عبد الرحمن الحميدي يكتب.. النصر “فخ الجدولة” في دوري روشن
تعد قضية “جدولة الدوري” في دوري روشن السعودي واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل في الأوساط الرياضية؛ فهي ليست مجرد تواريخ على ورقة، بل منظومة معقدة تتداخل فيها طموحات الأندية، واشتراطات البث، والمتطلبات اللوجستية. ومع تكرار الأزمات الفنية التي واجهتها بعض الأندية –وعلى رأسها نادي النصر في الموسم الماضي– يبرز السؤال الملح: هل نحن أمام عشوائية في التنظيم، أم أننا بحاجة إلى ثورة رقمية لفرض “العدالة”؟
لماذا تدور الكرة في حلقة مفرغة؟
تُدار الجدولة اليوم وفق معادلة صعبة تحاول الموازنة بين ثلاثة أضلاع متنافرة:
سطوة البث التلفزيوني: تفرض الرغبة في وضع المباريات الجماهيرية (الكلاسيكو مثلاً) في أوقات الذروة ضغوطاً غير متكافئة على جداول بعض الأندية.
تعقيدات المشاركة القارية: تفرض المشاركات الآسيوية تلاحماً زمنياً يجعل من “تفريغ الروزنامة” تحدياً لوجستياً يؤثر مباشرة على جاهزية اللاعبين.
العوائق اللوجستية: التنسيق الأمني، توفر الملاعب، والمسافات الجغرافية الشاسعة في المملكة، كلها عوامل تفرض قيوداً صارمة تحد من مرونة واضعي الجدول.
البحث عن “العدالة” في عصر الخوارزميات
العدالة الرياضية لا تعني المساواة في عدد المباريات فحسب، بل في جودة فترات الراحة وتوزيع التحديات. في الدوريات الأوروبية الكبرى، تحولت الجدولة من “اجتهادات بشرية” إلى “خوارزميات ذكاء اصطناعي” تتعامل مع أكثر من 100 قيد فني.
إننا في دوري روشن بحاجة ملحة لاعتماد مبدأ “التكافؤ الجغرافي والبدني”؛ فالسفر المتكرر بين أقصى الشمال والجنوب أو الشرق والغرب خلال فترات قصيرة أثبت أنه “المطب الفني القاتل” الذي ينهك عضلات اللاعبين ويشتت تركيزهم الذهني، وهو ما دفع ثمنه النصر باهظاً في سلسلة مواجهاته المباشرة ضد فرق المنافسة الموسم الماضي.
خارطة طريق للخروج من النفق
لتجنب تكرار “سيناريو الموسم الماضي”، يجب التحول نحو استراتيجية تقوم على ثلاثة أعمدة:
التوازن التنافسي: إقرار قاعدة تمنع مواجهة أكثر من فريقين من “المربع الذهبي” في سلسلة متتالية دون فاصل زمني لا يقل عن 7 أيام.
ترشيد التنقلات: اعتماد مبدأ “المناطق الجغرافية” في الجدولة، بحيث يتبع المباراة الواحدة تنقل قصير يقلل من إرهاق السفر.
الشفافية المطلقة: الانتقال إلى “القرعة الآلية” التي تُعلن معاييرها مسبقاً، لقطع الطريق على أي تكهنات وتوفير بيئة احترافية تليق بنمو الدوري.
الخاتمة: هل نحتاج لتغيير الجدول أم لعمق الدكة؟
إن العدالة لا تولد بالصدفة، بل تُصنع بالالتزام بمعايير تقنية صارمة. يجب على الأندية –ومنها النصر– ألا تكتفي بالشكوى، بل أن تطالب بـ “حد أدنى لراحة اللاعب” (96 ساعة كحد أدنى بين المباريات الكبرى) لضمان جودة المنتج الرياضي الذي بات علامة مسجلة عالمياً.
وإلى أن نصل إلى الجدولة المثالية، يبقى السؤال الذي يطرح نفسه أمام كل متابع للنصر: هل تكمن المشكلة في “عشوائية الجدول” التي تنهك اللاعبين، أم أن الحل يكمن في “تعميق دكة البدلاء” لتصبح قادرة على استيعاب ضغط المنافسة مهما كانت الظروف؟