أكبر جمعية حقوقية بالمغرب تحمل الدولة مسؤولية النزوح الجماعي إلى سبتة وتؤكد أنها نتاج عقود من التهميش والفساد والاستبداد
قالت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان إنها تتابع عبر فروعها بالشمال والشرق، ببالغ القلق وبكثير من الألم موجات النزوح الجماعي، والمحاولات المكثفة لآلاف الشباب والقاصرين، إلى جانب مئات الأسر للعبور نحو الضفة الأخرى عبر مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، وما ترتب عن ذلك من مأساة إنسانية وانتهاكات صارخة لحقوق الإنسان، أسفرت حسب المعلومات المتداولة وفي انتظار المعطيات الرسمية عن سقوط ما يقارب من 130 ضحية واختفاء عشرات المفقودين والجرحى.
وأكدت الجمعية في بيان لها، أن المشاهد المؤلمة من سبتة تعكس حجم المعاناة وعمق المقاساة التي يحاول هؤلاء المواطنون والمواطنات الخلاص منها، إلى جانب ما صاحب تلك الأحداث من عنف ومواجهات عبر المعبر الحدودي بني نصار المؤدي إلى مدينة مليلية المحتلة، وما باشرته السلطات من منع للتنقل وتوقيف جميع الرحلات المتوجهة من بعض المدن نحو شمال المغرب.
وسجلت أن هذه المشاهد المؤلمة تعري كل محاولات التغطية على عمق الأزمة والتعمية على أسبابها الحقيقية، وتعكس نتائج سياسات وخطابات بعيدة عن واقع المواطنين والمواطنات، ومقاربات تغيب الإنسان وحقوقه من حساباتها، وتتجاهل اليأس التام المستشري وسط الشباب بسبب انسداد الآفاق واستفحال الفساد وتغول الاستبداد، وغياب العدالة الاجتماعية، وانعدام فرص الشغل وشروط العيش الكريم.
وشددت الجمعية على أن انسداد الآفاق أمام الموطنات والمواطنين، وتفاقم مشاعر الإحباط واليأس خاصة وسط الشباب، لم يعد شعورا فرديا، بل تحول إلى هوية جيل كامل، أصبح في ظلها النزوح والرغبة في الهجرة لغبة تعبير عن غضب شعبي ضد فشل سياسات الدولة، وموقف إدانة لتنامي الفوارق الاجتماعية والتوزيع غير العادل للثروات واستيلاء فئة قليلة على مقدرات البلاد من خلال اقتصاد الريع والفساد والتسلط والاستبداد.
واعتبرت أن ما تشهده منطقة شمال المغرب مهما كانت الأسباب الظرفية التي حركت هذه الهجرة الجماعية كما جرى قبل سنتين، هو تعبير صارخ عن أزمة بنيوية عميقة وتراكمات عقود من التهميش الاقتصادي والاجتماعي، ويمثل إقدام أعداد غفيرة من من الشباب والقاصرين ومن النساء والرجال من كل الأعمار على المخاطرة بأرواحهم والهروب من بلادهم مؤشرا خطيرا على حالة اليأس المتفشي، وفقدان الثقة في المؤسسات والسياسات العمومية وفي المستقبل ككل.
وحملت أكبر جمعية حقوقية في المغرب الدولة المسؤولية السياسية، والمسؤولية المباشرة والكاملة عن الأوضاع الكارثية التي أدت إلى هذا التزوح الجماعي، الشبيه بما يقع في مناطق الحروب والنزاعات المسلحة، وما نتج عنه من انتهاكات متعددة لحقوق الإنسان، وفي مقدمتها الحق في الحياة، والحق في السلامة البدنية والأمان الشخصي، فضلا عن ما ألحقته من إساءة بليغة بصورة البلاد في العالم.
وعبرت عن استيائها من الاستهتار بسلامة وحياة الأطفال والقاصرين في انتهاك سافر لما تنص عليه اتفاقية الطفل، واستهجانها للصمت المريب لكل مسؤولي الدولة المغربية ومؤسساتها مما قوى من خلق حالة من التعبئة الشاملة في جل المدن والمناطق للتنقل إلى مدن الشمال بهدف الهجرة.
واستنكرت الجمعية الخطابات المتصاعدة في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية من طرف اليمين المتطرف، الداعية إلى التحريض على المهاجرين واعتبارهم يشكلون خطرا وجوديا على المجتمعات والدول الغربية، مؤكدة في نفس الوقت أن ما يجري في المغرب بين وقف وآخر من موجات نزوح ضخمة يسائل الدولة المغربية بشأن مدى احترامها للتعهدات الدستورية ومضامين المواثيق الدولية التي صادقت عليها.
وطالبت بمراجعة جذرية للسياسات الاقتصادية والاجتماعية، بما يعطي الأولوية للتشغيل الفعلي للشباب وتوفير العمل اللائق للجميع، ووضع سياسات تضمن التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية والمجالية بجهات الشمال ومختلف مناطق البلاد، ووضع كرامة المواطنين وحقوقهم الأساسية فوق كل اعتبار سياسي أو استراتيجي، انطلاقا من الاستجابة الحقيقية لأزمات الهجرة والنزوح والتي تبدأ من الداخل، عبر ضمان العيش الكريم والعدالة الاجتماعية، واحترام حقوق الإنسان في كونيتها وشموليتها.
ودعت الجمعية إلى فصل الملفات الإنسانية عن الأجندات السياسية، والالتزام بتدبير ملف الهجرة وفق مقاربة حقوقية شاملة، تحترم الكرامة الإنسانية وتلتزم بتعهدات حسن الجوار دون استخدام المستضعفين كأوراق تفاوضية، وتفعيل الآليات الوطنية لحماية الأطفال والقاصرين، بوضع استراتيجيات عاجلة لإعادة إدماجهم في منظومة التربية والتكوين، وحمايتهم من شبكات الاتجار بالبشر.
وأكدت على ضرورة فتح تحقيق جدي ومستقل للوقوف على الأسباب والظروف التي أدت إلى موجات النزوح الأخيرة، والمحاسبة على أي تقصير في توفير الحماية والحد من استغلال الفئات الهشة، واحترام حرية التنقل وفق ما تنص عليه منظومة حقوق الإنسان الدولية، وضمان احترام الحق في المغادرة والعودة المكفول بالمادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وألحت الجمعية على ضرورة وضع مطلب استرجاع المدينتين المحتلتين سبتة ومليلية ضمن الأجندة السياسية الآنية للدولة، دون ربطها بأي تسوية تخص جبل طارق، واعتبار ذلك يندرج ضمن تصفية الاستعمار.