وهم الملجأ الآمن .. مأساة القاصرين في سبتة تفضح التقصير الإسباني

طالما شَكّلت القارة الأوروبية في المخيال الجماعي للمهاجرين حلما بالخلاص، وملاذا آمنا تحميه ترسانة من القوانين والمواثيق المؤسسة لحقوق الإنسان، غير أن هذا البريق الأخلاقي الذي لطالما تغنَّت به أوروبا عموما، وإسبانيا على وجه الخصوص، سرعان ما يَخبو ويَتلاشى عند أول احتكاك بصخرة الواقع.

إن الفظائع التي طَفَت على السطح مؤخرا في ثغر سبتة المحتل لا تُمثل مُجرَّد حوادث عابرة، بل تشكل إدانة صارخة لانهيار منظومة الحماية الإسبانية، وتَضعُنا أمام مرآة تَعكِس أبشع صور النفاق السياسي، وفي خضم هذا الواقع القاتم، تَبرُز الحاجة الملحة لإعادة تقييم المعادلة غير المتكافئة في تدبير ملف الهجرة، حيث يَتحمَّل المغرب مُنفردا أعباء قارية، في حين تَعجز إسبانيا عن حماية أطفال عُزَّل على أراضيها.

لقد نَقلت الصحافة الإسبانية مَزاعم تُدمي القلوب ويندى لها الجبين، فوفقا لما أوردته صحيفة “إل إسبانيول” (El Español)، استقبل المستشفى الجامعي بسبتة، خلال أسبوع واحد فقط، ما لا يَقِل عن خمس فتيات قاصرات، لم تتجاوز أعمارهن الرابعة عشرة، بدعوى تَعرُّضهن لاعتداءات جنسية واغتصاب.

وتدَّعي الجهة التي عَمَّمت هذه الأرقام المفزِعة أنها لا تمثل سوى قمة جبل الجليد، زاعمة أن مَصادر طبية قَدَّرت أن العدد الحقيقي للضحايا يَفوق ذلك بكثير، نظرا لخوف العديد من القاصرات من الإبلاغ عن الجرائم التي طالتهن، ولم تتوقف حدود هذه الهمجية عند الفتيات، بل طالت حتى الذكور، حيث سُجل وجود طفل واحد على الأقل ضمن ضحايا هذه الاعتداءات المفترضة.

إن ما يَزيد من قتامة المشهد هو غياب مؤسسات الدولة الإسبانية عن أداء دورها البديهي في الحماية، فقد كشفت صحيفة “إل بويبلو دي سبتة” (El Pueblo de Ceuta)، استنادا إلى مصادر قضائية، عن توثيق “حالات عديدة” لمحاولات اعتداء جنسي في الشوارع، لم يتم إحباطها بسبب يَقظَة الأجهزة الأمنية المفروضة، بل بفضل التدخل العَفوي للمواطنين وسكان الأحياء في اللحظات الأخيرة.

هذا المعطى الخطير يَطرَح تساؤلات عميقة وجوهرية حول ماهية الرعاية التي تُقدِّمها السلطات الإسبانية للقاصرين غير المرفوقين، ويؤكد أن هؤلاء الأطفال تُركوا فريسة سهلة لشبكات الاستغلال والذئاب البشرية في شوارع مدينة يَزعمون أنها تُدار بقوانين أوروبية.

أمام هذا الفشل الذريع والموثق، يَسقط القناع عن خطاب حقوق الإنسان الذي طالما استُخدم كورقة ضغط سياسية، فالدولة التي تعجز عن توفير أبسط مُقوِّمات الأمن والسلامة الجسدية لأطفال دون سن الرابعة عشرة لجأوا إلى ترابها، تَفقِد أهليتها الأخلاقية لتوزيع الدروس على دول الجوار، ثم إن حماية الطفولة ليست التزاما ظرفيا يَخضَع للمزايدات السياسية، بل هي خط أحمر لا يَقبَل المساومة، وما يَحدُث في سبتة هو جريمة مُكتمِلة الأركان، تتحمَّل السلطات الإسبانية مسؤوليتها التقصيرية بشكل مباشر، لأن التغاضي عن توفير الحماية هو مشاركة صامتة في الجريمة.

