ولادة تهزم قرناً من الغياب… حكاية عودة الأوناغر إلى الجزيرة العربية
بعد أكثر من مئة عام من الغياب، يعود الأوناغر إلى أرض الجزيرة العربية لا من خلال صور التاريخ أو الروايات القديمة، بل عبر مهر صغير وُلد في قلب محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية في شمال غرب السعودية. ولادة تحمل في تفاصيلها قصة استعادة نوع بري كان يوماً جزءاً من هوية هذا المشهد الطبيعي.
وتُعد محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية واحدة من المحميات الملكية الثماني في المملكة، وتمتد على مساحة 24,500 كيلومتر مربع، من سهول الحرات البركانية إلى البحر الأحمر، لتشكل ممراً بيئياً يربط بين مشاريع نيوم والبحر الأحمر العالمية والعلا، كما تحتضن مواقع طبيعية بارزة مثل وادي الديسة ووجهة "أمالا".

ورغم أن المحمية لا تمثل سوى 1% من مساحة اليابسة في المملكة و1.8% من مساحتها البحرية، فإنها تضم 15 نظاماً بيئياً رئيسياً وتحتضن أكثر من نصف الثدييات والطيور البرية المسجلة في السعودية، ما يجعلها من أغنى المناطق المحمية بالتنوع الحيوي في الشرق الأوسط.
وفي إطار رؤيتها لإعادة النظم البيئية الطبيعية والثقافية، تعمل المحمية على إعادة توطين 23 نوعاً محلياً عاشت تاريخياً في المنطقة، وقد نجحت بالفعل في إعادة 14 نوعاً إلى موائلها الأصلية، من بينها المها العربي، والأوناغر، والنعام أحمر الرقبة، وغزال الرمال، والغزال الجبلي، ضمن برنامج "إعادة إحياء الجزيرة العربية".

الرئيس التنفيذي للمحمية لـ "النهار: ولادة مهر أوناغر في السعودية أكثر من إنجاز
وفي حديث خاص لـ"النهار"، يؤكد الرئيس التنفيذي لمحمية الأمير محمد بن سلمان الملكية أندرو زالوميس أن ولادة الأوناغر تمثل محطة استثنائية في مسيرة الحفظ البيئي بالمملكة، ويقول: "نعيد من خلال برنامج إعادة إحياء الجزيرة العربية نوعاً شكّل ملامح هذا المشهد الطبيعي لآلاف السنين. إن ولادة أول مهر أوناغر على الأراضي السعودية منذ أكثر من قرن تمثل أكثر من مجرد إنجاز في مجال الحفاظ على الطبيعة".
وتحمل هذه الولادة أهمية عالمية خاصة، إذ يُصنف الأوناغر ضمن الأنواع المهددة بالانقراض بدرجة حرجة، ولا يتبقى منه في البرية سوى أقل من 600 فرد فقط، ما يجعل ولادة كل مهر جديد خطوة مهمة في طريق الحفاظ على هذا النوع.

تحديات البقاء واستعادة المفقود
لكن ولادة المهر ليست نهاية الرحلة، بل بداية تحدٍ جديد يتمثل في ضمان أن يعيش هذا النوع ويستمر في موطنه التاريخي.
ويرى زالوميس أن إعادة الأوناغر إلى موطنه التاريخي لا تتوقف عند تحقيق ولادات جديدة، بل تتطلب ضمان استدامة النوع على المدى الطويل. ويُعد فقدان الموائل الطبيعية من أكبر التحديات، إذ كان الأوناغر من أكثر الحيوانات قدرة على التنقل لمسافات شاسعة عبر الجزيرة العربية قبل أن تؤدي مشاريع التنمية وشبكات الطرق إلى تعطيل مسارات هجرته التاريخية.
وفي مواجهة هذه التحديات، وسّعت المملكة شبكة المناطق المحمية بشكل غير مسبوق، فارتفعت نسبة الأراضي المحمية من 4.5% عام 2018 إلى 18% اليوم، فيما ارتفعت نسبة المناطق البحرية المحمية من 2.5% إلى 16%، في خطوة تدعم هدف حماية 30% من اليابسة والبحر بحلول عام 2030.
ويلخص زالوميس هذه الرؤية بقوله: "إن بناء مجموعات مؤسِّسة اليوم هو السبيل لمنع انقراض الأنواع غداً".

كنوز طبيعية تتجاوز الأوناغر
ولا يقتصر دور المحمية على حماية الأوناغر وحده، فهي موطن لمجموعة واسعة من الأنواع النادرة والمهددة بالانقراض. فقد سجلت الدراسات وجود الذئب العربي والضبع المخطط، إلى جانب طيور جارحة نادرة مثل العقاب الأسود والنسر الأسمر والنسر المصري.
وفي مياه البحر الأحمر، تجد أبقار البحر (الأطوم) والسلاحف صقرية المنقار ملاذاً آمناً للتغذية والتعشيش، فيما نجح فريق البحث العلمي في اكتشاف خمسة أنواع جديدة للعلم، بينها نوعان من الزواحف وثلاثة أنواع نباتية، بحسب زالوميس.
وفي قلب هذه المنظومة البيئية، يبرز وادي الديسة، المدرج على القائمة التمهيدية للتراث العالمي لدى "اليونسكو"، حيث تنمو نباتات الأوركيد الشرقي النادرة وأشجار العرعر المعمرة التي يتجاوز عمر بعضها 400 عام.