عبد الرحمن عبد العزيز يكتب.. الأندية وعقلية العقار
بين صفقات العقار ودهاليز كرة القدم: لماذا تعجز الإدارات التقليدية عن مواكبة الطفرة الرياضية؟
يشهد المشهد الرياضي تحولاً استثنائياً وقفيزات غير مسبوقة في حجم الاستثمارات والبنية التحتية، غير أن هذا التطور المادي الهائل يصطدم بمفهوم إداري لا يزال البعض يخلط بينه وبين إدارة الشركات التقليدية أو صفقات العقار. إن الفارق الجوهري بين “إدارة الأعمال” و”صناعة الرياضة” هو الفجوة التي تفصل بين مجرد إنفاق الأموال، وبين صناعة استثمار رياضي مستدام.
الرياضة ليست مجرد أرقام في ميزانية، ولا صفقات بيع وشراء تخضع لمنطق “من يدفع أكثر يشتري”؛ بل هي صناعة قائمة على الشغف، وشبكات العلاقات الدولية، والمعرفة الدقيقة بممرات ودهاليز اللعبة، واقتناص التوقيت الحرج.
أوهام “السوق التقليدي” في الملاعب الرياضية
تخضع الصفقات العقارية والتجارية للملاءة المالية المباشرة، حيث تضمن السيولة حسم الصفقة لصالح المشترين. أما في عالم كرة القدم، فإن المال ليس سوى “تذكرة دخول” للمشهد، بينما تتكفل عوامل أخرى بالاستفادة الحقيقية وبناء النفوذ الرياضي:
- شبكة العلاقات التراكمية المعرفة العميقة بالوكلاء، وصناع القرار، والشركات العالمية الموردة والمصنعة.
- دقة التوقيت : القدرة على اقتناص اللحظات التفاوضية المناسبة لحسم الصفقة بأقل تكلفة وأعلى كفاءة.
- طبيعة المنتج الرياضي: المنتج في كرة القدم ليس منشأة صامتة، بل هو رمزيّة، وشغف، وقيمة جماهيرية لا تُدار بأسلوب “حضور وانصراف” أو مجرد جلوس في المنصات الرئيسية.
صفقة الأسطورة رونالدو: الفجوة بين الأثر والتعظيم الاستثماري
تقف صفقة انضمام الأسطورة كريستيانو رونالدو لصفوف نادي النصر كنموذج بارز لدراسة الفجوة بين حجم الصفقة والتعظيم الاستثماري المتوقع منها. إن وجود اسم بحجم “الدون” – الأكثر تأثيراً ومتابعة على مستوى العالم – في الملاعب السعودية يمثل فرصة استثمارية وتاريخية نادرة، تتطلب استراتيجية تسويقية متكاملة لم تُستغل بكامل طاقتها بعد: - الرعايات والقيمة السوقية: كان المأمول توقيع عقود رعاية عابرة للقارات واستغلال العلامة التجارية على نطاق عالمي، بينما تتجه معظم التحركات نحو رعايات إقليمية محددة.
- الجولات العالمية
المأمول الاستفادة من اسم اللاعب للقيام بجولات صيفية منظمة في أوروبا وآسيا وأمريكا لتعظيم العوائد والتواجد الدولي، في حين بقيت التحركات المماثلة محدودة وبلا استمرارية واضحة. - التوزيع والمبيعات: المفترض أن تتوفر قمصان النادي عبر خطوط إنتاج وشراكات توزيع دولية في العواصم الكبرى، بينما يعاني المشهد أحياناً من تحديات في سلاسل الإمداد حتى على المستوى المحلي.
- البناء الرياضي: توظيف وجود أسطورة عالمية لبناء هيكل تكتيكي واستقطاب نوعية محددة من النجوم الشغوفين، لضمان استقرار الهوية الكروية للكيان.
ثقافة “الشركة غير الربحية” وحاجة القطاع للمتخصصين
تكمن الجذور الحقيقية للمشكلة في بقاء بعض المفاهيم التقليدية داخل أروقة الشركات غير الربحية بالأندية. التعامل مع إدارة الكيان كنوع من الوجاهة الاجتماعية بدلاً من إدارته كمؤسسة تنموية تخضع لمؤشرات أداء صارمة يُضعف من كفاءة العمل.
إن النجاح في إدارة المجموعات العقارية أو البنوك لا يعني تلقائياً القدرة على إدارة غرفة ملابس تضم نجماً عالمياً، أو إدارة مفاوضات معقدة في اللحظات الأخيرة من سوق الانتقالات. صناعة الرياضة الحديثة تتطلب مدراء تنفيذيين يمتلكون المعرفة التخصصية وتفاصيل اللعبة الشاملة.
كلمة أخيرة
إن الطفرة الكروية التي نعيشها اليوم بحاجة ماسة إلى كوادر رياضية متخصصة تمتلك الفكر الحديث، وشبكات العلاقات الدولية التي تختصر الوقت والمال. وبدون وجود هذه الكوادر التي تواكب حجم الرؤية وحجم الإنفاق، ستظل الصفقات الكبرى مجرد أحداث إعلامية مؤقتة، بدلاً من أن تتحول إلى مشاريع استثمارية وتنافسية مستدامة.