وفي المقابل، وبمجرد أن نُدير البصر نحو الضفة الأخرى، تتجلى لنا بوضوح حجم المسؤولية الكبرى التي يَتحمَّلها المغرب بكل صمت وثبات، لقد تغيرت الخريطة الجيوسياسية للهجرة، ولم يَعُد المغرب مجرد محطة عبور عابرة، بل تحول بحكم موقعه الجغرافي المعقد والتطورات الإقليمية إلى فاعل محوري يتحمل “عبئا ثلاثي الأبعاد”، فهو أولا، كبلد منشأ، يُواجه تحدياته التنموية الخاصة ويَسعى لتوفير بدائل لشبابه، وثانيا، كبلد عبور، يجد نفسه في مواجهة يومية ومستمرة مع أمواج بشرية هائلة قادمة من دول إفريقيا جنوب الصحراء، تسعى بكل الطرق لبلوغ الفردوس الأوروبي الموهوم.

إن التكلفة التي يَتكبدُها المغرب كبلد عبور تُعتبر باهظة بكل المقاييس، فالدولة المغربية تستنزف موارد مالية، وبشرية، وأمنية ضخمة لضبط الحدود، وتفكيك شبكات الاتجار بالبشر، وإحباط محاولات الهجرة غير النظامية، والقيام بعمليات إنقاذ يومية في عرض البحر، وبصريح العبارة، يقوم المغرب بدور “الدركي” الذي يَحرُس الحدود الجنوبية لأوروبا، مقدما خدمة أمنية لا تقدر بثمن لقارة تَكتفي في كثير من الأحيان بإغلاق أبوابها وتصدير أزماتها إلى دول الجوار، دون أن تُقدِّم دعما يَتناسب مع حجم التحدي.

وعلاوة على دوري المنشأ والعبور، أثبت المغرب تفوقه الأخلاقي والإنساني من خلال تحوله إلى “بلد استقبال”، ففي الوقت الذي تتجه فيه أوروبا نحو تشديد القوانين وبناء الأسوار، أطلق المغرب مبادرات رائدة على المستوى القاري لتسوية الوضعية القانونية لعشرات الآلاف من المهاجرين، مانحا إياهم حقوقا كاملة في التعليم، والصحة، والعمل.

هذا النهج الإدماجي يَعكِس إرادة سياسية حقيقية للتعامل مع المهاجرين كبشر يستحقون الكرامة، وليس كأرقام أو تهديدات أمنية، وهو ما يتناقض بشكل صارخ مع واقع التهميش والاستغلال الذي يعيشه القاصرون في سبتة.

إن هذه المقاربة تَضعُنا أمام استنتاج لا مفر منه: هناك خلل عميق في ميزان الشراكة بين الشمال والجنوب، ولا يمكن لأوروبا، وإسبانيا تحديدا، أن تَستمر في سياسة “الاستعانة بمصادر خارجية” (Externalization) لحماية حدودها، وتطالب المغرب ببذل جهود تفوق طاقته، بينما تفشل هي في تأمين محيط مستشفى أو شوارع مدينة صغيرة كسبتة.

إن الشراكة الحقيقية في ملف الهجرة لا تُبنى على إلقاء العبء الأكبر على دول الجنوب واستغلال معاناتها، بل تُبنى على تقاسم حقيقي للمسؤوليات واحترام صارم لحقوق الإنسان على كلا الجانبين.

في الختام، يجب أن تكون المأساة المعلنة للقاصرات اللواتي انتهكت براءتهن في سبتة بمثابة جرس إنذار يوقظ الضمير العالمي، وإن استمرار هذا الوضع هو وَصمة عار على جبين المنظومة الحقوقية الأوروبية، وعلى إسبانيا أن تُدرِك أن حماية المهاجرين، وخاصة الأطفال، هي التزام لا يَقبل التجزئة، أما المغرب، الذي يَتحمَّل بمسؤولية وشجاعة تبعات كونه مُلتقى طرق الهجرة العالمية، فقد أثبت أن العبء الذي يَنوء بحمله هو ثمن لالتزامه الإنساني والأمني؛ وهو التزام يَفرِض على أوروبا التخلي عن ازدواجية المعايير، والنزول من بُرجها العاجي، لتحمل نصيبها العادل من هذه المأساة الإنسانية المعقدة.

The post وهم الملجأ الآمن .. مأساة القاصرين في سبتة تفضح التقصير الإسباني appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress