الأضرحة في مصر... عشق متجذر وسجالات لا تنتهي
تتعلق قلوب شريحة واسعة من المصريين بآل البيت، وتشكّل أضرحتهم وجهة يقصدها كثيرون للتبرك والدعاء. وقد يبدو هذا الارتباط مفهوماً، إذ ينبثق عن محبة النبي محمد وآل بيته، إلا أنه لا يقتصر عليهم، بل يمتد إلى من يُعرفون بـ"أولياء الله"، وهم كثر على نحو يلفت الانتباه ويثير التساؤلات.
ولا يقتصر هذا التعلق على المسلمين، إذ يقصد كثير من المسيحيين أيضاً مزارات القديسين، في مشهد يرى باحثون أنه يعكس إرثاً تاريخياً عميقاً تشكل في الوجدان المصري عبر قرون.
ولا توجد إحصائية رسمية لعدد الأضرحة في مصر، إلا أن التقديرات تتراوح بين 6000 و12000 ضريح. والمسجل رسمياً لدى وزارة الأوقاف يقارب 3000 ضريح فقط، فيما تبقى آلاف الأضرحة خارج السجلات الرسمية، ويُعتقد أن بعضها لا يستند إلى أصول تاريخية موثقة.
ورغم هذا الحضور الواسع، لا تزال زيارة الأضرحة والصلاة في المساجد التي تضمها موضع سجال فقهي متجدد، إذ تتباين الآراء بين الإباحة والتحريم، وصولاً إلى اتهام بعض الممارسات المرتبطة بها بالشرك، فيما يدعو غلاة التيار السلفي إلى هدمها.

سجالات دينية لا تنقطع
يقول أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة ماربورغ الألمانية الدكتور عاصم حفني لـ"النهار"، إن "زيارة القبور للاتعاظ والتذكير بالموت، وحتى الصلاة في المساجد التي تضم قبوراً، أمر مشروع ومقبول".
ويطرح حفني، الذي عمل أستاذاً في جامعة الأزهر، ما يصفه بـ"التفسير العقلاني" لما يستند إليه السلفيون في تحريم الصلاة في المساجد التي تضم أضرحة، موضحاً أن "المقصود بالنهي هو اتخاذ صاحب الضريح معبوداً، أما إذا كان المكان يُعبد فيه الله وحده، فهذا مشروع".
ويضيف: "كل ممارسة تنقل شخصاً، حياً كان أو ميتاً، من مكانة التقدير والاحترام إلى التقديس، مرفوضة وتخالف الشرع. أما إذا كانت النية التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، فالممارسة مقبولة، حتى لو تضمنت التشفع بشخص يُعتقد أنه مقرب من الله".
ويقر الأستاذ الجامعي بأن هذه المسألة خلافية، لكنه يرى إمكان ضبطها بقاعدة واضحة، قائلاً: "إذا كان الاعتقاد بشخص ما قائماً على امتلاكه قدرة يختص بها الله، فهذا شرك، أما إذا اقتصر على المحبة والتوقير، وحتى التشفع، فهو مقبول شرعاً. فالشفاعة وردت في القرآن والسنة، لكنها تبقى وسيلة للطلب من الله، ولا تكون إلا بإذنه، ولا تعني مشاركة في المشيئة أو القدرة الإلهية".
 
جذور أقدم من الإسلام والمسيحية
من جانبها، ترى مديرة عام "أطلس المأثورات الشعبية المصرية" الدكتورة شيماء الصعيدي أن فهم سلوك المصريين تجاه أضرحة آل البيت والأولياء يصبح أكثر وضوحاً بالعودة إلى جذوره التاريخية.
وتقول الصعيدي لـ"النهار": "تتشابه معتقدات قدماء المصريين مع الأديان السماوية في جوانب كثيرة، لذلك نجد محبة الأولياء عند المسلمين، كما نجد تبجيل القديسين لدى المسيحيين، وهو ما يعكس إرثاً وجدانياً ممتداً وضارباً في أعماق الحضارة المصرية".
وتضيف: "إذا نظرنا إلى مظاهر التقدير التي تحيط بالولي عند المسلمين، فسنجدها تتشابه مع مظاهر التقدير التي تحيط بالقديسين لدى المسيحيين، وكذلك الاحتفال بموالدهم".
حاجة روحية وإرث اجتماعي
وتفسر الباحثة المتخصصة في التراث هذا السلوك بأنه "يعكس حاجة الإنسان إلى القدوة، وهي من العوامل التي عززت تمسك المصريين بالدين وبالجانب الروحاني في العقيدة، من دون الانغماس في العالم المادي".
وتضيف: "المنتمون إلى الطبقتين الوسطى والدنيا غالباً ما يواجهون صعوبات في حل مشكلاتهم الاجتماعية والاقتصادية، مثل تأخر الزواج أو الإنجاب وغيرهما، لذلك يلجأ بعضهم إلى القوة الغيبية".
وتختتم بالقول: "عندما جاء آل البيت إلى مصر، مثلوا بالنسبة إلى المصريين قيمة روحية كبيرة، باعتبارهم الأقرب إلى خاتم النبيين، وهو ما أحاطهم بهالة من التقدير والمحبة منذ وصولهم إلى مصر، وقبل ظهور المذهب الشيعي".