لماذا لا تزال Sony تحجب ألعاب PlayStation عن عشرات الدول؟
حين قررت Sony قبل سنوات نقل ألعاب PlayStation إلى الحاسب الشخصي، بدا الأمر وكأنه بداية مرحلة جديدة للشركة. فبعد عقود من الاعتماد على حصرية المنصة كوسيلة لجذب اللاعبين، بدأت الشركة تنظر إلى PC باعتباره سوقًا تكميليًا قادرًا على تحقيق مبيعات إضافية بمئات الملايين من الدولارات دون التضحية بمكانة أجهزة PlayStation.
لكن بينما نجحت ألعاب مثل God of War وMarvel’s Spider-Man وGhost of Tsushima في إثبات أن جمهور الحاسب مستعد لدفع السعر الكامل مقابل ألعاب PlayStation، فإن الشركة ما تزال تحمل معها واحدة من أكبر مشكلات منظومتها المغلقة: القيود الإقليمية المرتبطة بحسابات PlayStation.
الجدل عاد مجددًا بعد الكشف عن أن لعبة Marvel Tokon: Fighting Souls ستكون محجوبة على PC في نحو 130 دولة عبر Steam وEpic Games Store، وهي جميعها تقريبًا دول لا تتوفر فيها حسابات PlayStation الرسمية. ورغم أن القرار يبدو للوهلة الأولى مجرد إجراء إداري، فإنه يعكس فلسفة أوسع تتبناها Sony منذ سنوات، فلسفة قد تتحول مع مرور الوقت إلى عقبة حقيقية أمام طموحات الشركة على منصة الحاسب.
المشكلة ليست في لعبة واحدة… بل في سياسة كاملة

من السهل النظر إلى قضية Marvel Tokon باعتبارها حادثة منفصلة، لكن الحقيقة أنها حلقة جديدة في سلسلة طويلة من القرارات المتشابهة، ففي العام الماضي واجهت Sony واحدة من أسوأ الأزمات في تاريخها على Steam عندما أعلنت إلزام لاعبي Helldivers 2 بربط اللعبة بحساب PlayStation بعد إطلاقها. المشكلة لم تكن في إنشاء الحساب نفسه، بل في أن ملايين اللاعبين يعيشون في دول لا تسمح Sony أصلًا بإنشاء حسابات PlayStation فيها.
تحولت القضية خلال أيام إلى كارثة علاقات عامة. امتلأت صفحة اللعبة بعشرات الآلاف من التقييمات السلبية، واضطرت Sony إلى التراجع عن القرار بعد ضغط غير مسبوق من المجتمع، لكن التراجع لم يكن عن السياسة نفسها، بل عن تطبيقها في تلك الحالة فقط.
ومنذ ذلك الوقت، أصبحت الصورة أوضح؛ Sony لا تزال تعتبر وجود PlayStation Network جزءًا أساسيًا من تجربة ألعابها، حتى عندما تصدر هذه الألعاب على منصة لا تملكها أصلًا.
لماذا تصر Sony على حساب PlayStation؟
من السهل اتهام Sony بأنها تعقد الأمور بلا داعٍ، لكن الصورة أكثر تعقيدًا من ذلك، فالشركة لا تنظر إلى حساب PlayStation باعتباره مجرد وسيلة لتسجيل الدخول، بل باعتباره البنية الأساسية التي ستبني عليها مستقبل خدماتها الرقمية.
كل لاعب ينشئ حسابًا جديدًا يصبح جزءًا من منظومة PlayStation، ويمكن ربطه مستقبلًا بالخدمات السحابية، والاشتراكات، وبرامج الولاء، والمشتريات الرقمية، وحتى مزايا اللعب المشترك بين المنصات إذا توسعت Sony فيها لاحقًا.
هذه هي الاستراتيجية نفسها التي تتبعها Microsoft منذ سنوات عبر حساب Microsoft، والتي تعتمدها أيضًا شركات مثل EA وUbisoft وRockstar، والفرق أن هذه الشركات نجحت في توفير خدماتها داخل معظم الأسواق العالمية، بينما ما تزال Sony غائبة عن عشرات الدول، وهنا تبدأ الأزمة.
المشكلة ليست تقنية… بل تنظيمية
كثير من اللاعبين يعتقدون أن Sony تستطيع ببساطة الضغط على زر لتفعيل PlayStation Network في أي دولة، لكن الواقع مختلف تمامًا، فتشغيل خدمة رقمية رسمية يعني الالتزام بقوانين كل دولة على حدة، بدءًا من حماية البيانات، مرورًا بأنظمة الدفع والضرائب، وانتهاءً بالقوانين الخاصة بحماية المستهلك والتراخيص التجارية.
ولهذا السبب، سبق أن أشار الرئيس التنفيذي لشركة Take-Two، شتراوس زيلنيك، إلى أن تسجيل الشركات رسميًا في جميع دول العالم عملية معقدة ومكلفة للغاية، حتى بالنسبة لكبرى شركات الألعاب.
من هذا المنظور، يصبح قرار Sony مفهومًا اقتصاديًا، فإذا كانت تكلفة دخول سوق معين أعلى من العائد المتوقع منه، فقد ترى الشركة أن استبعاده مؤقتًا أكثر منطقية من الاستثمار فيه، لكن المنطق التجاري لا يعني بالضرورة أن القرار صحيح استراتيجيًا.
سوق PC لا يشبه سوق أجهزة الكونسول

