هل دخلت ألعاب كرة القدم عصر الاحتكار؟ (ج2)
بعد انتهاء شراكتها مع EA، تحدث الاتحاد الدولي لكرة القدم بثقة عن رغبته في التعاون مع شركاء جدد لإطلاق ألعاب تحمل اسم FIFA، وهو ما دفع كثيرين إلى الاعتقاد بأن منافسًا جديدًا سيولد قريبًا. لكن السنوات مرت دون أن يظهر هذا المشروع بالشكل الذي توقعه الجمهور، والسبب أن قيمة اسم FIFA تغيرت كثيرًا عما كانت عليه قبل عقد من الزمن.
صحيح أن العلامة التجارية ما تزال تمتلك حضورًا عالميًا هائلًا، لكن اللاعبين أصبحوا يدركون أن الاسم وحده لا يصنع لعبة ناجحة. فحقوق FIFA لا تمنح تلقائيًا تراخيص الدوريات الكبرى أو الأندية أو اللاعبين، بل تحتاج كل واحدة منها إلى اتفاقيات منفصلة، وهو ما استثمرت فيه EA سنوات طويلة حتى بنت شبكتها الحالية.
وهذا يعني أن أي شركة تحصل على حقوق FIFA ستبدأ رحلتها من منتصف الطريق فقط، بينما يبقى الجزء الأصعب أمامها: بناء المحتوى، والحصول على التراخيص، وتطوير محرك لعب متقدم، وإنشاء بنية خدمية قادرة على منافسة لعبة يعتمد عليها ملايين اللاعبين يوميًا.
وربما تكمن المفارقة الأكبر في أن الانفصال بين EA وFIFA أثبت لأول مرة أن العلامة التجارية لم تعد هي من تصنع اللعبة، بل أصبحت اللعبة هي التي تصنع قيمة العلامة التجارية. فالاسم وحده لم يعد قادرًا على تعويض غياب الخبرة، أو شبكة التراخيص، أو قاعدة اللاعبين، أو سنوات التطوير المتراكمة.
هل يستطيع أحد كسر الاحتكار؟
السؤال الذي يتكرر باستمرار هو: من يملك القدرة على منافسة EA؟ لكن الإجابة تبدو أكثر تعقيدًا مما يعتقده كثيرون. على الورق، تبدو 2K Sports المرشح الأكثر منطقية. فالشركة تمتلك خبرة واسعة في تطوير الألعاب الرياضية، وأثبتت عبر سلسلة NBA 2K قدرتها على تقديم محاكاة عميقة وخدمات مستمرة ومجتمع تنافسي ضخم. لكن كرة القدم تختلف جذريًا عن كرة السلة، ليس فقط من حيث حجم الجمهور، بل أيضًا من حيث عدد التراخيص المطلوبة، وتنوع البطولات، وتعقيد قواعد اللعبة، وحجم التوقعات التي يحملها اللاعبون تجاه أي منافس جديد.
أما شركات مثل Tencent أو NetEase، فهي تمتلك الموارد المالية اللازمة، لكن استراتيجيتها تركز بصورة أكبر على الألعاب الخدمية وألعاب الهواتف، وليس على بناء محاكاة رياضية ضخمة تستهدف الحاسب والأجهزة المنزلية. وحتى لو قررت دخول هذا المجال، فإنها ستحتاج إلى سنوات طويلة قبل الوصول إلى مستوى يجعلها منافسًا حقيقيًا.
وهناك أيضًا احتمال أن تقرر Microsoft أو Sony تمويل مشروع من هذا النوع، لكن الواقع يشير إلى أن العائد المتوقع لا يبرر حجم المخاطرة. فتطوير لعبة كرة قدم تنافس FC لا يتطلب ميزانية ضخمة فحسب، بل يحتاج إلى التزام طويل الأمد قد يمتد لعقد كامل قبل تحقيق نتائج ملموسة، وهو استثمار قد يبدو أقل جاذبية من تمويل عناوين جديدة في أنواع تحقق فرص نجاح أكبر.

ولهذا تبدو المشكلة أعمق من مجرد غياب شركة شجاعة. فالسوق نفسه أصبح أكثر صعوبة، وأعلى تكلفة، وأقل ترحيبًا بالوافدين الجدد. وكل عام يمر يزداد فيه الفارق بين EA وأقرب منافسيها، ليس بسبب جودة اللعبة وحدها، بل بسبب اتساع الفجوة في البنية التحتية، والبيانات، والتراخيص، والمجتمع، والخبرة، وهي عناصر لا يمكن شراؤها دفعة واحدة، مهما بلغ حجم الاستثمار.
في النهاية، قد يكون أكثر ما يثير القلق في مستقبل ألعاب كرة القدم ليس استمرار هيمنة EA، بل غياب الأسباب التي قد تدفعها إلى التطور بوتيرة أسرع. فقد أثبت التاريخ أن المنافسة كانت دائمًا الوقود الحقيقي للابتكار. وعندما كانت FIFA تخشى PES، وكانت PES تسعى إلى استعادة الصدارة، كان اللاعب هو الرابح الأكبر. أما اليوم، فقد أصبح السوق يدور حول شركة واحدة تملك كل المقومات التي تجعلها في موقع مريح، بينما يقف المنافسون بين مشاريع متعثرة، أو طموحات لم تكتمل، أو أسماء كبيرة لم تقرر دخول الملعب أصلًا.
وربما لهذا السبب، فإن أكبر تحدٍ يواجه ألعاب كرة القدم في السنوات المقبلة ليس العثور على شريك جديد لسلسلة FIFA، ولا إطلاق لعبة جديدة تحمل اسمًا مختلفًا، بل استعادة المنافسة نفسها. لأن التاريخ أثبت أن هذا النوع لم يزدهر يومًا بوجود بطل واحد، بل بوجود أكثر من منافس يرفض الاعتراف بالهزيمة.