يا ويح الوطن من عودة أحزاب لا تستحيي..!

في كل موسم انتخابي، تعود الأحزاب السياسية إلى الشوارع والساحات والمنابر، بألوانها الزاهية وشعاراتها البراقة، وكأن الذاكرة الشعبية صفحة بيضاء قابلة للمحو كلما اقترب موعد الاقتراع. تعود الوجوه ذاتها، والوعود ذاتها، والخطب التي أُرهقت من كثرة التكرار، لكنها هذه المرة تأتي مبكرة، وكأن السباق نحو أصوات المواطنين صار أهم من الإنصات الحقيقي إلى أنينهم اليومي ومعاناتهم المتراكمة.

لقد تحولت السياسة عند كثير من التنظيمات الحزبية إلى موسم احتفالي عابر، تُرفع فيه الرايات وتُستدعى الكلمات الرنانة، بينما يبقى المواطن وحيدًا في مواجهة الغلاء والبطالة والهشاشة وتآكل الثقة. فكيف يمكن لحزبٍ أن يطالب الناس بالإيمان ببرامجه، وهو الذي ترك وراءه مدنًا مثقلة بالخذلان وقلوبًا مثقوبة بخيبات متتالية؟ وكيف يمكن للخطاب الانتخابي أن يستعيد بريقه، بعدما أصبح المواطن يحفظ تفاصيل الوعود أكثر مما يحفظ السياسيون أنفسهم تاريخ تنكرهم لها؟

إن الأزمة الحقيقية لم تعد أزمة برامج أو تحالفات، بل أزمة مصداقية بالأساس.

فالمواطنالعربي،والمغربيعلىوجهالخصوص،لميعديقفعندحدودالشعارات،بلصارينظرإلىماخلفها: إلى السلوك، وإلى النزاهة، وإلى قدرة السياسي على احترام الإنسان قبل استمالة صوته. لقد اكتشف الناس أن بعض الأحزاب لا تتذكر الفقراء إلا حين تحتاج أصواتهم، ولا تزور الأحياء المهمشة إلا عندما تقترب صناديق الاقتراع، ثم تعود بعد الفوز إلى أبراج الصمت والمصالح الضيقة.

ولعل أخطر ما أصاب الحياة السياسية اليوم هو هذا التآكل البطيء للثقة العامة. فحين يشعر المواطن أن صوته لا يغير شيئًا، وأن الوجوه تتبدل بينما العقليات تبقى كما هي، يتحول العزوف السياسي إلى شكل من أشكال الاحتجاج الصامت. عندها تصبح الديمقراطية مجرد طقس شكلي فاقد للروح، وتغدو الانتخابات مناسبة لإعادة إنتاج الإحباط بدل صناعة الأمل.

إن الشعوب لا تطلب المعجزات من السياسيين، بقدر ما تطلب الصدق والوفاء والقدرة على تحمل المسؤولية الأخلاقية. فالسياسة ليست فن الخطابة فقط، بل هي قبل كل شيء التزام إنساني تجاه الناس، واحترام لذاكرتهم الجماعية التي لم تعد تنسى بسهولة. فالجراح الاجتماعية التي خلفتها سنوات الوعود الكاذبة لا يمكن تضميدها بخطابات موسمية أو حملات دعائية مبكرة، لأن الكرامة حين تُخدش، يصعب ترميمها بالكلمات.

لهذا، فإن أي حزب يريد استعادة ثقة المواطنين، عليه أولًا أن يراجع علاقته بالحقيقة، وأن يعترف بأخطائه قبل أن يطلب التصفيق لوعوده الجديدة.

فالشعوب قد تصبر طويلًا، لكنها حين تفقد الثقة، تصبح أكثر قسوة من صناديق الاقتراع نفسها. وفي زمن الوعي المتنامي، لم يعد السؤال: من سيربح الانتخابات؟ بل صار السؤال الأعمق والأخطر:

من بقي قادرًا على إقناع الناس بأنه يستحق أن يُصدَّق؟

اقرأ المقال كاملاً على لكم