عندما تمنع Sony بيع لعبة على جهاز PlayStation في دولة معينة، فإن عدد المتضررين يكون محدودًا نسبيًا، لأن انتشار أجهزة PlayStation نفسها يختلف من سوق إلى آخر.
أما على الحاسب الشخصي، فالوضع مختلف تمامًا، فمتجر Steam أصبح منصة عالمية بكل معنى الكلمة، وينشط بقوة في مناطق لا تحقق فيها أجهزة الكونسول الانتشار نفسه، مثل أجزاء واسعة من الشرق الأوسط، وأفريقيا، وآسيا، وأمريكا الجنوبية.
هذه الأسواق تمثل ملايين اللاعبين الذين لا يمتلكون جهاز PlayStation أصلًا، لكنهم كانوا مستعدين لدفع ثمن ألعابه على PC، وعندما تمنع Sony هؤلاء اللاعبين من شراء اللعبة، فإنها لا تخسر عملية بيع واحدة فقط، بل تخسر فرصة بناء علاقة مع جمهور جديد بالكامل، وهذا يتعارض مع السبب الرئيسي الذي دفعها أصلًا إلى إصدار ألعابها على الحاسب.
المفارقة أن Sony تنافس نفسها
هناك تناقض واضح في استراتيجية الشركة، فمن جهة، تستثمر Sony مئات الملايين لإيصال ألعابها إلى جمهور جديد خارج منظومة PlayStation، ومن جهة أخرى، تضع أمام هذا الجمهور شروطًا لا يستطيع كثير منهم تحقيقها بسبب غياب خدمات PlayStation في بلدانهم.
بمعنى آخر، الشركة توسع سوقها بيد، ثم تضيق هذا السوق باليد الأخرى، والأغرب أن بعض هذه الألعاب لا تعتمد أساسًا على خدمات PlayStation بشكل جوهري، ما يجعل قرار حجبها بالكامل يبدو مبالغًا فيه مقارنة بالفائدة التي تحققها الشركة من ربطها بحساباتها.
هل تتعلم Sony من Helldivers 2؟

أثبتت أزمة Helldivers 2 شيئًا مهمًا للغاية، مجتمع لاعبي PC أكثر حساسية تجاه القيود الرقمية من جمهور الكونسول، هذا المجتمع اعتاد شراء الألعاب دون قيود مرتبطة بالمنصة، ويرفض أي خطوة تمنحه شعورًا بأن الناشر يحاول فرض نظام بيئي مغلق داخل منصة مفتوحة مثل Steam.
ولهذا السبب، فإن كل قرار مشابه يعيد إلى الأذهان تلك الأزمة، حتى لو اختلفت تفاصيله، ومع تكرار هذه الحالات، قد تصبح السمعة نفسها مشكلة حقيقية، فاللاعب الذي يعيش في دولة مدعومة اليوم قد لا يتأثر مباشرة، لكنه يرى بوضوح كيف يُحرم لاعبون آخرون من شراء اللعبة لأسباب لا علاقة لها بقدرات أجهزتهم أو بقوانين Steam، وإنما بسياسات Sony الداخلية.
هل ستتغير هذه السياسة؟
من المستبعد أن تتراجع Sony عن فكرة حساب PlayStation نفسها، لأنها أصبحت جزءًا من رؤيتها طويلة الأمد، خاصة مع توسعها في الألعاب الخدمية والخدمات الرقمية، لكن الاحتمال الأقرب هو أن تعمل الشركة تدريجيًا على توسيع دعم PlayStation Network في المزيد من الدول كلما أصبحت الجدوى الاقتصادية أكبر، أو كلما ازداد الضغط الجماهيري.
غير أن هذا الحل يسير بوتيرة أبطأ بكثير من توسع سوق PC العالمي، وكلما استغرق الأمر وقتًا أطول، ازدادت الفجوة بين طموحات Sony في الوصول إلى جمهور عالمي، وبين قدرتها الفعلية على تحقيق ذلك.
تناقض واضح في الاستراتيجية!
تكشف قضية Marvel Tokon: Fighting Souls عن تناقض واضح داخل استراتيجية PlayStation الحالية. فمن جهة، تريد Sony أن تصبح ناشرًا عالميًا لا يقتصر على أجهزة PlayStation، ومن جهة أخرى، ما تزال تدير أعمالها بعقلية المنصة المغلقة التي تشترط دخول اللاعبين إلى منظومتها أولًا قبل السماح لهم بشراء ألعابها.
قد تكون هذه السياسة مبررة من منظور قانوني أو تنظيمي أو حتى مالي، لكنها تبدو أقل إقناعًا عندما تُترجم إلى حجب لعبة كاملة عن نحو 130 دولة، في وقت تتنافس فيه شركات الألعاب على الوصول إلى أكبر عدد ممكن من اللاعبين بغض النظر عن موقعهم الجغرافي.
والسؤال الذي ستواجهه Sony خلال السنوات المقبلة ليس ما إذا كانت تحتاج إلى PlayStation Network، بل ما إذا كانت مستعدة لأن تدفع تكلفة الإبقاء على هذه القيود بينما يتوسع سوق الحاسب بوتيرة أسرع من قدرتها على ملاحقته. فنجاح استراتيجية النشر على PC لا يقاس بعدد الألعاب التي تصل إلى Steam فحسب، بل بعدد اللاعبين الذين يستطيعون شراء تلك الألعاب بالفعل، وهنا تحديدًا تبدو Sony وكأنها ما تزال تضع أمام نفسها حواجز أكثر مما يفرضه عليها السوق.