أو يستمعوا إلى صوت آخر في هذه الأثناء. بالتالي - بحسب بركة - لا يكون الصوت مرتفعاً إلى درجة كبيرة تسبّب أذى بارزاً في الأذنين. وحتى إذا بدا الصوت مرتفعاً، فقد يكون ذلك موقتاً مع انخفاض علو الطائرة المسيّرة قبل أن تنتقل إلى مكان آخر. لكن في بعض الأحيان يكون هناك شعور بأن وجود الطائرة المسيّرة كان متواصلاً ومزعجاً لفترة طويلة؛ فحتى في هذه الحالة، لا تطول مدة التعرض لأكثر من 8 ساعات، وهي المدة التي يمكن أن يؤدي وجود الدرون فيها إلى الضرر . لذلك، من المستبعد أن تسبب الطائرة المسيرة بصوتها ضرراً دائماً للسمع.
ما الأثر النفسي لوجود الطائرة المسيّرة؟
إذا كان تأثير الطائرة المسيّرة على السمع جدلياً، فهو ليس كذلك على المستوى النفسي، إذ يجزم الخبراء بأن وجودها يترك أثراً نفسياً مؤكّداً وواضحاً؛ فحالة الاستنفار الدائم التي يفرضها وجود الطائرة المسيرة في الأجواء كفيلة بوضع الجهاز العصبي في حالة دفاعية دائمة. يعتبر صوت الطائرة المسيّرة بمثابة إنذار للجهاز العصبي بشكل مزمن، بحسب الاختصاصية في المعالجة النفسية لانا قصقص. كذلك، يشكل تهديداً للجهاز العصبي والدماغ، ويؤثر سلباً على القدرة على التحمل والسلوكيات. لذلك، عندما يكون هذا الصوت موجوداً في حياتنا بشكل مستمر، فحالة التيقظ المفرط تستمر لدى الإنسان بما أنّ من يعيش في مناطق، حيث تستمر فيها الدرون مثل لبنان، يتعلّم أن أصوات الطائرات وتلك غير المعتادة تشكّل خطراً أو تهدّد بحدوث كارثة محتملة. بالتالي، يكون هناك ربط في الدماغ بين هذه الأصوات والتهديد للإنسان، فيبقى الجهاز العصبي في حالة يقظة مستمرة.
بحسب قصقص، يستمر المواطن بسماع هذا الصوت ليلاً، ما يسبب حساسية زائدة منه، وعدم قدرة على عيش أوقات طبيعية، بل يصبح الجسم في حالة طوارئ مستمرّة. أما استمرار هذا الصوت فيولّد لدى الإنسان شعوراً دائماً بعدم الارتياح، وبانعدام الأمان، وبإمكان حدوث أمور غير متوقعة، ما يجعل الدماغ يتعامل مع هذا التهديد بطريقة مشابهة لتلك التي يواجه فيها الصدمات. وفق ما توضحه قصقص، يسبّب هذا التعرض المستمر لهذا الصوت:
-إنهاكاً نفسياً.
-انفعالات مستمرة.
-توتراً دائماً.
-تبلّداً عاطفياً بما أن الحياة تستمر بوجود الطائرة المسيّرة في الأجواء، ما يجعل الدماغ في حالة مشابهة لاضطراب ما بعد الصدمة.
يضاف إلى ذلك أن وجود الطائرة المسيّرة في الأجواء بشكل مستمر يولّد شعوراً بالعجز أمام هذا الصوت لعدم إمكان الهروب منه أو وقفه، ما يفقد الإنسان الإحساس بالسيطرة تدريجاً، ويسبب شعوراً بالعجز والإحباط.
من جهة أخرى لا يتعامل الجهاز العصبي مع الإحساس بالأمان بشكل منفصل، فوجود هذا الصوت بشكل مستمر لا يسمح للجهاز العصبي ببلوغ مرحلة الراحة والتنظيم وضبط الأمور ليتوفر الشعور بالأمان. ولو كان الإنسان يدرك أن لا شيء سيحصل، فإن هذا الصوت ينتزع منه الإحساس بالأمان، فيبقى الجهاز العصبي بحالة تأهّب وهروب أو هجوم، ما يستنزفه ويستنزف الدماغ، بل قد يؤدي حتى إلى أعراض جسدية مثل:
-ضيق النفس.
-الرجفة.
-التسارع في دقات القلب.
-أوجاع في العضلات.
-التوتر.
-التعب مزمن.
تعتبر قصقص وجود الطائرة المسيرة في الأجواء بشكل مستمر عنفاً نفسياً، وأداة سيطرة نفسية، بحيث يكون المجتمع كاملاً في حال ترقب دائم وتعب مزمن ويقظة مفرطة في ظل عدم القدرة على المواجهة أو التحكم به. هذا العنف يبرمج الدماغ على ربط الصوت المستمر باحتمال وجود خطر أو قصف، وهذا الاستنفار يرفع مستويات الكروتيزول والتوتر مع ما ينتج من ذلك من مشكلات عديدة مثل:
-القلق.
-اضطرابات النوم.
-الصعوبة في التركيز .
-إرهاق نفسي وجسدي.