محمد الدغريدي يكتب.. كيف نبني منتخبًا قويًا؟

في كل مرة يتعثر فيها المنتخب السعودي، تتجدد الأسئلة ذاتها، وتتكرر النقاشات نفسها، ثم تنتهي الأزمة بقرارات آنية سرعان ما تتلاشى آثارها مع أول اختبار جديد. وبين كل إخفاق وآخر، تبقى الجماهير السعودية هي الطرف الأكثر ألماً؛ لأنها ترى حجم الدعم والإمكانات التي تحظى بها الرياضة السعودية، ثم لا تجد انعكاساً حقيقياً لذلك على مستوى المنتخب الوطني بالصورة التي تطمح إليها.

لقد مرت سنوات طويلة شهد فيها المنتخب السعودي تراجعاً واضحاً في الاستقرار الفني والنتائج، وبين مشاركة وأخرى أصبح الوصول إلى المنافسة القارية أو العالمية أكثر صعوبة مما كان عليه في السابق. والمؤلم أن المشكلة لم تعد مرتبطة بمدرب يرحل، أو لاعب يعتزل، أو إدارة تتغير، بل أصبحت مرتبطة بمنظومة تحتاج إلى مراجعة شاملة تعيد رسم الطريق نحو المستقبل.

الحقيقة التي يجب أن نعترف بها هي أن المنتخبات الكبرى لا تُبنى في معسكر قصير أو بطولة عابرة، وإنما تُصنع عبر مشروع طويل الأمد يبدأ من اكتشاف الطفل الموهوب وينتهي بوصوله إلى تمثيل وطنه على أعلى المستويات. ومن هذا المنطلق، فإن بناء منتخب سعودي قوي يتطلب العمل على عدة محاور رئيسية لا تحتمل التأجيل.

أول هذه المحاور يتمثل في إنشاء أكاديميات متخصصة وفق أحدث المعايير العالمية؛ فالموهبة وحدها لا تكفي، بل تحتاج إلى بيئة علمية وفنية تصقلها منذ سن مبكرة. وما حققته الدول المتقدمة كروياً لم يكن نتيجة الصدفة، بل ثمرة استثمار طويل في الأكاديميات ومراكز التكوين.

وفي الوقت ذاته، لا يمكن الحديث عن تطوير الكرة السعودية دون منح المدرب السعودي فرصته الحقيقية؛ فمن غير المنطقي أن نطالب بمدرب وطني قادر على قيادة المنتخب مستقبلاً بينما نحجب عنه التجربة والخبرة في دوري روشن ودوري يلو. المدرب السعودي يحتاج إلى الثقة والاستمرارية أكثر من حاجته إلى الفرص المؤقتة التي تنتهي عند أول تعثر.

كما أن التوسع الكبير في عدد اللاعبين الأجانب داخل المسابقات المحلية يستحق إعادة النظر؛ فوجود اللاعب الأجنبي عنصر مهم لتطوير المنافسة، لكن المبالغة في الأعداد تقلص مساحة المشاركة أمام اللاعب السعودي، وتحرم المنتخب من قاعدة أوسع من الخيارات الجاهزة للمنافسة الدولية.

ومن الملفات التي لا تقل أهمية قضية الرواتب المبالغ فيها؛ فالاحتراف الحقيقي لا يُقاس بحجم العقد فقط، وإنما بما يقدمه اللاعب داخل الملعب. وعندما تتحول العقود الضخمة إلى غاية بحد ذاتها، فإن ذلك ينعكس سلباً على الطموح والرغبة في التطور. ولذلك فإن ربط المكافآت والامتيازات بالأداء والإنجاز سيخلق بيئة أكثر احترافية وعدالة.

أما الاحتراف الخارجي، فهو الطريق الأقصر نحو تطوير اللاعب السعودي؛ فالاحتكاك اليومي بالمدارس الأوروبية، والتعايش مع ثقافات كروية مختلفة، يمنح اللاعب خبرات لا يمكن اكتسابها محلياً مهما بلغت قوة المنافسة. ومن هنا فإن دعم انتقال اللاعبين السعوديين إلى الدوريات الأوروبية يجب أن يكون مشروعاً وطنياً لا مجرد اجتهادات فردية.

وفي الجانب الفني، يبقى اختيار الأجهزة الفنية من أهم عناصر النجاح؛ فالمنتخب الوطني ليس حقل تجارب، بل واجهة وطنية تتطلب استقطاب أصحاب الخبرات والكفاءات القادرين على بناء مشروع متكامل، لا مجرد تحقيق نتائج مؤقتة.

ومن القضايا التي تستحق المراجعة أيضاً آلية اختيار اللاعبين؛ فالمنتخب ليس حكراً على أندية بعينها، والموهبة لا ترتبط باسم النادي أو جماهيريته. وفي دوري يلو العديد من اللاعبين الذين يملكون الجودة والطموح ويستحقون فرصة الظهور بقميص المنتخب، الأمر الذي يتطلب توسيع دائرة المتابعة والاختيار.

وهنا يبرز دور الكشافين، ذلك الدور الذي كان أحد أسرار نجاح الكرة السعودية في عقود سابقة. فالمملكة تزخر بالمواهب في مختلف المناطق، لكن هذه المواهب تحتاج إلى من يكتشفها ويتابعها ويمنحها الطريق الصحيح نحو النجومية. إن إعادة تفعيل منظومة الكشافين ونشرها في أنحاء المملكة سيمنح الكرة السعودية كنزاً متجدداً من اللاعبين الواعدين.

في النهاية، لا يحتاج المنتخب السعودي إلى حلول إسعافية بقدر حاجته إلى رؤية واضحة وشجاعة في اتخاذ القرار. فالإمكانات موجودة، والدعم متوفر، والمواهب لا تنضب، لكن النجاح الحقيقي يبدأ عندما تتحول هذه العناصر إلى مشروع متكامل يعمل وفق أهداف محددة وخطط طويلة المدى.

عندها فقط لن يكون الحديث عن العودة إلى منصات التتويج مجرد أماني تتردد في المدرجات أو عبر وسائل الإعلام، بل حقيقة يصنعها العمل المؤسسي والتخطيط السليم. وعندها أيضاً سيستعيد الأخضر مكانته التي يستحقها، ليس كمنتخب يشارك في البطولات فحسب، بل كمنتخب ينافس على صناعتها وكتابة تاريخه فيها بحروف من ذهب.

اقرأ المقال كاملاً على سبورت السعودية