يوسف عقيقي... آخر حرّاس اللبّادة الفينيقيّة في لبنان (فيديو)
في زمنٍ تتسارع فيه المهن نحو الاندثار، يقف يوسف عقيقي وحيداً تقريباً، كأنّه الحارس الأخير لذاكرة صوفيّة تعود إلى عمق التاريخ. بين يديه، كتلة من صوف الخروف، وقليل من الماء والصابون، تكفي لبدء طقس يومي يشبه استحضار الأزمنة القديمة، عندما كانت الحرفة لغة العيش وملامسة الطبيعة.
في بلدته الجبليّة حراجل (فتوح كسروان)، لا يزاول عقيقي مهنةً عاديّة، بل يمارس طقساً تراثيّاً نادراً: صناعة "اللبّادة". يبلّل الصوف، يدعكه، يضغطه ويعيد تشكيله بصبرٍ طويل، حتى تتشابك الألياف وتتماسك، من دون خيط أو إبرة، لتولد قطعة دافئة كانت يوماً جزءاً من حياة القرى الباردة.
يقول لـ"النهار"، بنبرةٍ تختلط فيها المسؤولية بالحنين: "أنا آخر واحد بعدو بيعملها بلبنان… وحاسس إنّي مسؤول عنها، لأنّها تراث من جدودنا".

ورث عقيقي هذه الحرفة عن جدّه، الذي لقّنه أسرارها منذ الطفولة. يقول إن جذورها تعود إلى زمن الفينيقيين، يوم كانت الصناعات اليدوية جزءاً من هوية المكان لا مجرّد مهنة.
اللبّادة، كما يشرح، تُصنع من صوف الخروف الصغير عند أول جزّة، حين يكون الصوف أكثر نعومة وقابلية للتماسك. تبدأ الرحلة من الجرود، حيث يجمع الصوف من الرعاة، ليغسله وينظّفه، قبل أن يدخل في مرحلة الدعك المتواصل بالماء والصابون. عملية تبدو بسيطة للعين، لكنها في الحقيقة اختبار للصبر والدقّة: "بدها عشق أكتر ما بدها شغل"، يقولها وهو يحرّك يديه بخفّة اعتادتها السنوات.
في الماضي، كانت اللبّادة رفيقة الشتاء القاسي في القرى الجبلية، يرتديها الكبار درعاً في وجه البرد والثلج. اليوم، تراجعت إلى هامش الذاكرة، مع اختفاء الحرف التقليدية، حتى بات كثيرون من اللبنانيين لا يعرفون عنها شيئاً.

ومع ذلك، لم تبقَ حبيسة الجبال. فقد حملها عقيقي إلى العالم، وتلقّى طلبات من مغتربين في نيويورك وشيكاغو، ومن كندا وأستراليا، كما عرضها في دبي، حيث استوقفت الزوّار دهشة أمام بساطة الصنع وعمق الحكاية.
ورغم انشغاله بأعمال أخرى، لا يزال متمسّكاً بهذه الحرفة، لا كعمل يومي فحسب، بل كقضية. يعلّمها لابنته وأولاد إخوته، محاولاً أن يمدّ عمرها جيلاً إضافياً، في وجه زمنٍ لا ينتظر أحداً. ويوجّه رسالةً واضحة إلى الشباب: الحفاظ على الحرف ليس ترفاً، بل حماية للهوية والذاكرة.
لا يصنع يوسف عقيقي قطعة صوف فحسب، بل يقاوم، بيدين عاريتين، اندثار مهنةٍ حملت دفء الجبال وملامح الأجداد... قبل أن تبتلعها عجلة الزمن.