محمد الدغريري يكتب.. أنصفوا ماتياس
في كرة القدم، قد تُمحى سنوات من العمل الشاق بقرار واحد، وقد تُختزل الإنجازات التاريخية في لحظة غضب أو اختلاف في الرأي. وهذه من أكثر المفارقات قسوة في عالم الرياضة؛ أن يُحاسَب الناجح وكأنه المقصر، وأن يُنسى من صنع المجد بمجرد أن يغادر المشهد.
ما حدث مع المدرب الألماني ماتياس يايسله يطرح سؤالًا مشروعًا: هل أُنصف الرجل فعلًا؟ أم أن الأهلي فرّط في أحد أهم عناصر نجاحه في توقيت لا يحتمل المغامرة؟
يايسله لم يكن مجرد مدرب مرّ على النادي الأهلي، بل كان مهندسًا لمشروع أعاد للفريق شخصيته وهيبته وروحه التنافسية. خلال أقل من أحد عشر شهرًا، قاد الأهلي لتحقيق بطولتي النخبة الآسيوية المتتاليتين وكأس السوبر السعودي، وهي حصيلة استثنائية لأي جهاز فني، خصوصًا إذا ما قورنت بحجم الدعم الذي حظي به مقارنة ببقية الأندية المنافسة.
ففي الوقت الذي تعاقدت فيه أندية أخرى مع نخبة من لاعبي الفئة الأولى عالميًا، ظل يايسله يعمل بإمكانات أقل، وطالب مرارًا بتدعيم مراكز واضحة في الفريق، إلا أن مطالبه لم تجد الاستجابة الكافية. ومع ذلك، لم يلجأ إلى التبرير، بل صنع فريقًا يقاتل حتى الدقيقة الأخيرة، وأعاد إلى الأهلي الروح التي افتقدها جمهوره لسنوات طويلة.
المؤلم أن بعض الأصوات الإعلامية، ومعها فئة من الجماهير، تعاملت مع رحيله وكأن الرجل لم يحقق شيئًا، وكأن البطولات التي دخلت خزائن النادي جاءت مصادفة. الوفاء في الثقافة العربية ليس مجرد شعور عابر، بل قيمة أصيلة، ومن المؤسف أن يُقابل الإنجاز أحيانًا بالنكران، وأن تُنسف سنوات من العطاء في لحظة واحدة.
ثم تأتي الأسئلة الأكثر حساسية: لماذا تم السماح بانتقال يايسله إلى نيوكاسل يونايتد في هذا التوقيت الحرج، قبل انطلاق دوري روشن بقليل؟ وكيف يُفرَّط في مدرب بطل القارة إلى نادٍ يندرج تحت المظلة الاستثمارية ذاتها، بينما الأهلي يدخل مرحلة إعداد لموسم جديد يحتاج فيها إلى الاستقرار أكثر من أي وقت مضى؟
هذه ليست مجرد صفقة انتقال مدرب، بل قرار يحمل أبعادًا إدارية واستراتيجية تستحق التفسير. فإذا كان الهدف من مشروع صندوق الاستثمارات العامة هو بناء دوري قوي وتنافسي، فإن الحفاظ على استقرار الأندية الناجحة يجب أن يكون جزءًا من هذا الهدف، لا أن تُفتح أبواب الارتباك أمام الفريق الذي حقق الإنجاز القاري الأكبر في الفترة الأخيرة.
ومن هنا يبرز التساؤل الذي يتداوله الشارع الرياضي: هل كانت آلية التعامل مع الأهلي عادلة مقارنة بغيره؟ وهل حصل بطل القارة على ما يستحقه من دعم واستقرار؟ هذه أسئلة مشروعة، والإجابة عنها لا تكون بالشعارات، بل بالقرارات التي تعكس العدالة بين جميع الأندية.
الواقع أن الأهلي اليوم لا يحتاج إلى مسكنات إعلامية، بل إلى خطوات عملية تعيد الثقة لجماهيره: التعاقد مع مدرب ألماني يمتلك مشروعًا واضحًا، وتعويض النواقص في المراكز الحساسة بلاعبين أصحاب خبرة وجودة، ومنح الإدارة الفنية الأدوات التي تمكنها من مواصلة البناء لا البدء من الصفر.
الأهلي، بصفته بطل النخبتين وأحد أكثر الأندية السعودية حضورًا جماهيريًا وقاريًا، ليس عبئًا على مشروع الكرة السعودية، بل أحد أعمدته الرئيسة. واستقرار الأهلي قوة للدوري، كما أن نجاحه يعزز صورة المشروع الرياضي السعودي أمام القارة والعالم.
أما ماتياس يايسله، فقد يختلف معه البعض في تفاصيل فنية، لكن التاريخ لا يكتب بالانطباعات، بل بالبطولات. والرجل غادر وفي رصيده إنجازات ستبقى في سجلات الأهلي، بينما ستظل طريقة رحيله وتوقيته سؤالًا مفتوحًا ينتظر إجابة تقنع جماهير النادي، وتحفظ للمشروع الرياضي السعودي صورته التي يستحقها.