المرأة السعودية من التمكين المؤسسي إلى التأثير المجتمعي
المرأة السعودية من التمكين المؤسسي إلى التأثير المجتمعي
Faika.Mazraani
Tue, 04/28/2026 - 10:41
المتتبِّعُ لدورِ المرأةِ السعوديَّةِ بعد إطلاقِ رؤية 2030، لن يواجه أرقاماً وإحصاءاتٍ بقدرِ ما سيواجه وبذهولٍ التحوُّلَ في الوعي، والانتقالَ اللافتَ من التمكينِ بوصفه قراراً مؤسَّساتياً إلى التأثيرِ بوصفه سلوكاً متراكماً، يُعيد تشكيلَ المجتمع.
والتحوُّلاتُ لم تكن حصراً على القراراتِ، والتشريعاتِ التنمويَّةِ والاقتصاديَّةِ فحسب، إذ امتدَّت أيضاً إلى "عمقِ الوعي المجتمعي"، لتنقلَ التمكينَ من إطارٍ مؤسَّساتي إلى ممارسةٍ يوميَّةٍ، أعادت تشكيلَ دورِ المرأة، ورسَّخت موقعها في المجتمع.
وقد كان الحديثُ عن المرأةِ السعوديَّةِ مرتبطاً بالأرقام، وبنسبِ مشاركاتها الاجتماعيَّةِ والاقتصاديَّة غير أنه أصبح اليوم مرتبطاً بتأثيرها المتزايدِ في الإطارِ العامِّ للمجتمع، وقدرتها على الإسهامِ في صناعةِ ثقافةٍ مجتمعيَّةٍ، تهدفُ إلى ترسيخِ قيمِ الكفاءةِ، والمشاركةِ، والمسؤوليَّة.
وكانت المرأةُ السعوديَّةُ تعيشُ في إطارٍ مجتمعي شديدِ الإحكامِ لا يعكسُ قدراتها الفعليَّةَ بقدرِ ما يعكسُ معتقداتٍ ثقافيَّةً سائدةً عن دورها ووظيفتها في المجتمع، وقلّ ما تجدُ لها حضوراً في المشهدِ العامِّ الذي كان خاضعاً لاعتباراتٍ اجتماعيَّةٍ أكثر من كونه قائماً على رغبتها وكفاءتها على الرغمِ من تفوُّقها تعليمياً، وحرصها الشديدِ على استكمال تعليمها وفق أعلى المستويات، لكنَّه لم يكن بوَّابةً فاعلةً للتمكينِ الاقتصادي والقيادي، إذ كانت هذه الكفاءاتُ منقطعةَ الصلةِ بسوقِ العمل، وبشكلٍ أدق بصناعةِ القرار.
المرحلةُ السابقةُ لا تُبرَّر بأنها غيابٌ لقدرةِ المرأةِ بقدرِ ما كان غياباً للاعترافِ المؤسَّسي والاجتماعي بها، فحصرُ المرأةِ في أدوارٍ نمطيَّةٍ ثابتةٍ حدَّ من إمكانيَّةِ انتقالها من المجالِ الضيِّقِ شديدِ الخصوصيَّة، وربما الفردي إلى المجالِ العامِّ وصناعةِ القرار، والتأثير المجتمعي.
وبالعودةِ إلى الوراءِ قليلاً، وتحديداً لتلك الصورةِ النمطيَّةِ التي كانت عليها المرأةُ السعوديَّةُ ما قبل التمكين، وكانت تعتمدُ على "النمطِ الأُحادي" التي بطبيعتها فصَّلت الأدوارَ الاجتماعيَّةَ المناسبةَ للمرأةِ آنذاك ولعقودٍ، سنرى كيف تمكَّنت المرأةُ من تفكيكها، لتخلقَ لنفسها نموذجاً اجتماعياً أكثر توازناً في سوقِ العملِ، والتعليمِ، وريادةِ الأعمالِ، والإعلامِ أيضاً.
وبذلك، برهنت المرأةُ للجميع أن الأدوارَ لم تكن لتُقاس بالجنسِ الاجتماعي، بل بالجدارةِ، وهذا ما يسمَّى في علمِ الاجتماعِ بـ "إعادةِ إنتاج الثقافة"، أي أن الثقافةَ يُعاد إنتاجها عبر الممارساتِ اليوميَّةِ داخلَ إطارِ الأسرةِ، والتعليمِ، والعملِ، لتنقلَ الصورةَ النمطيَّةَ إلى الشراكةِ بين الرجلِ والمرأة، وكلُّ ذلك لم يُفرَض بالإجبار، لكنَّه نشأ بشكلٍ طبيعي وفقاً لتغيُّرِ الوظائف، والمسؤوليَّاتِ المنوطة، فكما هو معروفٌ: الأدوارُ في أي مجتمعٍ متمدِّنٍ ليست ثابتةً، بل تتغيَّرُ مع تغيُّرِ النسقِ الثقافي والاقتصادي.
والمرأةُ السعوديَّةُ دخلت سوقَ العملِ بقوَّةٍ في شتَّى مجالاته، وهذا ما يعكسُ قوَّةَ الوعي لدى الأسرةِ والمجتمعِ بأسره باتِّجاه إعادةِ تشكيلِ الصورةِ الذهنيَّةِ الحقيقيَّةِ عن المرأة.
ودليلُ ذلك ما هي عليه المرأةُ الآن من دورٍ في التأثيرِ المجتمعي، وما شغلته من مناصبَ في مواقعَ قياديَّةٍ كثيرةٍ لخلقِ ثقافةٍ مجتمعيَّةٍ أكثر تأثيراً، لكونها أصبحت قادرةً على صناعةِ الوعي عن طريقِ تشكيلِ الأجيالِ الجديدة بمشهدٍ تاريخي لم يتجاوزَ بضع سنين، ويعكسُ تحوُّلَ التمكينِ من قرارٍ إلى أثرٍ دائمٍ، ومن كونه سياسةً مؤسَّساتيَّةٍ إلى ممارساتٍ مستدامةٍ.
إن تمكينَ المرأةِ بات حركةً يوميَّةً، تتجذَّرُ في المجتمع، وتتشكَّلُ عبر الممارسةِ والإنجاز، لتضعَ فيه المرأةُ السعوديَّةُ بصمةً لحضورها الفاعلِ، وإسهاماتها، ليتحوَّلَ التمكينُ معها إلى أثرٍ ملموسٍ، يُعيد تشكيلَ المجتمع، ويصنعُ منه مستقبلاً باهراً، لكونها شريكاً حقيقياً لا غنى عنه في البناءِ والتغيير، لا لكونها مجرَّد مستفيدٍ من تلك الفرصِ دون أن تُشارك في إدارةِ عجلةِ التنمية.
الكاتب
منال الحصيني
Publication Date
Tue, 04/28/2026 - 10:41
المرأة السعودية من التمكين المؤسسي إلى التأثير المجتمعي
مقالات